أن تستدعى فتاة اليوم إلى دائرة التحقيق لتسأل عن نشاطها الحزبي أو السياسي فهذا أمر لم يعد يستدعي الوقوف أمامه باستغراب ، أو يستحق مجرد الإشارة إليه .
إنما أن يحصل ذلك في أوائل الثلاثينات ، والانتداب الفرنسي جاثم على الصدور ، وفي ظل قانون قمع الجرائم ، الذي أخذ الرقم LR 115 (1) فهذا أمر يستدعي فعلاً الوقوف أمامه بإعجاب وتقدير ، وأن نعتبره ظاهرة غريبة على واقع المرأة اللبنانية في تلك الحقبة .
فالمرأة في الحزب أخذت دورها الناشط مع بدء تأسيس الحزب ، وكانت إلى جانب الرجل في كل مراحل النضال القومي الاجتماعي ، ومثله عرفت التشرد والسجون والمعتقلات ، كما تحملت المسؤوليات المحلية والمركزية .
هنا عرض موجز ، فالحديث عن كامل دور المرأة القومية الاجتماعية لا ينتهي بمقالة .
* * *
نص دستور الحزب في مادته التاسعة على أن " كل سوري ذكراً أم أنثى ، يحق له دخول الحزب السوري القومي الاجتماعي على أن تتوفر فيه الشروط التالية :
•- أن يكون قد بلغ السادسة عشرة من عمره .
•- أن لا يكون قد تجاوز الأربعين من عمره إلا بإذن خاص .
•- أن لا يكون مجرماً ضد المجتمع أو ضد الأمة .
•- أن يدين بالقومية السورية الاجتماعية ويعتنق مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي ونظامه .
•- أن يكون مستعداً لأداء القسم الآتي والتقيد به .
ثم يرد النص الكامل للقسم الحزبي .
يعني هذا أن الحزب أعطى للمرأة حق الانتماء إلى الحزب كما للرجل ، والشروط المنصوص عليها في المادة التاسعة تنطبق على المرأة والرجل بحد سواء .
كذلك فإن دستور الحزب - كما كافة القوانين الصادرة - لا يتوجه في أي مادة من مواده إلى الرجل دون المرأة ، كما لا يخصص أي مسؤولية بالرجل دون المرأة ، حتى في عمدة الدفاع التي - عادة - تستجلب الرجل إليها أكثر من المرأة .
لذلك فإن ، كل المسؤوليات الحزبية ، وكل المهمات ، يمكن أن تناط بالرفيقة إذا توفرت لديها الكفاءة ، تماماً كما تناط بالرفيق إن كان يملك القدرة على ذلك .
وحول انتماء المرأة إلى الحزب يورد الأمين عبدالله قبرصي في الجزء الأول من كتابه عبدالله قبرصي يتذكر (ص 180) ما يلي :
" كنت مرة في شارع المكحول سنة 1935 وكنت عميداً للإذاعة ودعيت لأقوم بعملية إدخال مواطن مع مواطنين إلى صفوف الحزب . أنهيت قسم الرفيق الجديد وأقبلت أطرح الأسئلة على المواطنين قبل أداء القسم . ترددت قليلاً ، هل يقسم الرجل والمرأة نفس القسم ؟ هل مسؤولية الرفيق ومسؤولية الرفيقة من قياس واحد ؟ فأوقفت الاجتماع ورحت أسارع الخطى نحو " كوخ " الزعيم في رأس بيروت . وجدته وعرضت عليه المشكلة ، فقال بهدوء ما معناه : " إن القسم وضع للحزب ، لكل طالب انتماء كانت امرأة أو رجلاً ، المساواة بين الجنسين مطلقة . لا فرق عندنا في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى " .
أول امرأة قومية اجتماعية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستحق الرفيقة عفيفة جرجس حداد أن تعتبر أول امرأة قومية اجتماعية، فهي أول من تعرفت على وجود الحزب وكانت مرافقة للخطوات الأولى التي بدأ سعاده يقوم بها. قبل أن تؤدي قسم الانتماء كان يعهد إليها سعاده حراسة مكان الاجتماع في منزل والدها (1) حتى إذا انتمت ، راح يكلفها بتسجيل بعض وقائع الاجتماعات .
كانت الرفيقة عفيفة تعتبر نفسها معنية بسعاده عندما تعرّض للاعتقال عند انكشاف أمر الحزب عام 1935، فكانت تقوم بنقل الطعام إليه ، والثياب ، وتؤمن ما يحتاج إليه . من جهته كان سعاده يمرر بواسطتها أوامر مكتوبة بشكل خفي إذ كان مسموحاً لها بمقابلة الزعيم . ولها سلّم سعاده مرسومه بتعيين الرفيق زكريا لبابيدي وكيلاً لعميد الداخلية .
