الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
أثر النهضة القومية الاجتماعية على المرأة ـ الأمينة ماري شهرستان طباعة ارسال لصديق
الأحد, 16 تشرين الثاني 2008
nour_el_houda_buenos_aires.jpg

 

تخبرنا البحوث حول "حق الأم" ان الانسان عاش المجتمع الامومي قبل ان يحصل الانقلاب الذكوري, وان المجتمعات الأمومية كانت الأرقى سياسياً واجتماعياً وجمالياً, وكان فيها للنساء الكلمة الأخيرة في تسيير امور الحياة ولمدة تقارب 25000 عام. بينما غدت بعدها المجتمعات الأبوية أعنف وأكثر طبقية.

واول معبود تصوّره الانسان كان "الآلهة - الأم" وكانت معابد الهلال الخصيب هي سكن الآلهة وامكنة اتصالها بالناس مثل:إنانا وعناة وعشتار. وتبدو المرأة في ملاحم تراثنا آلهة متعالية, خارقة القدرة, خالقة البشر, يتضرع إليها العابدون كما في ملحمة جلجامش حيث نجد الالهة الأم تخلق انكيدو من "قبضة من طين":

"انت ِ الرحم الأم                 يا خالقة الجنس البشري

وفي الاسطورة الكنعانية تبدو الانثى مقاومة محاربة, قوية:

"كانت عناة تقاتل انصار الإله يم ونخوض في دمائهم".

ثم نجد الصورة الأدبية الدينية:

"عند قدمي عناة انحنيا واركعا, اسجدا وبجلاها وقولا للعذراء عناة, أعلنا لسيدة الأبطال رسالة بعل العلي: ان اقيمي في الأرض وئاماً, وابذري في التراب محبة, واسكبي السلام في كبد الارض, وليهطل الحب مخترقاً جوف الحقول."

في ظل هذا التمييز الانثوي, أعاد الذكور حساباتهم ولجؤا الى انقلاب لإرساء ما يُعرَف بـ"حق الأب" جاعلين من المرأة عنصراً تابعاً لا مكملاً, فتحوَّلت طاقتها الانسانية من إبداع مستقل إلى قيمة مسخرة تصب في العهد الأبوي حيث تم  بناء القيم الذكورية وتمأسسها بالتربية فتجذرت في المجتمعات البشرية اعتماداً على الفروقات الفيزيائية, حيث أصبح الولد الصبي يكيَّف اجتماعياً ليكون ذكراً أي كائناً متفوقاً على الأنثى منذ اللحظة التي يعي فيها ذاته,  ويتعلم ذلك من عائلته وبيئته, فيحاول التماثل مع النمط الثقافي الاجتماعي للذكورة الذي فيه مغالطة ومبالغة في تقييم التمايز الطبيعي بين الجنسين مما ادى إلى تغييب الحقيقة التكاملية التي نشأ بها الجنس البشري وارتقى, فأمعن في إلغاء شخصية الانثى واختزالها في حدود الجسد,  فظلت في حالة استلاب فكري واقتصادي مما جعلها مقتنعة بدورها "الدوني" الذي صادق عليه المجتمع البشري,حيث اصابه التراجع والتحجر إلى أن بدأت صحوته بفعل النظريات العلمية  وثورة المفاهيم الإنسانية.

وفي كل الامم, تكونت قضية الانثى في المجتمع الذي هو ثقافة حاضرة في صميم كل فرد, والثقافة في امة ما هي بصمة تميّز كل المؤسسات في الحياة الاجتماعية.  ولكل امة  طبعها الاجتماعي الذي هو "النواة الجامعة" بالنسبة إلى الغالبية التي تشترك في استبطان القيم والمثاليات والنظم الخاصة بواسطة "العائلة التي هي الوكيل النفسي للمجتمع". ويوجد في كل ثقافة نموذج للذكورة والانوثة "موافق عليه" لا يمكننا دراسته خارج الزمان والمكان والمؤسسات الذي يعيش ضمنها, حيث مرَّ كل نموذج بمراحل تاريخية مضيئة حيناً وقاتمة احياناً اخرى.

وبما ان انماط الذكورة والانوثة قد تكونت في ظروف تاريخية نوعية يمكن لنا ان نعترض عليها ونناقشها ونعيد بناءها ونبدلها لأن النمط الثقافي ليس نوعاً من الطبيعة الداخلية انما هو نظام قد تم اكتسابه على مدى الزمان وينبغي علينا ان نبنيه ونعيد بناءه بمجهود مستمر...

