|
أضواء على شخصية وسيرة أنطون سعاده بقلم د.يوسف مروة 8/9 |
|
|
|
الأربعاء, 01 آب 2007 |
|
في الذكرى المئوية لولادة أنطون سعاده ( 1904-2004)
أضواء على شخصية وسيرة مؤسس أول حركة فكرية قومية ثوريةفي العالم العربي خلال القرن العشرين ( 8) إعداد: د.يوسف مروّة 6- ما هي الحركة السورية القومية الإجتماعية ؟ الحركة السورية القومية الإجتماعية هي أول حركة فكرية قومية ثورية عقائدية منظمة عرفها العالم العربي في القرن العشرين. وقد وضع الفيلسوف الإجتماعي أنطون سعاده في 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1932 مبادئها وأهدافها ونظّم مؤسساتها، وقادها طوال سبعة عشر عاماً واستشهد في سبيل تحقيق إنتصارها في الثامن من تموز ( يوليو) 1949. وإستهدفت هذه الحركة التاريخية الرائدة والواعدة منذ قيامها بعث نهضة جديدة شاملة وإقامة نظام جديد ينقذ الأمّة السورية العربية ( المجزأة إلى كيانات سياسية متعددة) والعالم العربي بأسره من أوضاع التفسخ والتفكك والتجزأة والإنحلال والإحتلال الأجنبي والفوضى الداخلية وجميع العلل والمساوىء والمفاسد والأمراض النفسية والإجتماعية السائدة في المجتمع السوري وجتمعات العالم العربي الأخرى. وكانت أول حركة سياسية عربية فكرية تمثل الإستجابة المخلصة الواعية للتحدّي الصهيوني الإستيطاني في المشرق العربي. وقد إستمدّ سعاده مبادىء هذه النهضة وتعاليمها من تراث ونفسية الأمّة السورية وتاريخها الحضاري الثقافي الغني بالبطولات والأمجاد والمكتشفات والمعارف والفنون والمنجزات الفكرية على إختلافها. ولا شك بأن أعظم ميزات سعاده بين زعماء حركات التحرير القومية في العالم أنه نجح في بناء المواطن ـ الإنسان بناءً نفسياً إجتماعياً فكرياً عقائدياً جديداً. ولا شك بأن بطولة وثبات وصبر وإيمان ووعي وإخلاص السوريين القوميين الإجتماعيين الذين إستشهدوا على خشبات الإعدام وفي ميدان معارك التحرير القومية ضد جيوش المنتدب الفرنسي والبريطاني والمغتصب الصهيوني دليلاً واضحاً على صحة ومتانة المبادىء وشدّة وصلابة الإيمان لدى القوميين الإجتماعيين بهذه المبادىء. وقد وصف سعاده هذه الحركة التاريخية في إحدى محاضراته حيث قال: " إن غاية الحركة السورية القومية الإجتماعية بعيدة المدى عالية الأهمية لأنها لا تقتصر على معالجة شكل من الأشكال السياسية. بل تتناول القومية من أساسها وإتجاه الحياة القومية.. نحن حركة تتناول ما هو أبعد كثيراً من مصالح فئة جزئية محدودة في الوطن والأمّة.. نحن حركة تتناول حياة الأمّة كلها بمجموعها . تتناول الحياة القومية من أساسها والمقاصد العظمى للحياة القومية كلها وليس لجزء واحد منها." ( 73) " نحن لسنا حزباً سياسياً يخدم مصالح فئة معينة بل حزب يعبّر عن مصلحة الأمّة، عن المصالح القومية كلها ويسير لتحقيق المصالح القومية كلها، بالتضحية. بتضحية أفراد وفئات كبيرة وعديدة منّا. بألوف من القوميين المستعدين لتحمل جميع أنواع الآلام وخوض جميع المعارك لنصرة قضية الأمّة وحق الأمّة في الحرية