عنها يقول الأمين عبدالله قبرصي (2) : " كانت ، في السجن الأول ، تحمل الزاد إلى حبس الرمل سنة 1935 دون أن تنهار أعصابها أو تتراجع . يكفي أنها نفذت بدقة تستدعي الإعجاب موجبات القسم والزاماته، فما عصت أمراً ولا فضحت سراً ولا تخلت عن رفيق في حاجة تستطيع سدها " .
مواطنات تصرّفن كرفيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان تاريخ الحزب حافل بآلاف المواطنات اللواتي قدمن خدمات جلّى للحزب ، معنوية وأو مادية ، من أمهات وزوجات وشقيقات لأمناء في الحزب ، ولمناضليه من الرفقاء ، بحيث نرى واجباً ، وفاءً لهن ، أن يتمكن المعنيون من تسجيل الكمّ الهائل من الممارسات لما فيها من مواقف رائعة ومن خدمات حقيقية لمسيرة الحزب ، إلا أنه من المفيد أن نشير بتقدير إلى الدور الذي قامت به السيدة كلودا ثابت (3) منذ سنوات التأسيس الأولى إلى أن طرد شقيقها نعمة عام 1947 ، وإلى أمهات الرفقاء نعمة ثابت ، كامل ورفيق أبو كامل ، جبران جريج ، يوسف الدبس ، فخري ورشدي وحلمي وفوزي وكمال وفايزة معلوف ، مسعد حجل ، فكتور أسعد ، وجمال ناصيف .
لقد تعرفت كلودا ثابت على الحزب في مرحلة التأسيس الأولى وقد أؤتمنت على سر وجود الحزب وحافظت عليه ، وكانت بحكم حصول اللقاءات والاجتماعات في منزل عائلتها ، تتعرف على ما يحصل ، خاصة أن اجتماع الأول من حزيران عام 1935 - الذي فيه ألقى سعاده خطابه المنهاجي الأول - عقد في " قصر " آل ثابت في الغبيري .
في الجزء الأول من " عبدالله قبرصي يتذكر " (ص 182) يقول الأمين عبدالله قبرصي عن كلودا ثابت: " أما كلودا ثابت وهي عنوان الأناقة والرصانة جمعت في جمالها الساحر بين المسحة الأوروبية والطابع السوري . تخالها إذا شئت قادمة من العائلة المالكة في لندن ، ويمكنك أن تشبهها في الوقت ذاته بغيداء تمتطي صهوة جواد قادمة من الصحراء . كلودا ثابت كانت ذات ثقافة عالية ، تتكلم الإنكليزية كالإنكليز وتنطق بالعربية كأحسن ما ينطق بها أبناء الشوف . دون أن تقسم يمين الانتماء أتت من الخدمات ما عجز عنه شقيقها نعمة نفسه ، فكم من الاتصالات والمقابلات والمهمات الناجحة جرت بمبادرة منها وبمساعيها والخطط التي كانت ترسم " .
ومن المواطنات اللواتي كان سعاده يثق بهن ويكلفهن بمهمات ، وتقديراً لهن ولإخلاصهن كان ينادينهن بـ " رفيقات " ، نذكر المواطنات تقلا ، جميلة، وكوكب عازار ، شقيقات الرفيق الشهيد جميل عازار . كن مطلعات على الحزب في فترة العمل السري ، واستمرين مخلصات للحزب وحافظن على بيتهن في الأشرفية مفتوحاً للقوميين الاجتماعيين وللاجتماعات الحزبية حتى بعد أن سقط شقيقهن الرفيق جميل شهيداً .
وعن والدات الرفقاء ، من المفيد أن نشير إلى أن والدة الرفيقين كامل ورفيق أبو كامل تعرضت للاعتقال على يد قوة من الدرك كانت داهمت منزلها في عالية بحثاً عن سعاده الذي كان قد غادره إلى دمشق - إنما اعتقل عند حاجز للدرك في بلدة المريجات في 9 آذار 1937 - فاعتقلت الشقيقين الرفيقين رفيق وخليل (4) واعتقلت والدتهما مما أثار سخطاً واحتجاجاً في المنطقة بحيث أن السلطات أخلت سبيلها بسرعة . أمام الضابط الذي سألها ، أجابت وهي رابطة الجأش : " إن كنتم تقصدون إذلال أولادي بهذه المعاملة فهذا لا يشرفكم أبداً وإني فخورة بهم وبحزبهم وبزعيمهم " .
