|
يخطئ من يقول أن المشروع الصهيو - أمريكي في المنطقة قد أخفق أو شارف على نهاياته غير السعيدة ( للصهاينة بالطبع ) وربما يدفع التفاؤل بالبعض إلى افتراض الإخفاق أو بدايته على الأقل ، وأنا لا أشارك من يقول بذلك ومن هذا المنطلق جعلت عنوان مقالتي ( تعثر ) ولا أزيد ، مع أنني غير متشائم ، لكنه الحذر والخبرة بأساليب العدو ، ربما لا أكون مصيباً بالمطلق ، على الأقل لا بد من الحذر ، والحذر الشديد . لا يمكن افتراض أن مخططو المشاريع الأمريكية ، أو الصهيو - أمريكية في المنطقة ، أخذوا بالحسبان سهولة التنفيذ وانعدام الممانعة والمقاومة لمخططاتهم ، ولهذا من المفترض وجود خطط بديلة متعددة ، يمكن بناء كل منها على قاعدة متغيرة طبقاً لحالة الممانعة أو ظروف الاعتراض ، أو حجم المقاومة الواقعية للمخطط أو العملية قيد التنفيذ ، ومن هنا نرى أن ما يمكن تسميته إخفاق ، لا يعدو كونه تعثر أو إعاقة ، أو حتى مجرد تأخير في الوصول إلى الهدف مباشرة ، ومنه يمكن التخمين أن الانتقال إلى خطة بديلة هو السلوك المفترض ، والعدو يبحث دائماً عن الثقوب والخروق في جسد المنطقة ، فما بالنا إذا كان جسد الأمة تعتوره الكثير من الخروق والثقوب ، وأن للعدو أيادي كثيرة تمتد ولها لون وشكل الأيدي " الوطنية " ولو من حيث الشكل ، ندرك مدى خطورتها وقد تم توصيفها سابقاً وسبقنا إلى ذلك الزعيم سعادة عندما استشعر خطر يهود الداخل ، الذي يتجاوز في خطره حجم الخطر الذي يشكله العدو المكشوف والمعروف من قبل الجميع ... اليهود .
الالتفاف على الفشل في تنفيذ أي مخطط موضوع من قبل قادة العدو - والأمريكان بالذات ، أمر مأخوذ بالحسبان ، وما لا يتحقق بالقوة ، يجب أن يتحقق بالحيلة أو عن طريق الأنصار والأعوان المأجورين تحت أي مسمى كان ، ولا يمكن إسقاط عمليات التأليب والفتن والثورات المضادة ، والوقيعة وأخطرها الحروب الداخلية على قواعد عرقية أو طائفية أو حتى مذهبية ، والأخيرة تبلورت وظهرت إلى العلن على لسان مسئولين كبار كان من المستهجن في مرحلة المد القومي أن يتحدث بها سوى الرعاع المرفوضين على المستوى الوطني شعبياً ، اليوم الأمر مختلف ، فقادة ما يسمى دولاً - معتدلة أو واقعية ، أو موضوعية ، أو ليسموا أنفسهم ما شاءوا ، يجدون الحديث في هذا المجال في منتهى البساطة ، وربما الموضوعية ، بعد تدجين شبه كامل للشعوب ، ودفع هذه الشعوب إلى بدائية كانت مرفوضة إلى حد قريب ، وبالتالي اصطفاف البعض خلف مذهبيته ، أو طائفته ، وقبيلته وعرقيته وهو المطلوب أمريكياً لتسهيل نجاح العملية الكبرى ، ويدرك الكثير من القادة ، والسياسيين وأمراء الطوائف ، وأمراء الحروب أن الشعوب تدرك وتستطيع التمييز ، لكن عملية الضخ الإعلامي والغسيل المتتالي للأدمغة ، والعزف على العواطف هو ما يسمح باستمرار مسيرة المشروع المعادي ، وتحقيق نجاحات هنا وهناك ، وهذا لا ينفي وجود مقاومة بحجم أكثر من المتوقع بالنسبة للعدو ، ويعتبر البعض أن مجرد تعثر المشروع في منطقة ما ، أو نقطة ما ، هو إخفاق ، أو بداية للتراجع ... التراجع الذي لا تعرفه أبداً ولا تأخذه بحسبانها المخططات المعادية طالما بقيت الحوافز قائمة ، والمطامع موجودة ، لكن عمليات التعثر والفشل المؤقت في بعض الاتجاهات يدفع بالعدو إلى ممارسة شراسة أكثر ، والبحث عن طرائق وحيل جديدة يمارسها ، ويترتب على هذا السلوك أثمان لا بد من دفعها ، وكما قال الرئيس الأمريكي بوش يوم زيارة المالكي لإيران : إن ثمناً لا بد من دفعه إذا تساهل المالكي مع إيران .. ولا حاجة للتفسير والترجمة ، فالقول يشرح معناه ومضمونه واضح كل الوضوح ، وما بعد هذا من صراحة .
