|
أضواء على شخصية وسيرة أنطون سعاده بقلم د.يوسف مروة 6/9 |
|
|
|
الأربعاء, 01 آب 2007 |
|
في الذكرى المئوية لولادة أنطون سعاده ( 1904-2004)
أضواء على شخصية وسيرة مؤسس أول حركة فكرية قومية ثوريةفي العالم العربي خلال القرن العشرين ( 6) إعداد: د.يوسف مروّة 5 ـ العودة والثورة والإستشهاد عاد سعاده إلى الوطن بعد إغتراب قسري دام تسع سنوات سببه، كما ذكرنا، منع سلطات الإنتداب الفرنسي له من العودة إلى ساحة الوطن خوفاً من دوره ومواقفه القومية المعروفة من الإستعمار وأعوانه. وفي طريق العودة حطّت به الطائرة، التي حملته من لندن، في مطار القاهرة بعد ظهر نهار 28 شباط ( فبراير) 1947، حيث قابله في القاهرة نعمة ثابت رئيس المجلس الأعلى في الحزب آنذاك وعدد من قياديي الحزب ليضعوه في صورة ما إعتبروه " تطورات جديدة". وكان الحزب بقيادة نعمة ثابت قد إنحرف عن فكر سعاده القومي الوحدوي الداعي للوحدة القومية متخذاً من الواقع اللبناني الجديد حيزاً لعمله دون سائر كيانات الأمّة السورية ( لبنان وفلسطين وسوريا والأردن والعراق والكويت) مسلماً بواقع التجزئة الكيانية التي فرضها الإستعمار في معاهدة سايكس ـ بيكو ومنحرفاُ عن نهج الحزب الثوري. لكن الرّد على منهج المتراجعين جاء في خطاب سعاده الذي ألقاه في الجماهير الشعبية والصفوف الحزبية التي إستقبلته عند وصوله إلى مطار بيروت في 2 آذار( مارس) 1947 حيث قال: " كلمتي إليكم أيها القوميون الإجتماعيون العودة إلى ساحة الجهاد" بهذا إختتم سعاده خطاب العودة. وثبّت من جديد هوية الحزب القومية رافضاً تدجين الحزب أو إحتواءه من قبل النظام الكياني اللبناني. وعلى اثر خطاب العودة الثوري الذي جدّد فيه موقف الحزب أصدرت الحكومة اللبنانية في 4 آذار مذكرة توقيف بحق سعاده. فإعتصم في المناطق القومية الإجتماعية في جبال لبنان مدة سبعة اشهر حتى عمدت الحكومة إلى إلغاء تلك المذكرة في 9 تشرين أول ( أكتوبر) 1947. وبالرغم من مذكرة التوقيف والملاحقات المتتالية خاض سعاده المعارك السياسية والإصلاحية على كافة الأصعدة: أدان التزوير لإرادة الشعب اللبناني الذي حدث في الإنتخابات النيابية اللبنانية التي جرت في أيار ( مايو) 1947 ووجه نداءاته إلى الشعب اللبناني بهذا الصدد، ووضع برنامجاً سياسياً للحزب في الإنتخابات طرح فيه مبادىء الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي المرحلي للبنان. ولم يزل ما طرح من مبادىء ومقترحات العلمنة وفصل الدين عن الدولة وإصلاح الإدارة والقضاء على الفساد وتنظيم الإقتصاد وبناء الدولة الحديثة وتمتين علاقة لبنان بمحيطه القومي دفاعياً وإقتصادياً وثقافياً وسياسياً، يأتي في مقدمة بنود الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي التي تُطرح حتى اليوم في برامج الجبهات والحركات العربية السياسية الوطنية والقومية. ( 53) أسس سعاده جريدة " الجيل الجديد" في بيروت في أواخر عام 1947 وكانت الجريدة الرسمية الناطقة بلسان الحزب السوري القومي الإجتماعي. كما أنه وجّه إلى القوميين الإجتماعيين رسالة خاصة بشأن فلسطين في 2 تشرين ثاني ( نوفمبر) 1947 بعد أن منعت الحكومة اللبنانية الحشد القومي الإجتماعي الذي دعا إليه سعاده بهذا الخصوص. وسعى جاهداً لتأمين السلاح للقوميين الإجتماعيين للقتال في فلسطين ولكن الرجعية العربية رفضت إعطاءه السلاح، ومع ذلك فقد قاتلت فرقة قومية إجتماعية بين اللّد والرملة، وعُرفت بإسم " فرقة الزوبعة" بقيادة الرفيق مصطفى سليمان وأبلت بلاءً متميزاً في القتال ضد المنظمات الإرهابية الصهيونية خلال الأشهر الأولى من عام 