|
أضواء على شخصية وسيرة أنطون سعاده بقلم د.يوسف مروة 7/9 |
|
|
|
الأربعاء, 01 آب 2007 |
|
في الذكرى المئوية لولادة أنطون سعاده ( 1904-2004)
أضواء على شخصية وسيرة مؤسس أول حركة فكرية قومية ثوريةفي العالم العربي خلال القرن العشرين ( 7) إعداد: د.يوسف مروّة شهدت مرحلة 1947 ـ 1949 كارثة فلسطين الأولى ( 15 أيار 1948) وبوادر القطيعة بين لبنان والشام ( سوريا) التي تكرّست عام 1951. وقد كان لسعاده في الموضوعين مواقف قومية مميزة. لقد حمّل سعاده السياسات العشائرية والإقطاعية مسؤولية كارثة فلسطين كما حمّل المسؤولية للإستعمار البريطاني وإتفاقية سايكس ـ بيكو والتجزئة الكيانية. وبعد فشل الأنظمة العربية وإنفضاح أعمال الشعوذة في الحرب المسرحية التي شنتها على إسرائيل في 15 أيار ( مايو) 1948، قام سعاده بحملة سياسية فكرية عقدية على مؤسسات الإنعزالية اللبنانية والرجعية العروبية حيث نشرت له جريدة " كل شيء" الأسبوعية البيروتية سلسلة مقالات فكرية سياسية ثورية منها " العروبة أفلست" ( 60) و" الإنعزالية اللبنانية أفلست" ( 61) و " إنتصار القومية السورية يحقق الجبهة العربية القوية" ( 62) وذلك خلال شهري كانون الثاني وشباط 1949. وكانت مقالات سعاده سلاحاً ماضياً في معترك الصراع الفكري ـ العقائدي الذي خاضته النهضة ضد مفكري النيورجعية. كما كان لها أثرها الكبير في نشر الوعي القومي الجديد في أوساط الشعب السوري عامة، لأنها أزاحت عن بصيرة الأمّة غشاوات القضايا الوهمية والرجعية. وكانت للرجعية الجديدة ردود على مقالات سعاده دبجتها أقلام أنيس النصولي وعبد الله المشنوق ومحي الدين النصولي والدكتور نبيه فارس. وجاءت ردودهم ضعيفة الفكر، مشوشة المنطق وبعيدة عن القوانين والمقولات العلمية. وجاء رد عمدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الإجتماعي بتاريخ 5 شباط ( فبراير) 1949 على تلك الردود والتعليقات رداً قوياً حاسماً، إعتمد على قواعد العلم والمنطق وقام على حجج الفكر والعقل، فسكتت تلك الأقلام. وتابعت " كل شيء" نشر مقالات سعاده " حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية" ( 63) و " حاربنا لننقذ اللبنانيين " ( 64) . وعلى العموم، إستطاعت مقالات سعاده أن توجه أفكار فئة كبيرة من المواطنين في الوطن وعبر الحدود نحو العمل لتحقيق وحدة الهلال السوري الخصيب. وأصبحت هذه الوحدة بعد مأساة فلسطين تمثل الرد العملي الوحيد الذي يضمن التصدّي بوجه إسرائيل الحديثة، والذي يكفل بالتالي إنقاذ فلسطين من براثن الصهيونية. والملاحظ تاريخياً أن شعوب الهلال الخصيب كانت تنزع دائماً للوحدة كلما تحسست بالخطر الأجنبي يداهمها. وهنا لا بد لكل مَن يدرس حياة سعاده ليؤرخ ويكتب سيرته بصدق وموضوعية من تسجيل ملاحظة هامة. وهي أن أيام النصف الأول من عام 1949 كانت أعظم أيام سعاده حركةً وحيويةً ودماسةً ونشاطاً