وسط ويلات وطن غارق بوحول الطائفية وتنازعات العصبيات العائلية والطبقية التي غذّاها الاحتلال ليحكم سيطرته، وفي ظل انفتاح الساحة السورية على مختلف الإيديولوجيات إثر فقدها لهوية واضحة تجمع أبناءها،اطل سعادة من صميم هذا الواقع المرير،بفكر متوقد ورؤية واضحة تحمل في داخلها بذور الثورة والتغيير والنهضة.
خلال هذه الفترة لم تكن سورية كما فكرة المجتمع المدني غريبة عن الفكر العام الثقافي وهذا ما يظهر في العديد من الكتابات لأدباء ومفكرين معروفين أمثال جبران خليل جبران ومي زيادة...فكانت غاية سعادة مطلبا يحتاج إلى قائد وهكذا كان.
أسس سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي على مبادئ أساسية وإصلاحية كفلت علمانيته وتساوي ما بين المواطنين في الأمة دون تمييز، فكانت العقيدة القومية الاجتماعية امتداد لمخزون حضاري-ثقافي كما خلاصة بحث في الأفكار والطروحات الحديثة الغربية،التي اطلع عليها الزعيم ودرسها،واضعا في نهاية بحثه قيّم ومناقب الفكر القومي الاجتماعي الذي هو فكر خاص بالأمة السورية والشعب السوري وبني على أساسه فلسفته الاجتماعية التي تظهر جميع الاتجاهات الفلسفية الحديثة.
وبهذا المعنى كتب سعادة:"الفكر القومي الاجتماعي يقدّم النظرة الجامعة للمذاهب الإنسانية الجديدة المتنافرة .
لم تكن العقيدة القومية الاجتماعية الجديدة كلاما فلسفيا-نظريا وسفسطائيا،بل كانت تعالج الواقع الاجتماعي الذي باتت بلادنا ترزح تحت وطأته جراء المفاهيم والعادات الرثة التي جاء الحزب ليغيرها ويبني الإنسان-المجتمع، الفاعل الواعي والقوي والقادر على تقرير مصير بلاده بنفسه وهذا ما يوضحه المبدأ الأساسي الثاني:" القضية السورية هي قضية سورية مستقلة كل الاستقلال عن أي قضية أخرى".
ومع محاولة الاحتلال وأتباعه في الداخل إجهاض ما جاء به الحزب باتهام سعادة بالتطرف الطائفي كان الرد المبدأ الإصلاحي الأول الذي يقضي بفصل الدين عن الدولة ما يؤكد على وحدة المجتمع السوري على أساس الهوية القومية لا على أساس الطائفة والمذهب أو العائلة وهذا فيه خير المجتمع ككل.
إذاً جاء سعادة بعقيدة علمانية لخدمة أهداف سورية التي مصلحتها فوق كل مصلحة ولتحقيق القضية وبعث نهضة قومية اجتماعية " تستمد روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي والسياسي والقومي" الذي يعتمد في الأساس على تميّز النفس السّورية وإبداعها.
من هذا المنطلق لم تعرف العقيدة القومية الاجتماعية بين أبناء سورية فكانت لكل المجتمع وبمتناول الجميع رجالا ونساءً في دعوة واضحة وجادة لبناء نظام قيمي جديد ومن ضمنه نظرة المجتمع للمرأة السورية القومية الاجتماعية ولدورها في العمل الحزبي والسياسي والاجتماعي والنضالي.
والمرأة في العقيدة القومية الاجتماعية موجودة في الامتداد الحضاري-الثقافي ولها مواقفها التي تختزنها النفس السورية العامة(أليسار،زنوبيا)، وحاضرة في البعد العلمي الحديث وهي موجودة منذ تأسيس الحزب وفي خضم العمل بالرغم من القيود التي كانت توضع على عمل المرأة بشكل عام وسط التقاليد والعادات التي كانت سائدة في حقبة التأسيس، ولإصرار سعادة على مشاركة المرأة السورية في النهضة، أسس منفذية للسيدات التي لعبت دوراً هاماً على صعيد تثقيف الرفيقات كما في الأحداث التي مرّ بها الحزب في تلك الفترة.
هذا يوضح نظرة سعادة إلى فعالية المرأة ودورها الأساسي في مسيرة الانتظار إذ هي من المجتمع وبالتالي فإن قضاياه تعنيها وعليها اخذ موقف منها،فأثبت سعادة بذلك تميّزها ودعمه لمواهبها وإيمانه بقدراتها وهذا ما نراه واضحا في موقفه من قضية الأديبة مي زيادة وفي نقده الموضوعي والواضح تجاهها:
لم تنجب سورية في القرون الأخيرة من النساء أديبة كبيرة كمي زيادة.
كانت كرمة ثابتة في الشوك.
استعدادها النفسي ودرجة ثقافتها كان أقوى وارسخ من إنتاجها الأدبي المعروف أو على الأقل مما قرأت لها منه.ولكن كان ينقصها الحافز الموضوعي من عمل عظيم أو حدث تاريخي خطير أو فكرة سامية.
التعاطي الموضوعي مع حقوق المرأة في العمل خدمةً لمعتقداتها في الفكر القومي الاجتماعي وعدم التمييز في النظرة بينها وبين الرجل، شكّل حافزاً لا بل بدايةً لدخول المرأة المعترك الحزبي والسياسي والنضالي في بلادنا.وفي تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي العديد من النساء اللواتي اثبتن قدرة المرأة المؤمنة بقضيتها على تحمل مسؤولياتها تجاه وطنها فكانت سناء وزهر وفدوى والعديد من الرفيقات اللواتي ناضلن في الظل، تركوا لآلاف السوريات القوميات الاجتماعيات كما للقوميين الاجتماعيين إرثا نضالياً ومواقف عزّ،غيّرت مجرى التاريخ كما حيات الكثيرات،إذ تشعر اليوم كلٌ منا بقدرتها على الفعل والمواجهة عبر ما تمدها به صحة عقيدتها ومبادئ النهضة وثقة هذه العقيدة بدور المرأة الأم، المثقفة، الواعية،الحزبية، المقاومة التي أثبتت ان الدماء التي تجري في عروقها وديعة الأمة متى طلبت وجدتها..
من تحت الرماد تنبثق
كلنا..قوميون اجتماعيون.
|