| رحيل السيدة الفاضلة ماري عبده التنوري العقل |
| الاثنين, 17 آب 2009 | |
|
وافت المنية السيدة الفاضلة ماري عبده التنوري أرملة المرحوم نصري الياس العقل ووالدة كلّ من الأمين الدكتور جهاد العقل، جوزف، فداء، الياس، راغده العجيل، ثريا لوكية، نهى نعيم الصباح، ومنى سليم الصباح، وشيّعت الى مثواها الاخير في بلدة المحيدثة (بكفيا) يوم الاربعاء 12 آب بحضور عميد شؤون عبر الحدود الأمين لبيب ناصيف، منفذ عام المتن الشمالي الأمين نجيب خنيصر، وحشد من الرفقاء والاصدقاء واهالي المحيدثة والجوار. نورد أدناه نص الكلمة التي القاها الأمين جهاد في وداع والدته: الأم مدرسة. يحيا المبدأ، يحيا الحزب، يحيا انطون سعاده. كلمات صلاة، كانت ترددها، تغنيها، تصليها أمي الأمية، التي لم تدخل مدرسة.. لقد انغرست كلماتها الوجدانية البريئة في أعماق نفسي، وربما كانت هي أمي أمامي تشق الطريق لأحيا في أنوار مدرسة الحياة، مدرسة سعاده. لقد قيل: وراء كل رجل عظيم امرأة، وها هي أمي أمامي، لا ورائي، مثال تضحية. وها نحن أبناؤها الثمانية، خمسة منهم جند في مدرسة الحياة. أمي، الرفيقة، الأمينة، المسؤولة، التي لم تنتم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، شكلاً، ولم تتحمل مركزاً فيه ولم تنل لقباً منه. أمي المناضلة الفاضلة، التي رافقت والدي، الرفيق نصري أبو جهاد، انتماء بالقسم، ووفاء باليمين. لقد انتمى والدي إلى الحزب، في مطلع الأربعينات، مع نخبة متنورة بالعقيدة من أبناء بكفيا. كان مناضلاً، قدوة، كما عرفه الرفقاء الذين رافقوه. كلف والدي بعدة مهمات حزبية، منها المشاركة في حراسة حضرة الزعيم اثر ملاحقته من «الحكومة اللبنانية » عام 1947 . وتقول والدتي إنها كانت ترافقه في حضور اللقاءات مع سعاده التي كانت تقام في أوتيل القاصوف في ضهور الشوير وغيره. وتخبرنا الوالدة، بألم واعتزاز عن عذاباتها أثناء اعتقال والدي، بعد اغتيال سعاده فجر الثامن من تموز 1949 ، كيف كانت تحمل الفراش والقنديل والزوادة والثياب وما استطاعت توفيره من الأكل الذي يحبه والدي، وتتنقل محملة بكل ذلك من سجن إلى آخر برفقة مناضلات بحثن عن أزواجهن وأولادهن وأخوتهن وآبائهن، وكيف كان العسكر يعاملهن بقساوة. وهي كغيرها لا تتراجع، فقد. قررت ألا تعود إلى البيت وإلى ابنها ابن السنة الرضيع، قبل أن تتم المهمة المستحيلة: العثور على رفيق الحياة. وأخيراً تجده، بهمة جار الرضى المستنطق العسكري والقاضي أديب العفيش، الذي سهل على أمي إيصال بعض الأغراض إلى أبي في المعتقل. باستثناء ما طاب من الأكل للحراس كانت أمي تخبرنا أن العسكر يأكلون لحم السمك ويوصلون الحسك إلى والدكم، وتسخر ونضحك وتتألم وتفرح!؟ ويخرج أبو جهاد من السجن مع رفقائه، من مديرية بكفيا وغيرها، أكثر إيماناً بالزعيم والقضية والأمة وأشد صلابة وأقوى عزيمة. كأن السجن، بالنسبة إليه، مختبر، ونقطة انطلاق جديدة. إنه الإيمان الذي لا يقهر، بل كلما ازداد الضغط على المؤمن، ازداد قوة وتصميماً على الصراع والجهاد حتى تحقيق الأهداف! شارك والدي في العديد من المهمات الحزبية، منها: الحملة الانتخابية في دمشق لدعم المرشح القومي الاجتماعي عصام المحايري، وكان عضواً في الوفد الحزبي مع الرفيق جوزيف كلنك الذي انتدب لتسوية الخلاف بين رئيس الحزب جورج عبد المسيح وأديب الشيشكلي (رئيس الجمهورية السورية) وكان رئيساً للأركان يومذاك. علماً أن الوفد الحزبي كان برئاسة حسن الطويل ومن أعضائه أيضاً شوقي خيرالله. في حوادث 1958 ، كنت في العاشرة من عمري، الكبيرة لخمسة أخوة، على أساس فارق سنتين بين الولد والآخر، وأتذكر كيف حضر سلاحه وجعبته وخرج وأمي تدعو له بالصلاة وترجو أن ينتبه إلى نفسه ويعود إلى عائلته. وعاد الوالد، وأنا في حيرة من أمري، لا أدري إلى أين ذهب ولا من أين عاد. كل ما أتذكره استقبال والدتي له بالدموع والفرح والاعتزاز. ويقع انقلاب فجر العام 1962 ويعتقل والدي وذنبه أنه قومي اجتماعي. لا أنسى منظر الدبابات والمصفحات وناقلات الجند وأزيز الطائرات ومئات الجنود الذين طوقوا محيط كنيسة سيدة الرقاد في المحيدثة، ومقابر الضيعة بحثاً عن القوميين الاجتماعيين، يا لسخرية القدر! ويخرج والدي من السجن أكثر تصميماً على متابعة الصراع على طريق الحياة الشاقة الطويلة، لأنها كانت في إيمانه والصراط المستقيم لانتصار الأمة... توفي والدي، والبقاء للأمة، في الخامسة والأربعين من عمره، نتيجة ما تعرض له في سجون وطنه ! حرك والدي في وجداني قوى غير منظورة جسدت لي الأبوة بغير مفهوم الدم واللحم. كان القدوة والمثال، وبه جمعتني وحدة الروح ونكهة الحياة الحرة. كان حاضراً جلسة قسمي الانتماء إلى الحزب في 1967 ، على اثر نكبة حرب 5 حزيران وأقول بعد مرور اثنين وأربعين عاماً على انتمائي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، أن فئة دم والدي، فئة الدم القومي الاجتماعي، فاعلة في، وهي أثمن ما أقدمه لعائلتي وأولادي وأحفادي... ولأمتي. هؤلاء هم آباؤنا وأمهاتنا وأبناؤنا. وبأمثال هؤلاء وبتمسكنا بإيماننا القومي الاجتماعي الذي هدانا إلى الحق. نحن على يقين أننا ملاقون أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ، سواء قصر الزمان أم طال. يقول سعاده: أمي وبلادي ابتدأا حياتي وستلازمانها إلى الانتهاء .. البقاء للأمة. |