أما عن والدة الرفيق فكتور أسعد ، فيقول الأمين جبران جريج في الجزء الثالث من كتابه " من الجعبة " (ص 441) : " إن والدة الرفيق فكتور أسعد ، السيدة فني جريديني أسعد لم تتخّل يوماً عن نشاطها الذي بدأته يوم دخل نجلها السجن، ولا غرو فلقد كان لها نشاطات اجتماعية شتى قبل الحركة السورية القومية الاجتماعية ، منها رئاستها لجمعية " تهذيب الفتاة السورية " التي مركزها بلدة الشويفات " .
بدورها تعرّضت والدة الرفقاء فؤاد ، يوسف وعفيفة حداد للاعتقال . كان ذلك في حزيران عام 1938 بعد مغادرة سعاده لبيروت متوجهاً إلى دمشق عمان ، حيفا ، قبرص فإلى المغتربات . يقول الأمين جريج في الجزء الرابع من كتابه " من الجعبة " (ص 262) : " .. فعاثوا في البيت غير مراعين حرمة، ونقّبوا في أرض الحديقة وقلعوا بلاط الدار متوهمين أنهم بمثل هذا " التفتيش " يتمكنون من الحصول على وثائق حزبية وأدلة على أعمال الحزب . ولما لم يعثروا على شيء استاقوا الرفيقين فؤاد ويوسف حداد وأمهما إلى السجن بداعي أنهم وجهوا إلى المهاجمين مثل هذه العبارات : " لا يجوز أن تدخلوا البيت وتفتشوا بدون حضور المختار ، يخرب بيوتكم ، خربتو بيتنا ! " .
الرفيقات الأوليات
ــــــــــــــــــــــــ
يعتبر الأمين جبران جريج أن الانتماء الرسمي لعضوية الحزب بدأ في بيروت بجمال ناصيف (5) أما الثانية فكانت الرفيقة عفيفة شماس من بلدة أميون ، إنما انتمت في بيروت (6) .
بعد وقت انتمت الرفيقة أديبة شامية التي كانت تشرف ، كممرضة ، على خدمة والدة نعمة ثابت ، المريضة ، وهي التي كانت وراء انتماء الرفيق عبدالله الجميل الذي كان له نشاطه الحزبي النضالي ، وتولى مسؤولية منفذ عام بيروت .
هذا في بيروت ، أما في طرابلس ، التي شهدت بدورها انتماء رفيقات في بداية سنوات التأسيس ، فقد انتمت أولاً الرفيقة فاطمة قدسي (7) ، تلتها الرفيقة ليلي فاخوري ( شقيقه الأمين أنيس ) ، فنجلا معتوق (8) ثم نوفة حردان (9) ، إميلي الحلبي (10) .
عن الرفيقة نجلا معتوق يقول الأمين جبران جريج في الجزء الأول من كتابه " من الجعبة " (ص 284): " أن الرفيقتين فاطمة القدسي وليلي فاخوري " تعاونتا على العمل لإدخال نجلا معتوق ، سيدة المجتمع المثقفة ، ذات الصيت الاجتماعي الرفيع في أوساط المدينة ، فكان لنجاحهما في جذبها إلى الحزب السري دوي واعتبر ضمها كسباً عظيماً عزّ نظيره " .
من المهمات التي قامت بها الرفيقة نوفة (11) أنها كلفت من قبل الرفيقين أنيس فاخوري ( الأمين لاحقاً ) وعبدالله أيوب بملازمة الرفيق الشاعر يوسف الخال في المستشفى الأميركي في الميناء ، الذي كان معروفاً باسم مستشفى الدكتور " بويز " خوفاً من أن يفشي أمر الحزب وهو تحت تأثير البنج .
في الاجتماع الأول الذي عقد للرفقاء في أول حزيران 1935 لم تكن الرفيقات غائبات عنه . بعد انتهاء الجانب الرسمي من الاجتماع ، ألقيت بعض القصائد ، " ثم أنشدت بعض الأصوات الجميلة نشيد " أنت سورية بلادي " منها صوت الرفيقة نجلا معتوق حداد والرفيقة استير مينا ، وبعدهن أنشد الرفيق يوسف تاج بصوته الرائع مقطوعة زجلية (12) .
أول مديرية للسيدات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما في بيروت ، فإن من أولى الرفيقات نذكر : أسما سلام ، أميرة تيماني ، نعم فاخوري (13) ، سلوى بدران (14) ، حرية شمنق (15) وشقيقتها سميحة ، سلوى بستاني ، أدال باسيل كلاب (16) ، أنجال عبد المسيح ( شقيقة الرفيق جورج عبد المسيح ) .