والإتحاد وحق الأمّة في الحياة الجيدة المثالية. إن غرض الحزب هو توجيه حياة الأمّة السورية نحو التقدم والفلاح. هو تحريك عناصر القوة القومية فيها لتحطيم قوة التقاليد الرّثة وتحرير الأمّة من قيود الخمول والسكون إلى عقائد مهترئة، والوقوف سداً منيعاً ضدّ المطامع الأجنبية التي تهدّد مصالح ملايين السوريين وكيانهم، وإنشاء تقاليد جديدة ترسخ فيها نظرتنا إلى الحياة ومذهبنا القومي الإجتماعي." ( 74) " إن وجود هذه النهضة في وحدتها الحقيقية الطبيعية وفي ذاتيتها الصحيحة هو الدليل الواضح القاطع على إمتياز هذه النهضة على كل الأعمال الغير مستمدّة من حقيقة المجتمع الإنسانية، وإمتيازها لأنها تقيم نظاماً فكرياً، عقلياً، إجتماعياً، جلياً، صحيحاً قد أقامته في وسطها وهو يمتدّ، وكل الدلائل تدلّ على أنها ستقيمه في الوطن السوري كله". "إن القومية السورية هي الطريقة العملية الوحيدة والشرط الأول لنهضة الأمّة السورية وتمكينها من الإشتغال في القضية العربية, إن الذين يعتقدون أن الحزب القومي الإجتماعي يقول بتخلي سورية عن القضية العربية، لأنهم لا يفهمون الفرق بين النهضة السورية القومية الإجتماعية والقضية العربية قد ضلّوا ضلالاً بعيداً. إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي. ولكننا نريد قبل كل شيء أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا. يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية الإجتماعية لنستطيع القيام بمهمتها الكبرى." ( 75) وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الحزب في لبنان إستعاد نشاطه بسرعة، بالرغم من النكبة الكبرى التي حلّت به وشملت إعدام زعيمه وستة من أعضائه وزج المئات من قادته وأعضائه في السجون. ولم تمضِ أشهر قليلة على النكبة حتى عادت تنظيماته إلى العمل السرّي في سائر أنحاء لبنان بعد أن بدأ الحزب بممارسة نشاطه العلني المرخص له في سوريا بعد إنقلاب الحناوي ( 14 آب 1949) وإعدام حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي. وقد لعب الحزب السوري القومي الإجتماعي أكثر من دور في الأحداث السياسية والعسكرية اللبنانية والسورية التي جرت بعد إعدام زعيمه، وخاصة في الإنقلابات ومحاولات الإنقلاب التي جرت في سوريا ولبنان بعد عام 1949. وكان له دوره المميز في المقاومة اللبنانية ضدّ الإحتلال الإسرائيلي إلى جانب أحزاب وحركات وقوى المقاومة اللبنانية. وفي الختام نستعرض فيما يلي مقتطفات سريعة من الآراء المختارة حول سعاده والحركة السورية القومية الإجتماعية لعدد من الكّتاب والمفكرين قيلت ونشرت بعد إستشهاد سعاده:
1- كتب غسان تويني إفتتاحية في جريدة " النهار" جاء فيها:
" أنطون سعاده يؤمن بالتاريخ، ويعرف أن التاريخ يذكر الذين أُعدموا ولا يذكر الذي أَعدم. وما تاريخنا سوى تلك الأجيال الطالعة التي كانت تبحث في الماضي القريب عن إنسان يحب بلاده حتى الموت لتمشي وراءه، حياً أو ميتاً." (76) 2- كتب الشهيد المرحوم كامل مروة إفتتاحية في جريدة " الحياة" ذكر فيها:" لقد مات سعاده في سبيل عقيدة ولدت شخصيته معها وذابت فيها حتى النفس الأخير. هذه هي الحقيقة التي ترافق إعدامه مهما قيل في أسبابه وفي تلك العقيدة. وهو ولا ريب أول لبناني أُعدم لأسباب سياسية منذ الحرب العظمى في بلد لم يعرف منذ جيل معنى الدم في سبيل العقيدة، إذ طغت فيه الطائفية والسياسة والمناصب على الفضائل القومية، وحالت دون تركيزه في قلوب أبنائه تركيزاً منسجماً." (77) 3- كتب الصحافي جبران مسوح في جريدة " الحقيقة" الصادرة في البرازيل مقالاً ذكر فيه: " أنطون سعاده أوجد قضية قومية من صميم الشعب لا علاقة لها بالخارج وجمع تحت لوائها المسلم والمسيحي ليموتا في سبيلها برضاهما وإختيارهما وهي معجزة لم يستطعها أحد قبله. إن البطون الشرقية يجب أن تستريح ألف سنة لعلها تستطيع بعد ذلك أن تحمل مثل أنطون سعاده. سعاده عرف جميع أمراض المجتمع وسمى كل مرض بإسمه بلا خوف ولا تردد. فهو في ذلك من أكبر المصلحين الذين ظهروا على وجه الأرض في جميع العصور." (78) 4- وجاء في إستجواب الشهيد النائب كمال جنبلاط للحكومة اللبنانية في 9 أيلول 1949 قوله:" وفي الواقع وفي نظر كل من إطّلع على خفايا الأمور، لقد تدخلت بعض الدول الأجنبية المعروفة في قضية سعاده وضغطت بحيث أن أكثر الأعمال الإعتباطية التي صدرت عن الحكومة اللبنانية بهذا الشأن إزاء الحزب القومي ومن ضمنها المحاكمة والقضاء على سعاده وبعض أتباعه بهذه السرعة وبهذا الشكل قد تمّت بناءً على توصيات وتدخلات وتأثيرات دول أجنبية وعربية معروفة." (79) 5- وجاء في كتاب ( سعاده والحزب القومي) لمؤلفه عبد الغني العطري قوله:" في إعتقادي أن حركة الزعيم سعاده لا تقل عن حركات التحرير والبطولة التي قامت في العالم، والتي كانت تهدف إلى النهوض بأمّة من الأمم، وبعث الروح القومية فيها وإنقاذها من التفكك والإنحلال والجهل. ولعلّ من أكبر ميزات الزعيم سعاده بين زعماء حركات التحرير في العالم، أنه وضع مبادئه ولم يترك تطبيقها للزمن، بل طبّقها بنفسه ثم على المقتنعين بمبادئه. وأوجد فئة من الناس تعتنق المبادىء القومية وتعمل بها، وتعيش لأجلها وتموت، وهو لعمري أمر لم تألفه هذه البلاد في حزب من الأحزاب قبل اليوم. وبطولة القوميين الذين سيقوا إلى ساحة الإعدام وفي ساعة الموت بصورة خاصة، أكبر دليل على ما نقول. وظّل سعاده يكافح ويناضل في سبيل مبادئه كفاح الأبطال، إلى أن أدرك أن حياته طريق لفوز مبادئه، فضحّى بها وذهب إلى الموت ليلقاه رابط الجأش، باسم الثغر عارفاً أن الحياة وقفة عزّ وأن الموت طريق الحياة." (80) 6- وكتب الباحث المؤرخ المعروف ساطع الحصري في كتابه ( العروبة بين دُعاتها ومعارضيها) بحثاً جاء فيه:" لم يظهر في العالم العربي إلى الآن حزب يضاهي الحزب السوري القومي في الإهتمام بالدعاية المنظّمة التي تخاطب العقل والعاطفة معاً، وفي التنظيم الحزبي الذي يعمل بلا إنقطاع في السر والعلن. وقد إستطاع هذا الحزب بفضل تنظيماته، أن يوجد تياراً فكرياً وسياسياً قوياً جداً في سورية وفي