وإنتاجاً وعملاً دائباً في شتى الميادين الفكرية والعقائدية والفلسفية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية. ففي خطاب الأول من آذار ( مارس) 1949 يعلن سعاده قوله: " كل ما فينا هو من الأمّة وكل ما فينا هو للأمّة. الدماء التي تجري في عروقها عينها ليست ملكنا هي وديعة الأمّة فينا ومتى طلبتها وجدتها.. إن الحياة وقفة عز فقط. الحياة لا تكون إلاّ في العز، أما العيش فلا يفرق بين العز والذل. وما أكثر العيش في الذل حولنا.. إن لنا في الحرب سياسة واحدة، هي سياسة القتال. هذه هي سياستنا الواحدة في الحرب. أمّا السياسة في السلم، فهي أن يُسلم أعداء هذه الأمّة للأمّة بحقها ونهضتها ". ( 65) وجرى في نيسان ( أبريل) 1949 لقاء فكري هام بين سعاده والدكتور شارلز موريس، أحد أقطاب الفلسفة المعاصرة في الولايات المتحدة وأستاذ الفلسفة في جامعة شيكاغو، وذلك أثناء زيارة عابرة قام بها إلى بيروت. وتمّ اللقاء بناءً على موعد سابق أشرف على تدبيره الأمين د. هشام شرابي. وقد سرّ د. موريس بهذا اللقاء الفكري وأُعجب بأفكار سعاده وطروحاته الفلسفية . ( 66) ووجّه سعاده بمناسبة عيد العمل ( أول أيار) 1949 نداءه المشهور إلى منتجي ثروة الأمّة وبنّائي مجدها. ويُعتبر هذا النداء وثيقة فكرية هامة حول نظرية الإقتصاد القومي الإجتماعي وجاء فيه: " القومية الإجتماعية تعني توزيع غنى لا توزيع فقر. إطرحوا عنكم الرأسماليين المتاجرين بأتعابكم الذين يترأسون جمعياتكم ونقاباتكم بواسطة خونة قضيتكم القومية الإجتماعية. إنزعوا عن رقابكم سيطرة الإقطاعيين الذين يتظاهرون بالمطالبة بحقوقكم ليبعثروا مجهودكم. إقصوا الشيوعيين الذين يستغلون سوء حالكم ليسخرّوكم لحرب ليست حربكم". ( 67) وفي خطابه أمام طلبة الجامعة الأميركانية في 16 أيار لفت أنظار الطلبة إلى أهمية الدور الذي تعمل الحركة القومية الإجتماعية على تحقيقه وإنجازه بقوله: " إن الحركة القومية الإجتماعية قد نقلت الأمّة السورية من المعميات والتخبط في مسائل العصر الحديث إلى الوضوح في القضايا والمقاصد، إلى إدراك الأسس الصحيحة التي يُمكن أن يقوم عليها مجتمع صحيح قوي ودولة عزيزة ذات سيادة فاعلة. إن الحركة السورية القومية الإجتماعية قد حققت شيئاً أساسياً داخلياً وهو الوعي القومي وإتخاذ القومية عاملاً روحياً، عاملاً موحداً للقلوب والأفكار، موجهاً القوى القومية في إرادة واحدة وعمل منظم واحد نحو غايات الأمّة العظيمة". ( 68) وكتب سعاده على أثر تصديق حكومة دمشق الإنقلابية لإتفاقية التابلاين في أيار 1949، موجهاً أنظار العرب ولأول مرة إلى أهمية البترول كسلاح عالمي بقوله: " يتضح من مجرد تصديق إتفاقية التابلاين الأميركانية أننا لم نستعمل هذا السلاح البترولي للحدّ من تأييد الولايات المتحدة لليهود في لوزان وفلسطين والأمم المتحدة وتركنا الولايات المتحدة تستمر في تأييدها لليهود