ومن أسماء الرفيقات يورد الأمين جبران في الصفحة 441 - الجزء الثالث - من مجلده " من الجعبة "، " الرفيقات انجا " دون أي تفسير آخر . قبل ذلك ، (الجزء الثاني ص 184) يورد اسم الرفيق عبد الغني انجا من بين الرفقاء الذين نشطوا في فترة الأسر الأول الذي تعرض له سعاده وهو تابع لمديرية رأس بيروت ، واسم الرفيقة أمينة ( أو جميلة ؟ ) العيتاني ، مضيفاً أنها كانت " أخت الرجال " وتابعة لمديرية ساقية الجنزير .
بعد أن توالت الانتماءات ، كان لا بد من إنشاء فرع حزبي ، فتمّ إنشاء مديرية للسيدات وتولت مسؤولية المديرة الرفيقة جمال ناصيف .
المرأة في خدمة العمل الحزبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يروي الأمين جبران جريج في الجزء الثاني من مجلده " من الجعبة " (ص 86) أنه : " عند انكشاف
أمر الحزب جاء الرفيق زكريا لبابيدي إلى بيت جرجس الحداد يتفقد مجريات الأمور بعد الاعتقال وإذ به
يفاجأ بالرفيقة عفيفة حداد تسحب من صدرها مرسوماً بخط الزعيم ينص على تعيينه وكيلاً لعميد الداخلية ، وعلى تعيين الرفيق فؤاد أبو عجرم ناموساً للعمدة . كان تاريخ صدور المرسوم 14 تشرين الثاني 1935 أي قبل انكشاف أمر الحزب بيوم واحد ، وكان الزعيم قد كلفها بتبليغه الى الرفيق لبابيدي .
ويضيف الأمين جريج في الصفحة نفسها : " وهنا لا بد من إبداء ملاحظة وهي أننا عرفنا فيما بعد أن الزعيم كان قد عين الرفيق عادل عسيران نائباً إدارياً له عند انكشاف أمر الحزب ، لكن بقي المرسوم دون تبليغ (17) ، بقي المرسوم بحوزة شقيقة الرفيق جميل عازار ، وقد بقيت محتفظة به كذكرى مدة طويلة من الزمن " .
في الاعتقال الأول الذي تعرض له سعاده ومعاونوه ، والعديد من الرفقاء إثر انكشاف أمر الحزب ، كان للرفيقات دور هام في تأمين المال لمساعدة الرفقاء الأسرى ولتغطية حاجات التحرك الحزبي ، في تلك الفترة الصعبة تشكلت من الرفيقات لجنة مالية ضمت الكثيرات ، نذكر منهن حرية شمنق أرسلان ، شقيقتها سميحة ، جمال ناصيف ، أميرة تيماني ، نعم فاخوري ، سلوى بدران ، أسما سلام وتولت الرفيقة ناصيف رئاستها .
كما بيروت وطرابلس ، فقد انتمت المرأة في الكورة إلى الحزب في سنوات العمل السري . إلى الرفيقة عفيفة شماس التي انتمت في بيروت ، فإن رفيقات عديدات عرفن الحزب ، منهن بدرا سلوم ، حنة سابا ملكي ، جنفياف سعاده وبلقيس الأيوبي . من أعمالهن ، تصرف جريء جدير بأن يروى :
في تموز 1936 قررت القيادة الحزبية خارج السجن ، وبناء لتوجيهات من سعاده ، قيام الرفقاء في مناطق حزبية عديدة في لبنان بالتظاهر دعماً لموقف سعاده في أسره الثاني ، وكانت الأوامر تقضي بالتظاهر أمام السرايات المحلية أو مخافر الدرك وتبليغ السلطات أنه: "لما كنتم قد اعتقلتم زعيم الحزب من أجل عقيدته ولما كنا نحن أيضاً ندين بنفس العقيدة لذلك جئنا طالبين اعتقالنا إلى أن يفرج عن الزعيم من السجن " .
جرت اعتقالات في الكثير من المناطق ، ومنها الكورة التي كان الأمين جبران جريج يتولى مسؤولية منفذ عام فشكل وفداً نسائياً قام بزيارة تفقدية للمعتقلين في سراي أميون وللقائمقام احتجاجاً على توقيف الرفقاء وطلباً للإفراج عنهم ، تألف الوفد من الرفيقات المذكورات أنفاً ومن مي سعاده ( الدكتورة - عقيلة الأمين عبدالله سعاده ) ، وبرئاسة الرفيقة بلقيس الأيوبي . قد تبدو هذه الواقعة اليوم ، من الأمور العادية ، إنما أن تحصل عام 1936 ، وأن يضم الوفد نساء ليس لهن صلة قربى مع الرفقاء الموقوفين وعلى رأس الوفد رفيقة من طائفة غير طائفتهم ، فهذا لدليل على ما فعلته العقيدة القومية الاجتماعية في نفوس أبنائها ، وفي المجتمع السوري بأسره .
