عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

الجذور الثقافية لقادة الولايات المتحدة الأميركية- الأمين سهيل رستم طباعة ارسال لصديق
الاثنين, 06 آب 2007
 

لقد خضع قادة الولايات المتحدة الأميركية لنمط ثقافي رافقهم من بدء تشكلها عام 1607، مع وصول أول قافلة من المهاجرين الأوروبيين، وحتى الآن، أي من جورج واشنطن ومن جورج بوش الابن، وربما سيستمر إلى ما بعد هذا الأخير.

وإن ما سمي فيما بعد (الحجاج) أو (الآباء المؤسسون) كانوا مجموعة منشقة عن الكنيسة الإنكليزية، ومتأثرة بمنظمة البيورتان المرتكزة في ثقافتها إلى توراة اليهود. لذلك عندما أسسوا أول مستعمرة لهم في (نيو بليموث)، أنشؤوا فيها حصناً أطلقوا عليه اسم جبل صهيون، معتقدين أنهم يمتلكون بلد الرب الخاص، وأنهم الشعب المختار، وحملوا في معتقداتهم العداء للآخر، ما أدى إلى اصطدامهم منذ وصولهم مع السكان الأصليين، وبدؤوا حرباً ضدهم أخذت أشكالاً مختلفة وصلت إلى حد الإبادة الجماعية لبعض قبائلهم، فبعد وصولهم بقليل وتحديداً عام 1622 هاجموا قبيلة (بوهاتان) الهندية وقضوا على معظمها، وفي العام 1637 أبادوا قبيلة باكو، وتوالت عمليات القتل والإبادة، وكان يرعاها بعض من وصلوا إلى رئاسة الولايات المتحدة، وبعض هؤلاء القادة كان يلجأ إلى استئجار القتلة لقتل ما يتمكنون من الهنود لقاء بعض الدولارات شرط إحضارهم جثة القتيل للحصول على الثمن المطلوب، ولما ملّوا من إحضار الجثث طلبوا من القتلة الاكتفاء بإحضار فروة رأس القتيل، وبعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ صاروا يصنعون من بعض أعضاء الهندي المقتول تذكارات، وميداليات يفاخرون بها، ولم يشذ عنهم إبراهام لنكولن الذي قاد حرباً عنيفة ضد القبائل الهندية، والآن وبعد مرور أربعمائة سنة يلجأ قادة الولايات المتحدة إلى توظيف شركات القتل لإبادة مواطنينا في العراق، وفي أماكن أخرى من العالم.

وكان لتنوع المهاجرين وقلة عددهم، ونزعتهم إلى التمرد، واتساع الأرض التي يجوبون فيها، دوراً في نمو النزعة الفردية والحرية الفردية، والعداء للآخر، والتي لا تزال مسيطرة حتى الآن على التجمع الأميركي، وهذا ما دعا بعض الباحثين إلى القول إن الأميركي هو الأكثر فردية في العالم، والأشد تمسكاً بالحرية الفردية.

ولقد نمت في القادة الأوائل نزعة ثقافية، تأثرت بشكل واضح بالثقافة التوراتية التي استمر تأثيرها حتى الآن، إذ إنهم اعتبروا أنفسهم شعب الله المختار، وإن هجرتهم هي رحلة البرية، أو (التيه)، وإن الأرض الجديدة هي أرض كنعان الجديدة، وإسرائيل الجديدة، وأورشليم الجديدة وهذا ما عبر عنه (جون ونثروب) أحد المهاجرين الأوائل، الذي أصبح أول حاكم لولاية (مساشوستس) فقد ألقى خطبة على ظهر السفينة التي حملت ما سمي بالحجاج، إذ قال: «إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندها سيعطينا مجده وأبّهته، وعندها يتوجب علينا أن نجعل من نيو انفلند - مدينة على جبل». وهذا رمز لأورشليم ولصهيون أيضاً.

والثقافة التوراتية وفرت لهم القصص التي شكلت عندهم سلوكاً أخلاقياً متطابقاً معها، واعتمدوها في تبرير عنصريتهم وتمايزهم. فقصص اجتياح أرض كنعان، والإبادات التي رافقتها، والواردة في التوراة، أسقطوها على اجتياحهم لأرض أميركا، وما رافقها من إبادات، معتقدين أن الله اصطفاهم، وفضّلهم على العالمين، وأعطاهم الأرض، وحق تقرير الحياة والموت والرزق لكل من يعيش فوقها.