وجازيناها بتصديق إتفاقية حسّاسة هامة تهمها جداً. هذا السلاح الثمين لم نستعمله وأسلحة غيره كثيرة تبقى بدون إستعمال، وننتظر مع كل ذلك، أن نربح الجولات المقبلة في حرب الموت أو الحياة مع الغزاة الصهيونيين". ( 69) وكانت إنتخابات المختارين في لبنان في أواخر أيار( مايو) 1949 فاجعةً للرجعيين بالنسبة لنتائجها التي أحرز فيها الحزب السوري القومي الإجتماعي أكثر من 70 بالمئة في أغلب المناطق وفي غيرها مئة بالمئة. وقد عرفت الأوساط الرجعية أن نهايتها قد قاربت إذا ما إستمرّ الحال على هذا الشكل من نمو وإزدياد نفوذ الحزب حتى في المناطق التي كانت تعشعش فيها الرجعية من طائفية وإقطاعية. وزاد حنق هذه الأوساط عندما وقف الحزب القومي الإجتماعي إلى جانب الحكومة السورية عند إعتقال السلطات اللبنانية للنقيب أكرم طبارة ورفقائه في حادثة مقتل كامل الحسين، الجاسوس الإسرائيلي يوم 10 أيار 1949، وكان لمذكرة الحزب الحقوقية دوي كبير في جميع الأوساط، وكانت الشرارة الأولى التي سببت حادثة الجميزة وما رافقها من ذيول مؤلمة. في هذه المرحلة الحرجة من العلاقات المتوترة بين السلطات اللبنانية والحزب، عمد رئيس وزراء لبنان رياض الصلح في 2 حزيران 1949 إلى تشكيل جبهة موحدّة من حزبيّ الكتائب ( ماروني) والنجّادة ( مسلم سنّي)، ودُعي على الأثر مجلس الأمن الداخلي إلى إجتماع مستعجل ليلاً ـ وكان مؤلفاً من رئيس الوزراء وقائد الجيش العام وقائد الدرك ومدير الشرطة ومدير الأمن العام. فقرر هذا المجلس حل الحزب السوري القومي الإجتماعي ومداهمة القوميين والقضاء على الحزب في جميع أنحاء لبنان وإعتقال زعيمه وكبار رجالاته ومنفذيه. وحُدد موعداً لتنفيذ هذا القرار نهار السبت في 11 حزيران. ولم يكن رئيس الكتائب بمنأى أو بمعزل عن الخطة المبيتة. إذ أنه إستشير في أقوم خطة وأضمنها يُمكن إتباعها في سبيل تحقيق مقررات مجلس أمن الدولة اللبنانية، بعد أن أُخذ رأي النائب العام الإستثنائي في الحجة التي يجب التذرع بها. وأُبقي أمر تاريخ تنفيذ القرار سرياً جداً، ولكن قيادة الكتائب إتخذت قراراً آخر جاء تنفيذه قبل الموعد الذي حددته الحكومة اللبنانية بمدّة 48 ساعة. وهاجم الكتائبيون مساء يوم الخميس في 9 حزيران مكاتب جريدة " الجيل الجديد" الناطقة بلسان الحزب السوري القومي الإجتماعي في محلة الجميزة ( بيروت) وأحرقوا مطابعها. وفي خلال ساعتين كانت عمليات التعقيبات والإعتقالات قائمة على قدم وساق في جميع أنحاء لبنان، وصدرت مذكرة توقيف بحق سعاده. ونشطت حملة إعتقال القوميين الإجتماعيين بالمئات. وتمكن سعاده من مغادرة بيروت يوم 14 حزيران ودخول دمشق مع عدد من المسؤولين في الحزب، والمعروف أن قوات الأمن اللبنانية صادرت أوراق الحزب ووثائقه أثناء عمليات التعقيبات والإعتقالات، وكان من بين الأوراق المصادرة مخطوطة كتاب" الفلسفة المدرحية" الذي وضعه سعاده ولم