لبنان" (81) 7- وكتب الباحث د. مجيد خدوري في كتابه ( الإتجاهات السياسية في العالم العربي) فصلاً جاء فيه:" أظهر أنطون سعاده من البداية، خلاف معاصريه من الزعماء، إخلاصاً كاملاً لمهمته. فصرف كل وقته وطاقته في نشر مبادئه، دون أن يكترث لأي كسب أو إمتياز شخصي. وتصور نفسه كالأنبياء الأولين، صاحب رسالة أُلقي على عاتقه نشرها مهما كان الثمن. ولم تشهد سورية في تاريخها المعاصر قائداً تحلّى بهذا القدر من الإيمان والحماسة وقوة الشخصية وسحرها." (82) 8- ووصف الباحث المؤرخ يوسف أسعد داغر في موسوعته( الفكر العربي في سير إعلامه) بقوله:" أنطون سعاده مفكر لبناني، أديب، بعيد الغور في ثقافته، كاتب إجتماعي درس نشوء الأمم ووضع فيه أبحاثاً جديدة تتصف بالأصالة والجدّة، ألسُني، أحسن مع العربية والإنكليزية والألمانية والإسبانية والبورتغالية. وهو مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي وزعيمه ومشترعه وواضع رسالته القومية." (83) 9- وكتب د. كمال الحاج، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية في كتابه ( موجز الفلسفة اللبنانية) قائلاً:" أنطون سعاده دفع بالسياسة والفلسفة إلى آخر حدود الإلتزام، إلى التحزب، بالحزب وفي الحزب، تسيست الفلسفة وتفلسفت السياسة. إن سعاده فيلسوف قبل كل شيء وفوق كل شيء... بفضله، ولأول مرة، تتفلسف الحزبية فتتحزب الفلسفة" ( 84) 10- وكتب د. هشام شرابي، أستاذ الفلسفة في جامعة جورجتاون، واشنطن في كتابه ( الجمر والرماد) قائلاً:" كان لدى سعاده " كرزما" هائلة، من الصعب تفسير تأثيرها.. في كلامه وتحركه سيطرة تامة، لا يرفع صوته ولا يؤشر بيديه. كان في معاملته مع كل من يلاقيه لطيفاً رقيقاً، وطيلة معرفتي به لم أشاهده مرةً يعامل أحداً بخشونة أو تكبر، بل كان دائماً أديباً شديد الحساسية لمشاعر الآخرين. ولا أذكر مرةً أنه أمرني بالقيام بعمل ما. فإذا أراد شيئاً طلبه بشكل غير مباشر، بالتلميح أو التعبير عن ضرورة إنجازه تاركاً المبادرة لمَن يعنيه الأمر. وكان يعالج جميع الموضوعات والمشكلات بالأسلوب نفسه." (85) 11- ووصف د.ناصيف نصار، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية أعمال سعاده في كتابه ( الطريق إلى الإستقلال الفلسفي) بقوله:" وفي حقيقة الأمر، إذا نظرنا في شخصية أنطون سعاده وأفعاله، في ضوء تصورنا المحدد للنظام الإيديولوجي ولعلاقته بالفاعلية الإجتماعية.. لتبين لنا بوضوح كلي أن مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي كان يهدف، بواسطة كتاباته العقائدية وأعماله السياسية، إلى نقض الوجود السوري العربي التقليدي العتيق، والى بناء مجتمع سوري عربي جديد، متخلص من عقدة التبعية والتخلف الإقتصادي، على أساس فلسفة إنسانية إجتماعية جديدة، وأنه كان بذلك، وفي ظروف السيطرة الإنتدابية الإستعمارية وما نتج عنها في منطقة الهلال الخصيب، يكمل ويعمّق وينّظم تياراً يضرب بجذوره في إنتفاضات النهضة وتفجراتها، منذ بداياتها في القرن التاسع عشر." (86) إنتهى
|