1948. شهد عام 1947 عملية تطهير في قيادة الحزب، حيث أقدم سعاده على طرد نعمة ثابت ومأمون أياس لأسباب سياسية وإدارية بتاريخ 9 تموز ( يوليو). وكان ثابت قد وضع منهاجاً للعمل الحزبي عُرف بإسم " الواقع اللبناني" وألقاه في إجتماع بعقلين سنة 1944. وكان هذا المنهاج خروجاً على العقيدة السورية القومية الإجتماعية. كما طرد سعاده من حزبه فايز صايغ وغسان تويني وكريم عزقول ويوسف الخال في أواخر عام 1947 لأسباب فلسفية وعقدية تتلخص بخروجهم على القواعد الدستورية في الحزب وعلى الأساس العقائدي الروحي للحركة. وفي نفس الوقت نشر ما توصل إليه في دراسته وبحثه حول تحديد الوطن السوري. وهو أن المنطقة الجغرافية التي تقع شرقي دجلة والفرات، والتي تمتد من الخليج الفارسي ـ العربي في الجنوب الشرقي حتى إلتقاء سلسلة جبال البختياري مع سلسلة جبال طوروس في الشمال الغربي والتي تضّم منطقة الأحواز، هي جزء لا يتجزأ من سورية التاريخية ـ الجغرافية، وكذلك وجد أن الكويت وقبرص وكيليكية تقع ضمن مفهوم الوطن السوري والأمّة السورية. وبذلك تعدّل نص المبدأ الأساسي الخامس للحزب من " الوطن السوري هو البيئة التي نشأت فيها الأمّة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميزها عمّا سواها، تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى قناة السويس في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة ومن البحر السوري في الغرب إلى الصحراء في الشرق حتى الإلتقاء بدجلة " إلى النص التالي: " الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمّة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميّزها عن سواها، تمتّد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي، إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق، ويعبر عنها بلفظ عام : الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص" ( 54) . وأعلن سعاده في نفس الوقت عن إضافة صفة " الإجتماعي" إلى إسم الحزب. فأصبح منذ ذلك الحين يُعرف بإسم " الحزب السوري القومي الإجتماعي". وإنصرف سعاده في هذه الأثناء إلى مراجعة الدراسات التاريخية حول حضارات الشعوب السورية القديمة وخاصة تاريخ الحضارة السومرية. ( 55) وكان سعاده قد وجّه رسالة إلى عميد الثقافة والإذاعة في الحزب فايز صايغ بتاريخ 30 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1947، بعد عودة الأخير من رحلة إذاعية إلى منفذية الشاطىء الذهبي ( غانا حالياً)، جاء فيها: " إن إجتهادكم الشخصي في تعليم النظرة البرديابيفية من مراكز الحزب العالية التي وصلتم إليها يدلّ على أنكم لم تهتموا بدرس العقيدة القومية الإجتماعية ونظرتها ولم تأخذوا بعين الإعتبار أن الحركة نشأت على عقيدة أي فلسفة إجتماعية كاملة موجودة في المبادىء وفي كتابات المعلم وشروحه في كتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته. وإن الواجب الطبيعي لهذه الحركة تثبيت عقيدتها وإنتصارها ككل حركة في العالم تقوم على تعاليم أساسية. إن هذه الحقيقة الأساسية لا تتضارب مطلقاً مع مبدأ الحرية الذي يعني إجازة إنحياز كل أصحاب عقيدة بعضهم إلى بعض للسعي لتحقيق عقيدتهم، ولا تعني مطلقاً وجوب إجازة العمل ضمن نطاق العقيدة الواحدة لعقيدة غيرها مخالفة لها أو رامية إلى هدمها. وكما كان إستمراركم في العمل على رأس بعض الأجهزة الإدارية العليا على أساس نظرة الفلسفة الشخصية الفردية المخالفة لنظرة الفلسفة القومية الإجتماعية يعرّض الحركة القومية الإجتماعية إلى البلبلة والتفسخ بتأثير عدد كبير أو قليل من الأعضاء