يكن قد طُبع بعد، ورفضت السلطات اللبنانية من إعادة تلك الأوراق الفكرية الهامة إلى ذوي سعاده بعد إعدامه. وأعلن سعاده الثورة القومية الإجتماعية الأولى في 4 تموز ( يوليو) 1949 لإسقاط حكم الطغيان والفساد والتزوير، معتمداً على تحالفه مع حسني الزعيم، الذي بدا وكأنه قائد إنقلاب تقدمي . ( 70) ولكن حسني الزعيم أقدم على نقض تعهداته لسعاده نتيجة للمؤامرات الدولية والضغوط الدولية والعربية والمصالح والأطماع الشخصية، فسلّم سعاده إلى السلطات اللبنانية ليلة 6/7 تموز، وقد إشترط عليهم أن يتمّ إغتياله وهو في الطريق من دمشق إلى بيروت. لكن تهيّب مدير الأمن العام اللبناني ( المير فريد شهاب) أوصل سعاده إلى المحكمة العسكرية. فعُقدت جلسة سريعة وبصورة سرية بناءً على إلحاح حكام دمشق وبيروت والقاهرة، حيث إستُنطقَ وحُوكمَ وحُكمَ ونُفذَ فيه حكم الإعدام خلال أربع وعشرين ساعة، وقد غادر محامي الدفاع النائب اميل لحود قاعة المحكمة إحتجاجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للإطلاع على أوراق الدعوى وهو يقول" إني أشمّ رائحة البارود". وإرتجل سعاده في المحكمة دفاعاً بليغاً إستغرق ساعة ونصف . ( 71) إستقبل سعاده حكم الموت هادئاً ونام قرير العين في زنزانته في سجن الرمل ( بيروت) الساعات القليلة التي فصلت بين الحكم عليه وتنفيذ حكم الإعدام، وحين أيقظه الحارس سأله: "هل حان الوقت؟". ثم طلب فنجان قهوة وسيجارة. ومشى مع جلاديه إلى مكان الإستشهاد ثابت الخطى. وحين سأل ما إذا كان ضرورياً عصب عينيه وقال :" أنا لا أخشى الموت" قيل له:" إنه القانون" فقبل تنفيذ أحكام القانون..وحين أُركع أحسّ بحصى تحت ركبته تؤلمه، فطلب نزعها وحين نُزعت إبتسم وقال لجلاديه" شكراً" .( 72) وكان إستشهاده في الثامن من تموز 1949 في الساعة الثالثة والثلث صباحاً. ملاحظة : كتبت هذه السيرة في عام 1979 لتكون الفصل الأول من كتاب ( سعاده والفلسفة: مقدمة في المدرحية) لذي لم يُنشر بعد. وقد وردت بعض وقائع هذه السيرة في كتابي ( أضواء على أزمة الفكر العربي المعاصر) المنشور عام 2000 في بيروت، الذي كان بمثابة ردّ على كتاب ( الجمر والرماد) لمؤلفه د. هشام شرابي. وعند كتابة هذه السيرة كنت لا أزال في صف الإلتزام الحزبي. ويلاحظ القارىء أنني حرصت على إستخدام التعابير والمصطلحات الحزبية القومية الإجتماعية في نصوص هذه السيرة أما نقلاً مباشراً عن المصادر التي رجعت إليها، وأمّا تعبيراً عفوياً عن المصطلحات المستخدمة في ممارسات الإلتزام الحزبي. وإنني بالرغم من إنفكاك عرى الإلتزام المذكور وتحرري من قيوده منذ ربع قرن فإني ما زلت أنظر بتقدير وإحترام إلى سعاده المفكر والمعلم والفيلسوف العربي المعاصر الذي قدّم الحلول الرائدة لمشاكل المجتمعات العربية وقدّم حياته في سبيل تحقيق مبادئه، وما زلت أعتبر فلسفته المدرحية فلسفة العصر الرائدة. ـ يتبع ـ
|