لاحقاً ، عندما قام سعاده بزيارته إلى طرابلس - الكورة في تموز العام 1937 - واعتبرت من أيام الحزب التاريخية - عمد إلى زيارة الرفيقة بلقيس الأيوبي في منزلها في بلدة عفصديق تقديراً لها ، وللبيت القومي الاجتماعي الذي منه منفذ عام بيروت الرفيق أسعد الأيوبي ومدير مديرية ديترويت الرفيق صلاح الدين . قبل ذلك كان سعاده قد تناول العشاء في منزل الرفيقة نجلا معتوق حداد في طرابلس .
إلا أن الدور الذي قامت به الرفيقة وداد ناصيف في الثلاثينات يعتبر بارزاً ، فعنها يقول الأمين عبدالله قبرصي في الجزء الأول من مذكراته ، ص 184 : " بعد خروج سعاده من السجن سنة 1936 تعرّف بواسطة نعمة ثابت إلى السيدة وداد ناصيف وكان بيتها في محلة الصنائع قد بات مركزاً سرياً نلجأ إليه لعقد الاجتماعات السياسية واللقاءات الإذاعية ، في دارها اجتمعنا بالأستاذ حميد فرنجية وصلاح لبكي وجورج حكيم وتداولنا في إنشاء المجلس الأعلى وصلاحياته ، ومن منزلها انطلقت مع عبد الحكيم مراد - المحامي الذي كان عميداً للإذاعة في فترة من الفترات - لمقابلة السيد كيفر . تلك المقابلة التي ذكرها سعاده في إحدى مقالاته في " الزوبعة " - الأرجنتين " ، ويضيف : " لقد تحملت السيدة وداد ، وكانت طريحة الفراش أكثر الأوقات - إزعاجات جواسيس السلطة حتى مغادرة سعاده الوطن عام 1938 " .
من المعروف أن سعاده غادر بيروت في 11 حزيران 1938 في سيارة الرفيقة وداد ناصيف ويقودها سائقها ، وكان بصحبته جورج عبد المسيح . في بلدة المريجات أوقف السيارة حاجز للدرك ، فيما تمكن سعاده وجورج عبد المسيح من الهبوط منها والتواري . إلا أن سعاده ، عندما شاهد الدرك يسوقون الرفيقة وداد إلى المخفر ، هبط من المكان الذي كان فيه وسلّم نفسه ، رافضاً أن تعتقل الرفيقة وداد بسببه .
وتمضي السنوات ، حتى إذا تحررت مدينة القنيطرة ، اكتشف المسؤولون السوريون والمراسلون الصحافيون الذين وصلوا إلى المدينة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها ، أن سيدتين كانتا تقيمان وحدهما في القنيطرة ، احدهما كانت وداد ناصيف وقد أطلق عليها يومئذ تسمية " ختيارة القنيطرة " وكتبت عنها مجلة الحزب " البناء " في أوائل السبعينات وأجرت معها مقابلة ، والتقطت لها الكثير من الصور .
الجدير بالذكر أن الرفيقة وداد ناصيف ( من عين زحلتا ) كانت متأهلة من السيد سليمان ناصيف ، وكان زوجها يملك منتجعات الحمة في منطقة طبريا .
انتماءات في مناطق أخرى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعتبر منطقة الزلقا - جل الديب من مناطق الحزب التي شهدت انتماء أوائل الرفيقات ، كما الرفقاء . وإذ نسجل تقديرنا للدور الذي قامت به والدة الأمين مسعد حجل ، نذكر بوفاء وتقدير الرفيقات اللواتي انتمين في سنوات العمل السري وابرزهن الرفيقة ميليا زينون ابو جودة (والدة الامين فاروق) والرفيقة الراحلة ليندا ماضي ابو جودة.
وفي منطقة برمانا انتمت الرفيقتان سعدى منذر وأسمى أبو سمره (18) .
إلى جانب مناطق بيروت ، طرابلس ، الكورة وساحل المتن الشمالي ، نورد نقلاً عن الجزء الثالث من كتاب الأمين جبران جريج " من الجعبة " أسماء رفيقات في مناطق أخرى .
أدال زوجة الرفيق معروف صعب ، الشويفات ، كاترين ابنة حنا الدست من لواء الاسكندرون والمقيم في اللاذقية ، سلمى جبرين من نبع كركر ( صافيتا )، سلوى حليم دموس التي ألقت كلمة في الحفلة الخطابية التي أقامتها مدرسة البنات الأهلية في 28 حزيران 1939 بمناسبة توزيع الشهادات على الطالبات المنتهيات .
