|
أعد كتاب «ديناميكيات النزاع في العراق»، الصادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية، فريق ابحاث برئاسة الدكتور فالح عبد الجبار، ضم: الاستاذ رائد فهمي (التقرير الاقتصادي)، والبروفسور راي كيلي (التنمية والنزاع)، والدكتور أليخاندرو كولاس (سيناريوهات النزاع)، وتيم هيث (مساهمة في سيناريوهات النزاع)، والدكتور هشام داوود (مساهمة في العلاقات الإثنية).
ويبدو في هذا الكتاب، أن سياق العنف في العراق ـ ماضياً، حاضراً، ومستقبلاً ـ معقّد وديناميكي. وإن تحقيق عراق أكثر استقراراً، أو اقوى اندفاعاً في اعادة البناء، أي عراق متطور، وديموقراطي، لن يتحقق إلا بعد إرساء سلام مستديم... وهذا لن يتم الا بعد فهم محركات النزاع، وكيف تساعد التدخلات على خفض حدّة النزاع، أو مفاقمة التوترات عن غير قصد (أو كليهما)، خلال العملية الانتقالية كأمر ضروري لتحقيق هذا الهدف.
يقدم هذا التقرير المستقل تقييماً استراتيجياً لمحركات النزاع الاساسية في العراق، وأسبابها الكامنة، وترابطاتها، وعوامل تفجّرها وإمكانية توليدها العنف. ويهدف هذا التحليل الى تنوير الاطراف ذات المصلحة، الوطنية والدولية، في تصميم السياسات والبرامج الحساسة في النزاع، والمساهمة في خفض النزاع خلال السنوات المقبلة.
ولا يمكن مسح أبعاد النزاع في العراق إلا بعد نفض غبار نصف قرن من الحكم العسكري والتسلّطي الذي أورث العراق إرثاً شائكاً من الحروب المدمّرة، والعقوبات الكاسحة، وسوء الحكم، وسوء الادارة، وحكم الأسرة والفساد. أدّت هذه الظروف الى استنزاف الموارد ودمار المجتمع المدني، وإضفاء الطابع الشخصي على مؤسسات السلطة، وخلفت وراءها أمّة تنوء تحت ثقل التشظي الشديد، وتعاني من ازمة هوية طاحنة.
ففي ظلّ نظام البعث، عانى الاكراد والشيعة من التهميش السياسي نسبياً. فلم يكن تمثيل أي من الجماعتين ذا معنى يذكر في المؤسسات السياسية، إذ كانت المشاركة محدودة وانتقائية وتخضع بالكامل لسيطرة النخبة الحاكمة. وحدهم الاكراد المعربون كانوا مقبولين في المؤسسة العسكرية. لربما كانت الادارة المدنية الاستثناء الوحيد خلال مرحلة حكم البعث (1968 ـ 2003). استهدفت السيطرة البعثية العلمانية المؤسسة الدينية الشيعية غير الرسمية والمستقلة وأضعفتها؛ فكانت الطقوس الشيعية والشعائر الدينية تواجه تقييدات معينة. أما الطرق الصوفية الكردية فكان يتمّ اختيارها والتلاعب بها سياسياً (القادرية)، أو يتم إضعافها (النقشبندية المناصرة للبرزاني).
في ضوء هذه الوقائع، طوّر الشيعة تحدياً اسلامياً أصولياً نضج تحت تأثير الثورة الايرانية في العام ,1979 وبات التعبير عن معاناتهم يرتدي بالتدريج صبغة طائفية. أما الاكراد فقد طوّروا ايضاً سياسات إثنية، فبعد انتفاضة العام ,1991 تحقق الاستقلال الذاتي الكردي كأمر واقع، وضاعف من ترسيخ الهوية الاثنية الكردية التي أدّت للمرة الاولى في تاريخ العراق الى تسييس هويات إثنية اخرى، ولا سيما التركمان والآشوريين. ويشكّل الهدف الحالي للفدرالية الكردية مادة هي موضع اعتراض تتقدم به مجموعات أخرى في المنطقة الشمالية أي (منطقة الادارة الآشورية، او الاستقلال التركماني في كركوك).
لا شكّ في أن خطوط الانقسام الاثني والمذهبي والطائفي سبقت تشكل الدولة الحديثة في العراق، لكنها تعمقت تدريجياً الى أن تبلورت في تسييس الهويات تسييساً عدائياً محترباً خلال التسعينيات. وتركزت هذه النزاعات على قضية توزيع مقاليد السلطة وطرق الوصول الى السلطة وتأمينها، إضافة الى توزيع الموارد الاقتصادية. هذا الوضع يتناقض بحدّة مع النشاط السياسي الذي كان يقوم على العمل الايديولوجي (يسار، يمين، وسط... الخ)، وهو ما كان سائداً في الخمسينيات والستينيات. لكن هذا التحول الظاهر، من العمل السياسي الايديولوجي الى العمل السياسي القائم على الهوية. يمكن أن يكون مضلّلاً، اولاً إذا ما تمّ فصله عن مظاهر أخرى من الحقائق السوسيولوجية، وثانياً إذا ما لم تتم دراسة الانقسامات القائمة داخل الهويات الطائفية او الاثنية المسيسة.
نظام مارديني: السفير 8/9/2007
|