هذه الثقافة التوراتية تجلت في خطب، وكتابات، ومؤلفات كتاب وسياسيين ورؤساء في الدولة، فالسيناتور (هارت بنترون) ألقى خطاباً في مجلس الشيوخ عام 1846 جاء فيه: «إن قدر أميركا الأبدي هو الغزو والتوسع، إنها مثل عصا هارون التي صارت أفعى، وابتلعت كل الأفاعي. هكذا ستغزو أميركا الأراضي وتضمها إليها أرضاً بعد أرض، وذلك هو قدرها المتجلي».

وقبله قال (جيمس بالدوين) النائب في الكونغرس ما بين 1831-1839: «قدر الهندي الذي يواجه الإنكلوسكسوني مثل قدر الكنعاني الذي يواجه الإسرائيلي.. إنه الموت».

أما الكاتب (كوتون ماذر) فقد سمى كتابه الذي ألفه عن سيرة حياة (جون ونثروب) باسم (نحميا الأميركي) مشبهاً إياه (بنحميا) الوارد في أساطير التوراة، التي تدعي أنه قاد اليهود في عودتهم من بابل إلى الأرض الموعودة.

ويذهب الكاتب (صموئيل فيشر) إلى موقف أكثر تطرفاً في كتابه (شهادة الحقيقة) الذي قال فيه: «لتكن إسرائيل المرآة التي نرى فيها وجوهنا»، وتوافق معه في هذا المفهوم (صموئيل لنفدون) الذي كان لفترة ما رئيساً لجامعة هارفرد، والذي وضع كتاباً بعنوان (جمهورية الإسرائيليين نبراس الولايات المتحدة).

أما الكاتب (لي فريدمان) فإنه يوضح في كتابه (حجاج العالم الجديد)، اهتمامهم بكتاب ما سمي - العهد القديم - واعتمادهم عليه وقراءته أكثر من أي كتاب آخر، وتأثرهم بالأسماء الواردة فيه، والتي استعاروها لتسمية أبنائهم. كما يبين في كتب أخرى وضعها المعنى الإسرائيلي لأميركا، ومنها (تلمود العم سام) و(الجلاد المقدس) و(فكرة أميركا).

لكن الأخطر في تأثير التوراة هو تأثيرها في رؤساء أميركا الذين تعاقبوا على قيادتها، لأن بيدهم صنع القرار، فلقد تجذرت فيهم ثقافة التمايز والعنصرية والعداء للآخر، مرتكزين إلى تعاليم التوراة المليئة بهذه الأفكار، والمتجلية اليوم في الدعوة إلى العولمة، وقيادة العالم، وتصدير الأفكار والقيم الأميركية، فالرئيس (روزفلت) الذي تولى رئاسة أميركا ما بين 1901-1909 قال: «في النهاية لا يستطيع الرجل المتحضر أن يجد السلام إلاّ عندما يقمع جيرانه البرابرة»، والرئيس (ويلسون) الذي ترأس أميركا ما بين 1913-1921 قال: «لقد خلقت أميركا لكي تقود العالم، وأنا أعرف أن العالم كله يخسر قلبه عندما ترفض أن تدله أميركا على الطريق» ويتابع «عندما يلجأ البشر إلى السلاح لتحرير البشر الآخرين عند ذلك تكون الحملة الحربية مقدسة، ومباركة، وأنا لا أريد أن أدعو إلى السلام ما دام هناك في العالم خطيئة وشر، وما دامت الخطيئة والشر يسودان هنا، فالسلام نفسه خطيئة، والمرء يحتاج إلى الحرب لتحقيق السلام لا غير».

أما (ترومن) الذي كان رئيساً في العام 1952 فإنه يقول: «بالدور القيادي لأميركا، وهو الدور الذي عهد به إليهم الرب العلي القدير» كما قال في أحد خطبه: «إن على العالم أن يتطور حسب معاييرنا لأنها معايير مباركة من القدرة الإلهية، وستساعد عملياً على القتال من أجل السلام، ولكنه سيكون السلام الأميركي»، وبعده بسنوات عشر يقول الرئيس (كنيدي): «إن أميركا تتميز بحق القيادة الأخلاقية في هذا الكوكب وإن الأميركان هم الحراس على معاقل الحرية في العالم» وفي نفس السياق يقول الرئيس نيكسون: «إن أميركا التي هي في رعاية الرب تستطيع أن تهب العالم قيادة روحية».