رفيقات أمام التحقيق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يفيد الأمين جبران جريج في الجزء الثاني من " من الجعبة " (ص 521) أن الرفيقة جمال ناصيف :
" هي أول عنصر نسائي في لبنان بل في العالم العربي ، يستدعى للمثول أمام المحقق الفرنسي ولو لبضع ساعات لاستجوابه في تهمة عمل سياسي ، إنه أول حدث مميز يحصل في تاريخ المنطقة الحديث " . قبل ذلك في الصفحة 185 يشرح أن اعتقال الرفيقة جمال تمّ بعد انكشاف أمر الحزب واعتقال سعاده ومعاونيه والكثير من أعضائه . ويفيد أن الرفيقات في تلك الفترة لم تكن لديهن مديرية خاصة بهن ، إنما كن أعضاء في المديريات . وإذا كانت الرفيقة ناصيف أول فتاة تستدعى في بيروت أمام المحقق الفرنسي ، فإن طرابلس شهدت بدورها محاكمة الرفيقة للي فاخوري إلى جانب 84 رفيقاً من طرابلس والكورة بتهمة " الإخلال بالأمن العام " . عقدت جلسة المحاكمة الأولى في 18 كانون أول 1937 ، ثم تأجلت إلى 12 شباط 1938 فإلى 12 نيسان ، وفي هذه الجلسة ألقت الرفيقة للي فاخوري دفاعاً رصيناً قالت فيه :
" أيها السادة ، لقد روعت في صباح أحد الأيام من السنة الماضية برجال التحري يدخلون منزلنا وبيدهم أمر النيابة العامة المحترمة القاضي بتفتيش الأوراق الخاصة بشقيقي . وقد عثروا صدفة على خطاب لي كنت قد اتخذته موضوعاً إنشائياً مدرسياً أتخيل به قدوم زعيم النهضة الجبارة التي اجتاحت تفكير الشباب والشابات في هذه البلاد .
ولأمر أجهله تمسك رجال التحري بأوراقي هذه وصورت لهم مخيلتهم الواسعة أنني أتآمر على سلامة الدولة وأنني خطر على الأمن العام وأنني أحرّض على كره السلطات العامة ذلك بناءً على هذا المقال الإنشائي المدرسي الذي يتضمن شعور وتقدير وإخلاص فتاة نحو رجل عظيم أوجد نهضة كل ما فيها يؤول لخير وتقدم هذه البلاد ، والاحترام والنظام .
وكان بعد مدة شهر أن قدم الزعيم سعاده إلى طرابلس وذلك بعلم الحكومة ونزل ضيفاً في بيت أحد أصدقائه وكنت أنا موجودة هناك وكان الموقف مما يوحي إلي ويذكرني بمقالي المدرسي السابق وكانت مناسبة فألقيت كلمة بين يديه .
وكانت هذه الزيارة بعلم الحكومة المحلية إذ قد حضرها مدير الشرطة في طرابلس وأحد معاونيه .
وهكذا ترون أيها السادة أن جرمي ينحصر في مقال مدرسي وفي كلمة ترحيبية ألقيتها بين يدي رجل أتى بفكرة قومية اجتماعية جديدة مهذّباً بها نفوس الشبان والشابات مُظهراً لهم فيها الفضائل العلمية للحرية والواجب والنظام والقوة - إذا كان هذا يجب أن يسمى جريمة .
على هذا تبني النيابة العامة تهمتها وتضعني في صف المخلين بالأمن العام والمحرضين على كره السلطات . فما هي الإثباتات والمستندات التي وجدتها النيابة العامة لتثبت علي هذه التهمة الباطلة .
إننا أيها السادة في عصر تنبهت فيه الأفكار ، في عصر يسيطر فيه العقل والمنطق والحرية الشخصية والفكرية ، في عصر ضمن فيه الدستور حرية المعتقدات والأفكار .
نحن في عصر كهذا ونرى بأن النيابة العامة المحترمة التي وكّل إليها أمر المدافعة عن حقوق الأفراد وصيانة الحريات نراها هي بنفسها تقيم علينا الدعاوى التي لا تقوم على مستندات ولا تنطبق على وقائع " .
ظاهرتان فريدتان
ــــــــــــــــــــــــ
وفي الثلاثينات ، ظاهرتان تستحقان الإشارة إليهما بكثير من التقدير لما تبينانه من صلابة الإيمان لدى
القوميين الاجتماعيين وأخذهم بالحزب عقيدة حياة تتجسد في أفعالهم وتصرفاتهم .
الأولى حصلت في بيروت وتحديداً في عرس الرفيقة مليحة اللبابيدي التي دعت الزعيم لحضوره .
