الأمين د. ربيع الدبس
التأسيس في الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس ذكرى نستعيدها كل عام أو نستذكر فيها محطات تؤكد صدقية المبادئ وراهنيتها...
إن التأسيس أكثر من ذكرى وأبعد من عيد، على سُمُوّه. ولعل الفعل التأسيسي الذي أحدثه نشوء الحزب هو المعني بهذا الطرح، نقصد الفعل التأسيسي النهضوي الشامل: فكراً وأدباً وصراعاً ومناقب.
نحن نعني بالفكر والأدب والصراع والمناقب، المنظومة القيمية الجديدة التي جعلت السوريين القوميين الاجتماعيين وتيارهم يطرحون فكرً جديداً وأدباً جديداً ومفاهيم جديدة للصراع والمناقب. وإذا ذكرنا الأدب فلأنه بمعنى من المعاني تعبير عن روح الأمة وثقافتها، ولأنه حافز روحي يغذي مبدأ الحياة الواحدة والإنتاج القومي الهادف، كما يغذي الاتجاه الفكري نحو بيئة ثقافية منسجمة ومتراصة ومندمجة.
كانت الفنون والآداب وما زالت محرّضاً نفسياً أساسياً للجماعات، ولعل الموسيقى الراقية هي إحدى علامات الغنى النفسي لدى الشعوب، خصوصاً متى كانت هادفة إلى التحريض القومي على الوحدة أو على المقاومة أو على التعبئة ضد محتل غاصب. وطالما فعلت الموسيقى فعلها في المفاصل التاريخية التي كانت تتطلب زخماً إبداعياً يُحدث تحولاً ايجابيً لمصلحة الجماعة وارتقائها.
أما الأدب الذي اعتبره سعاده العظيم منارة للجماعة لا مرآة، فدوره طليعي وريادي في تنوير الجماعة وتعميق مفاهيمها وصقل مشاعرها وتكوين قيمتها. وعند الحديث عن الأدب لا بد من تسجيل مأثرتين للفكر السوري القومي الاجتماعي في البناء المفهومي للأدب شعره ونثره، أولهما أن الأدب لا يمكن أن يدخل في نسيج الجماعة وتراثها إذا لم يكن أدب حياة، أي إذا لم يكن أدباً هادفاً، بالمعنى العميق والشامل للكلمة. فما معنى الأدب الذي له هدف أو أهداف؟ إنه يعني الأدب المعني لا يندرج في الإطار الكتبي أو الإطار الجمالي فقط كقول بعض النقاد بنظرية الفن للفن أو الجمال للجمال أو الشعر للشعر. ونحن في مدرسة النهضة السورية القومية الاجتماعية نؤمن بأن الأدب ليس الفكر عينه وليس الشعور بالذات، وأنه لا يمكن أن يصنع تجديداً من تلقاء نفسه، لأنه نتيجة لا سبب كما يقول سعاده: "إنه نتيجة حصول التغيير فـي الحياة وفي النظرة إلى الحياة إنه نتيجة حصول ثورة روحية - اجتماعية - ثقافية - سياسية تغيّر حياة شعب بأسره، وتفتح آفاقاً جميلة للفكر وطرائقه وللشعور ومناحيه".
(انظر كتاب سعاده بعنوان "الصراع الفكري في الأدب السوري)
هذا يعني، بكل وضوح، أن التغيير الذي يمكن أن يحصل في الأدب لا بد من أن يسبقه تغيير في الأفكار وفي منهجية التفكير، من تكتسب نظرة مؤسس النهضة الجديدة إلى الحياة والكون والفن أبعادها الحقيقية في ميدان الأدب بما تمثله الآداب من حيز روحي وثقافي كبير في حياة الأمم الحية، ترفده العقلية الأخلاقية الجديدة بالنسغ المناقبي الضروري.
أما المأثرة الثانية للفكر القومي الاجتماعي في البناء المفهومي للأدب فتتمثل في الدور الفاعل لهذا الفكر في حركة الحداثة التي كان معظم روادها من مثقفي الحزب وأدبائه وشعرائه أو ممن كانوا في مناخ النهضة وإرهاصاتها، نذكر منهم يوسف الخال، وأدونيس، خالدة سعيد، أنسي الحاج، فؤاد رفقة محمد الماغوط. كما نذكر شعراء آخرين تلقحوا بفكر النهضة ولو تنكر بعضهم لها مثل سعيد عقل وصلاح لبكي، دون أن ننسى دور رفقاء كتاب أو شعراء رفدوا الأدب القومي بعيون النصوص التي ما زالت مرجعاً للأجيال الجديدة، نذكر منهم سعيد تقي الدين، وفؤاد سليمان (تموز) ، ومحمد يوسف حمود، وآخرين آخرين.
يبقى أن نذكر بأن كثيراً من الكتب المدرسية المزيفة تزرع في الأجيال أن الأديب هو ابن بيئته وعصره، فكأنها تقول: إذا كان العصر فساداً فإن وظيفة الأديب تنحصر في التعبير عن ذلك الفساد وانعكاسه في إنتاج الأديب !!! أليس الأديب مصلحاً اجتماعياً ورائداً ثقافياً ذا رؤية استشرافية إصلاحية أو تقويمية أو تبصيرية؟ وما قيمة الأديب إذا لم يتمكن من أن يتخطى عصره ويخطط لبيئته ولما هو أبعد منها ؟
إن الأدباء منارات، وإن المهام جسام .
|