بتعاليم المدرسة الكركيقاردية ـ البرديابيفية من غير أي تنبيه للهدف الأخير الذي ترمي إليه ولمخالفته لهدف الحركة القومية الإجتماعية الأخير، وبسبب إهمال شرح تعاليم نهضتهم، فإني أطلب منكم إعادة النظر في إتجاهكم الفلسفي وعملكم الإذاعي والإدلاء إليّ بموقفكم من العقيدة القومية الإجتماعية وإعتباراتها الأساسية وبأهداف عملكم الإذاعي" . ( 56) والملاحظ أن فايز صايغ قد أدخل تعاليم كيركيغارد وبردييف في صلب المفاهيم الفلسفية للحزب السوري القومي. لأن الحزب يومذاك، نظراً لغياب سعاده الطويل، لم تكن قد توضّحت تعاليمه ومفاهيمه الفلسفية بعد، فظّن فايز صايغ أنه يخدم الحزب والعقيدة بإقتباس تعاليم فلسفية جديدة. والمعروف أن نظرة فايز صايغ القومية، بعد طرده من الحزب السوري القومي الإجتماعي، قد تطورت في الخمسينيات من القرن الماضي، إنطلاقاً من نظرية سعاده ( البيئة تقدم الإمكانيات لا الحتميات). فإعتبر أن العالم العربي يجتاز مرحلة تطور وإنتقال من واقع أمم متمايزة إلى مرحلة التفاعل والتكامل الإقتصادي والإجتماعي والثقافي ليصل في المستقبل إلى وحدانية الشخصية القومية والوعي القومي الكامل وبالتالي الأمّة الواحدة والنظام السياسي الواحد. فالعالم العربي ـ حسب نظرة فايز صايغ ـ بدأ أربعة أمم متمايزة وهو الآن ليس أمماً متعددة ولا أمّة واحدة، وفي المستقبل سيصبح أمّة واحدة. والمعتقد أن مشكلة فايز صايغ الفلسفية، ومن قبلها مشكلة فخري معلوف اللاهوتية، قد جعلتا سعاده يسارع إلى إنهاء كتابه حول " الفلسفة المدرحية" في أواخر عام 1947. وأصدر سعاده عام 1948 مجلة " النظام الجديد" لتحمل خطط ومفاهيم التفكير الجديد ـ التفكير والفكر القومي الإجتماعي ـ ومخططات النظام الجديد الذي تسير الحركة القومية الإجتماعية بالأمّة نحوه كما ترسمها مدرسة الفكر القومية الإجتماعية. ( 57). كما أنه أعاد تنظيم الندوة الثقافية بحيث أصبحت ندوة للدراسات والأبحاث الفكرية الإجتماعية والإقتصادية والعلمية والفلسفية. وألقى سعاده المحاضرات العشر التي شرح فيها مبادىء الحركة السورية القومية الإجتماعية الأساسية والإصلاحية وغايتها كجزء من برنامج الندوة الثقافية. وكانت المحاضرة الأولى في 7 كانون الثاني( يناير) 1948 والمحاضرة العاشرة في 4 آذار( مارس) من نفس العام. وما كاد سعاده يبتدىء بإلقاء سلسلة الدروس العقدية في الندوة الثقافية حتى توّلد تيار فكري ـ روحي جديد حرّك أوساط النهضة القومية الإجتماعية وأوساط مدينة بيروت الثقافية. وكان الإقبال على سماع المحاضرات من دور العلم وأوساط الثقافة من خارج نطاق الحركة القومية الإجتماعية كبيراً. ( 58 ). وفي محاضرة سعاده التي ألقاها في مؤتمر المدرّسين القوميين الإجتماعيين الذي عُقد في 17 تموز ( يوليو ) 1948 وردت عدة إشارات إلى الفلسفة المدرحية حيث قال: " وتعلمون أن الحزب السوري القومي الإجتماعي يحمل رسالة القومية الصحيحة إلى الأمّة السورية ورسالة الحياة القومية الإجتماعية وفلسفتها المدرحية إلى الأمّة السورية والى الأمم جميعاً. فالنهضة السورية القومية الإجتماعية، إذن، هي حدث تاريخي خطير، هي أعظم الأحداث التاريخية التي مرّت بهذه الأمّة شأناً بلا إستثناء. وإذا نظرنا في مهمة الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي يحمل رسالة النهضة السورية القومية الإجتماعية وجدنا أنها أشق مهمة ظهرت في تاريخ أية أمّة من الأمم. فليس، ولم يك قط، للفوضى التي تتخبط فيها الأمّة السورية مثيل، ولم يبلغ الفساد في أمّة من الأمم، في أي وقت من الأوقات، مبلغه في أمتنا إلى هذا الوقت ". ( 59) ـ يتبع ـ
|