يقول مصدر وثيق الاطلاع أن الرئيس الأمريكي فاتح أحد ضيوفه العراقيين بالقول : عليكم أن تطلبوا المعونة من سوريا وإيران للسيطرة على الشارع ووقف العمليات ضد قواتنا وتأمين الاستقرار لحكومتكم ..! أجابه الضيف : لكنكم تصنفون الدولتين على أنهما محور شر في العالم ، ودول مارقة تدعم الإرهاب ، فكيف لنا أن نطلب معونتهم .؟. وأجابه الرئيس إن ما نعلنه للاستهلاك المحلي ، وسنتجاوز هذا الأمر ، نحن على استعداد للتفاوض معهم من تحت الطاولة ، ونحن لا نعتبرهم محور شر ولا غير ذلك ، المهم أن يبدوا مرونة في التعاون معنا ...!.
القيمون على تنفيذ المخطط الصهيو - أمريكي في المنطقة محكومون بقيم لا تمت إلى القيم الأخلاقية بصلة ، فلا الخسائر ( على كلى الجانبين ) تهمهم بشيء ، ولا النقد العالمي لخططهم وسلوكهم ، هناك ما هو أكثر أهمية ، تطبيق مخطط السيطرة على العالم ، موارد وثروات ، وفرض وإملاء وهيمنة ، وانتشار عسكري يعتبر الأداة الأكثر أهمية ، وهذا الانتشار يحتاج إلى نفقات ، وموارد ، يقوم المخطط بتوفيرها من مصادر عدة ، لا يمكن معها التراجع عن احتلال أو وضع اليد على ثروة ما ، لدولة أو دول مستهدفة ، وهذا هو جوهر الصراع على المستويين الداخلي والخارجي ، ويبقى أن السهولة هي في نطاق الخارج ، ففي الدول والكيانات التي تقع تحت السيطرة والنفوذ الأمريكي ، يمكن المساومة على الأفراد ، وحتى الأنظمة التابعة ، وهنا تدفع هذه الإدارة الثمن من جيوب الآخرين ، والمثال الصارخ أكثر من موجود ، وفي كثير من دول العالم التي مر عليها المشروع الأمريكي ثم خلفها وراء ظهره بعد أن جعل شعوبها ، وكثير من قياداتها تدفع الثمن غالياً ، الأخلاق ليست ذات أهمية .
في فلسطين ، ولبنان أيضاً ، يراهن المشروع الأمريكي على أطراف تعتقد أن خلاصها ونجاحها مرتبط جذرياً بالمشروع إياه ، وعليه فقد تبنت طريقها منسلخة عن قواعدها الوطنية وجذورها وارتباطها المصيري الحتمي بتاريخ وجغرافية المنطقة ، وانقلبت على ثقافة المقاومة بل اتخذت سبيلها في محاربة من يتبناها ، ويتأكد لكل ذي عقل وبصيرة أن هذا الاعتقاد مبني على أوهام ، فالمخطط الأمريكي لا يأخذ بالحسبان مصير الأفراد والجماعات ، وهو أساساً لا يأخذ بالحسبان مصير شعوب وأمم بأكملها ، إلا بالقدر الذي تفرض فيه وجودها عليه ، من هنا نلمس التخلي عن البعض ، سواء في فلسطين الداخل ، أو في الشتات ، وبالتالي سقطت رموز أنفق أصحاب المشروع الكثير لتهيئتها ، ولديه الكثير من هذه النماذج الجاهزة لتأخذ دورها المرسوم ، ثم لتسقط مع انتهاء الدور ، وهذا ينطبق على لبنان ، فالذين يعتقدون أنهم محصنين بالقوة الأمريكية ، ومظلتها في المنطقة ، ليسوا أذرع لهذه القوة بقدر ما هم أدوات في يدها ، تساوم عليهم ، وتبادل بهم في سوق النخاسة والتبادل من تحت الطاولة ، وبعضهم يدرك هذا الأمر ، ويعلن تخوفه منه ، ويجاهر بهذا التخوف ، لكن طريقة التثعلب الأمريكية تنجح دائماً في إقناع هؤلاء ، وتهدهد خواطرهم ، وتبعد شكوكهم جانباًً ريثما يستكمل المشروع شروط نجاحه ، الأهم أن الحراك الوطني في كل مكان يقصده المشروع الصهيو - أمريكي ، يدرك اللعبة ، فلا يساوم ، ولا يجب أن يتراخى في عملية المقاومة ونشر ثقافتها ، المقاومة بكل فروعها ، وليس بما تعنيه مادياً من عنصر وسلاح ، بل على كل الأصعدة الثقافية ، والاقتصادية ، والعلمية ، والعسكرية ، فكلها أجزاء تكمل بعضها بعضاً ، ويبقى أيضاً أن مقاومة يهود الداخل وإسقاطهم هو الأكثر أهمية ، وهؤلاء يتمثلون في أمراء الإقطاع السياسي ، وأمراء الطوائف ، وأخطرهم أمراء الحرب الملطخة أياديهم بدماء آلاف الأبرياء وجميعهم يحملون بجدارة صفة العملاء .
المخطط الأمريكي يعرف تاريخ هؤلاء ، وما أسهل على منفذي هذا المخطط من المساومة على رؤوس هؤلاء ودحرجة بعض هذه الرؤوس في أول فرصة سانحة لقاء الخروج من ورطة في زاوية من زوايا الوطن الكبير ، هؤلاء من سيدفع الثمن فقط ، ثمن انتصار الوطن ، وثمن هزيمة المشروع الصهيو - أمريكي .
|