أما (رونالد ريغن) فيقول: «إن الرب الذي يسبغ رحمته على هذه البلاد، كان ينظر إلينا دائماً على أننا المعبر الذي هو أرض الميعاد». وفي احتفال للمذيعين الدينيين عام 1983 قال مشيراً إلى ما يسمى (الكتاب المقدس): «داخل دفتي هذا الكتاب الوحيد توجد الإجابات كلها التي نواجهها اليوم»، وكان الرؤساء الذين سبقوا هؤلاء، والذين أطلق عليهم اسم (الآباء المؤسسون) أكثر تحمساً للثقافة التوراتية، وأشد تمسكاً بأساطيرها، إذ كان الرئيسان جيفرسون وفرانكلين يصران على صورة (الخروج الإسرائيلي) من مصر إلى كنعان الواردة في التوراة، على أنها المثل الأعلى للنضال الأميركي من أجل الحرية، وعندما عهد إليهما الكونغرس عام 1776 وضع تصميم خاتم للولايات المتحدة، اختار (فرانكلين) رسماً لموسى رافعاً يده والبحر الأحمر منغلق وفرعون في عربته تبتلعه المياه، مرفقاً بشعار - التمرد على الطغيان طاعة الله - أما جيفرسون فاقترح رسماً (لبني إسرائيل) في التيه، ترشدهم السحب في النهار، وعمود النار في الليل، و(جفرسون) نفسه ختم خطابه لفترة رئاسته الثانية بقوله: «إننا بحاجة إلى فضل ذلك الذي هدى آباءنا في البحر كما هدى (بني إسرائيل) وأخذ بيدهم من أرضهم الأم ليزرعهم في أرض تفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش».

هذه الثقافة هي التي حكمت سلوك قادة أميركا منذ نشوئها القريب، وهي التي دفعتهم إلى اعتماد بعض رموزها في حياتهم العامة، وفرضت على كل التجمع الأميركي كما في احتفالاتهم بعيد الشكر الذي يعبر عن انتصارهم على الهنود الحمر وإبادتهم، والمتوافق في معناه مع (عيد الفصح اليهودي) الذي يعني ذكرى خروج اليهود من مصر، وقتلهم أبكار المصريين.

وهي الثقافة التي دعت المهاجرين الأوائل ليطلقوا على أنفسهم اسم (المستعبرين)، حتى إن المؤرخ اليهودي (لي ليفنغر) قال عنهم: «إنهم أكثر يهودية من اليهود، لأنهم يعتبرون أنفسهم يهود الروح الذين عهد الله إليهم ما عهده إلى يهود اللحم والدم قبل أن يفسدوا، ويتخلوا عن أحلام مملكتهم الموعودة، وإن يهوديتهم أرست ثوابت الثقافة اليهودية التي رافقت التاريخ».

وهي الثقافة نفسها التي يتطلع من خلالها قادة أميركا إلى العالم، معبرين عنها بأساليب مختلفة، ومتعددة، ثقافية واقتصادية، وسياسية، وعسكرية ويعملون على فرضها أو نشرها في العالم.

 

مراجع:

1- تاريخ الولايات المتحدة - هنري ستيل كوماجر - ترجمة ابل ييدس.

2- المولوخ إله الشر - كارلها ينتس دشنر - ترجمة محمد جديد - قدس للنشر والتوزيع.

3- الحلم والتاريخ: كلود جوليان - ترجمة نخلة كلاس.. منشورات وزارة الثقافة 1975.

4- حق التضحية بالآخر - منير العكش - دار رياض الريس - طبعة أولى 2002.

5- أميركا التوتاليتارية: ميشيل بوغنون - موردان - ترجمة أحمد خليل - دار الساقي - بيروت، طبعة أولى 2002.

6- الأصولية المسيحية: جورجي كنعان - بيسان للنشر والتوزيع، طبعة أولى 1975.

 

جريدة "البناء" الدمشقية - 6 آب 2007 .
 
< السابق   التالى >