كانت الرفيقة مليحة من الرفيقات الملتزمات النشيطات ، وعلى اتصال وثيق بالزعيم.
رغب سعاده أن يلبي رغبة الرفيقة مليحة فحضر إلى منزل القاضي أحمد اللبابيدي يرافقه رئيس مجلس العمد نعمة ثابت ، أنيس فاخوري ، صبحي فؤاد الرئيس جبران جريج ومأمون أياس .
حضر مراسيم الزواج المفتي نجا ، القاضي غلاييني ، محافظ جبل لبنان من آل البرجاوي وآخرون .
بعد انتهاء عملية العقد جاء دور تقديم التهنئة . فاقترب شقيق العروس ، الرفيق زكريا من شقيقه الرفيق صلاح ( 19 ) يعرض عليه موضوع تهنئة الزعيم للعروس الرفيقة مليحة ، هل يدخل إلى غرفة " الحريم " أو .. فما كان من الرفيق صلاح إلا أن توجه إلى غرفة " الحريم " يصطحب شقيقته ويقول لسعاده : أقدم لك العروس يا زعيمنا . وكانت هذه " قنبلة الموسم " في بيروت في حينه .
أما الثانية فقد حصلت في الكورة ، أثناء زيارة سعاده إليها لحضور مأتم الرفيق المناضل حسن درويش الأيوبي في بلدة نخلة في آذار 1938 وقد أبنه سعاده بكلمة بليغة ذكر فيها أعمال الرفيق الفقيد وحسن سيرته وسلوكه ودوره في عقد صلح بين فريقين متنازعين في بلدته
بعد الانتهاء من الدفن ومن مراسم التعزية دعا الرفيق وجيه الأيوبي ( 20 ) الزعيم إلى منزله للتعرف على القوميات الاجتماعيات والقوميين الاجتماعيين .
يروي ذلك الأمين جريج في الجزء الرابع من كتابه " من الجعبة " (ص 135) فيقول : " تمّ التعرف . وفي هذا الوقت حصلت طرفة يجب أن تسجل لما تدل عليه من معان اجتماعية سامية لا يمكن أن تنسى ، فقد كانت القوميات الاجتماعيات محجبات ( نحن في العام 1938 ) فتقدم الرفيق وجيه من شقيقته أولاً ونزع الحجاب عن وجهها قائلاً : هذا ( مشيراً إلى الحجاب ) لا يجوز أمام الزعيم .
وهكذا بدأ السفور في الكورة انطلاقاً من هذه المبادرة التي تجرأ على القيام بها الرفيق وجيه الأيوبي .
تحت نير الانتداب الفرنسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تقتصر الاعتقالات في أوائل سنوات الحرب العالمية الثانية على الرفقاء إنما طالت أيضاً الرفيقات . فقد عرف معتقل المية ومية دخول الرفيقتين إميلي الحلبي وانجال عبد المسيح وربما غيرهن من الرفيقات . كذلك عرفت المظاهرات التي اندلعت في بيروت ابان معركة الاستقلال مشاركة الرفيقات في المظاهرات النسائية . في مقدمتها كانت تسير كلودا ثابت وعدد كبير من الرفيقات المشاركات .
وفي تلك الفترة العصيبة تبرز الرفيقة سورية كرم المهتار ويتناقل القوميون الاجتماعيون أخبارها . فالرفيقة سورية كانت تنتقل على دراجتها الهوائية من بيروت إلى " المية ومية " تنقل الطعام وتتفقد رفيق حياتها الأمين عجاج المهتار . ومنذ ذلك التاريخ سطعت الرفيقة سورية في الحزب رفيقة مناضلة ، جعلت بيتها بيتاً للحزب ، واستمرت في أوج عطائها حتى آخر لحظة في حياتها . تبقى الرفيقة سورية المهتار درة في جبين الحزب ورمزاً منيراً للمرأة القومية الاجتماعية المناضلة .
وإذا كانت رفيقات لم تسرن في التظاهرات أو لم تنقلن الطعام إلى " المية ومية " إلا أنهن كن يقمن بالأعمال الحزبية في ظل الانتداب وأجهزته وعيونه المتربصة . الرفيقة زينة ( 21 ) كانت تطبع البيانات الحزبية على آلة كاتبة بدائية . ورفيقات كانت تقمن بتوزيعها بواسطة البريد العادي إلى عناوين محددة .
صحيح أن الرفقاء قاموا بأعمال نضالية باهرة ، إلا أنهم ما كانوا تمكنوا من الانصراف إلى عملهم الحزبي لولا أم ترعى وتساند وزوجة ترافق وتسهر وتقدم الدعم المعنوي .
إلى الجنديات المجهولات من أمهات وشقيقات وزوجات ، اللواتي كن حاضرات في تاريخ الحزب ونضالاته ، ومعاركه ، كل التقدير ،
فمهما كتبنا عنهن ، تظل أقلامنا قاصرة عن تغطية هذا الكم الهائل من وقفات العز ، ومن العطاء اللامحدود .
الأمينـات
ــــــــــــــ
إن كانت الرفيقة جولييت المير سعاده قد اكتسبت تسمية الأمينة الأولى ، إلا أن الأمينة الأولى في الحزب زمنياً فهي الرفيقة نجلا معتوق حداد . أما الثانية فهي الأمينة جمال ناصيف .
حتى السبعينات من القرن الماضي لم تكن حازت على رتبة الأمانة سوى الرفيقات المذكورات أنفاً .
أما الرفيقات اللواتي نلن رتبة الأمانة حتى تاريخه فهن : هيام نصرالله محسن ، ناديا أبو جودة حجل ، ليل داغر رعد ، ادما ناصيف حمادة ، كوكب معلوف سمعان ، سهام عازار العلم، راغدة رستم ، ماري شهرستان ، نضال الأشقر نعيم ، أليسار سعاده ابو ناصيف، سهام بشير جمال، نايفة زيبارة، سهام دبا، اخلاص حردان ناصيف، صفية ناصيف ايوب، بشرى مسوح، جاكلين ايليو، اليسار زين.
هوامش
ــــــــــ
•(1) جرجس حداد : صاحب المطعم في شارع بلس ، تجاه الجامعة الأميركية ، حيث كان يتردد إليه سعاده ، والمنزل في شارع جان دارك الذي فيه استأجر سعاده غرفة قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المنزل الذي اصطلح الرفقاء على تسميته بالكوخ . والد الرفقاء فؤاد ، يوسف وعفيفة .
•(2) الجزء الأول من " عبدالله قبرصي يتذكر " الصفحة 182 .
•(3) شقيقة نعمة وفلادو ثابت ، اقترنت بالنائب شفيق ناصيف ( من رأس بيروت ) .
•(4) لم يعتقل الرفيق كامل أبو كامل لأن سعاده كان كلفه بنقل بعض الأوراق حتى لا تقع في أيدي السلطات في حال دوهم المنزل بشكل مفاجئ .
•(5) " من الجعبة " - الجزء الأول (ص 282) .
•(6) جرى انتماؤها ، والرفيقة جمال ناصيف في منزل الرفيق جميل شكر الله في منطقة طلعة جنبلاط ، رأس بيروت ، رافقتها هيلدا موقدية ، وفيما أقسمت الرفيقة عفيفة ، تراجعت هيلدا في آخر لحظة .
•(7) كانت تعمل قابلة قانونية . انتمت بواسطة طالب الحقوق آنذاك ، الرفيق مصطفى الذوق .
•(8) منحت رتبة الأمانة ، سجنت وتولت مسؤوليات وبقيت مناضلة ، مؤمنة بالحزب ، حتى آخر لحظة في حياتها . غادرت إلى تورنتو (كندا) ، وفيها وافتها المنية . مع أن زوجها - من آل حداد - لم يكن رفيقاً، إلا أنه لم يكن يمانع في نشاطها الحزبي ، وفي أن يكون منزلهما مفتوحاً للرفقاء وللعمل الحزبي .
•(9) اقترنت من مواطن من آل سرتان من طرابلس .
•(10) من الرفيقات المناضلات ، اقترنت لفترة قصيرة من الرفيق جورج عبد المسيح ، أديبة ولها مقالات كانت تنشرها في صحف الحزب .
•(11) الأمين جبران جريج " من الجعبة " - الجزء الأول ، ص 285 .
•(12) المصدر السابق ، ص 294 .
•(13) شقيقة الأمين بشير فاخوري .
•(14) والدة المحامي سنان براج .
•(15) من حمص ، وشقيقة الرفقاء محمد ، أحمد وسميحة شمنق ، اقترنت من الرفيق " الأمير " محمد أمين أرسلان ، توفيت باكراً .
•(16) انتمى ابنها فيليب دون أن تعلم ، وفوجئا ببعضهما البعض في أحد الاجتماعات الحزبية ( نرجح أنه اجتماع الأول من حزيران 1935 ) فعرف كل منهما بانتماء الآخر .
•(17) لا يوضح الأمين جبران جريج سبباً لعدم تبليغ المرسوم ، إنما يكتفي بالإشارة أنه بقي بحوزة شقيقة الرفيق جميل عازار .
الأمين جبران جريج " من الجعبة " ، الجزء الأول ، (ص 333) .
|