ولما كانت مسالة الأنوثة موضوعاً مشتركاً بين الأمم جمعاء, استوجب من كل مجتمعات الكون انتفاضة نسائية تشكل منها حركات ناشطة عزمت ألا يكون هذا الجزء من التاريخ البشري هو شرعتها الابدية, فدمرت جسر الخوف وبدأت بالتحرر لتبدع تاريخها بنفسها وتحصِّن مواقعها  مستندة إلى العلوم البيولوجية التي قدمت لها بحوثاً متطورة قلبت المفاهيم السائدة وأبطلت المقولة التي وفقها يكون الإنسان الذكر مخلوقاً خاصاً متميزاً ماورائياً عن الإنسان الأنثى, حتى وصلت دعوتها إلى مجلس الامن واتخذ بها قرارات دولية ملزمة.

ورغم وصول رياح النهضة النسائية إلى بلادنا  ظلَّ مفهوم المرأة السائد في أوائل القرن العشرين, مفهوماً رجعياً جامداً يركز على الأنثى وليس المرأة المواطنة, وذلك بسبب العقلية الذكورية المهيمنة التي كانت تركز على ترسيخ فكرة دونية المراة ومهامها التقليدية الانثوية واعتبارها قيماً اجتماعية ثابتة وبديهية حتى في ذهنية المراة ذاتها, مما ادى إلى تشيئها وهدر امكانياتها ومواهبها الفكرية, وبالتالي انعكاس ذلك سلباً على المجتمع.

استوجبت هذه الحالة المتردية من باعث النهضة القومية الاجتماعية عند تأسيس الحزب وضع الخطة الصائبة لتطوير المفاهيم المتعلقة بالمرأة حتى ُتصبح مساواتُها مذهباً معتنقاً في وجدان القوميين الاجتماعيين  سعياً  لتحويل المجتمع إلى نظام عادل  في علاقاته الاسروية والداخلية: فكانت اولاً في مضمون قسم العضوية الذي ينص على  إلزام الأعضاء المنتمين بالقسم باتخاذ المبادىء القومية الاجتماعية إيماناً لهم ولعائلاتهم وشعاراً لبيوتهم, أي ان قسم عضوية الذكر بشرفه ومعتقده يسقط إن هو اغفل بناء زوجته واولاده عقائدياً؛   وثانياً والأهم من ذلك كله, ترسيخ فكرة المساواة في الدستور والقوانين المكتوبة:

"فإن دستور الحزب[1] - كما كافة القوانين الصادرة - لا يتوجه في أي مادة من مواده إلى الرجل دون المرأة, كما لا يخصص لأي مسؤولية بالرجل دون المرأة, حتى في عمدة الدفاع التي - عادة - تستجلب الرجل إليها أكثر من المرأة.

لذلك فإن كل المسؤوليات الحزبية, وكل المهمات, يمكن أن تناط بالرفيقة إذا توفرت لديها الكفاءة تماماً كما تناط بالرفيق إن كان يملك القدرة على ذلك.

وحول انتماء المرأة إلى الحزب يورد الأمين عبد الله قبرصي[2] ما يلي:

"كنتُ مرة في شارع المكحول سنة 1935 وكنت عميداً الإذاعة ودعيت لقوم بعملية إدخال مواطن مع مواطنين إلى صفوف الحزب. أنهيتُ قسم الرفيق الجديد وأقبلتُ اطرح الأسئلة على المواطنين قبل أداء القسم. ترددتُ قليلاً, هل يقسم الرجل والمرأة نفس القسم؟ هل مسؤولية الرفيق ومسؤولية الرفيقة من قياس واحد؟

فأوقفتُ الاجتماع ورحتُ أسارع الخطى نحو "كوخ" الزعيم في رأس بيروت. وجدته وعرضتُ عليه المشكلة, فقال بهدوء ما معناه:"إن القسم وضع للحزب, لكل طالب انتماء, امرأة كانت او رجلاً, المساواة بين الجنسين مطلقة. لا فرق عندنا في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى[3].

فالحياة قد أفرزت الإنسان  رجلاً وامرأة والحق يستوجب مشاركة المرأة في كل الشؤون المتعلقة بنظام عائلتها ومجتمعها ودولتها وعلاقاتها مع العالم  وقبل كل ذلك تهيئتها وإطلاعها وتفعيل كفاءتها إنما ضمن المنظومة الاجتماعية ووفق ما تقتضيه مصلحة الأمة.

انتقلت بذلك المرأة المنتمية  للنهضة إلى دور فاعل, تؤمِن بالحق والخير والجمال, تتلقى علوم الاجتماع والتاريخ والعقائد وتشارك في العمل الحزبي والخطاب السياسي متخذة من أنطون سعادة مثلا ً أعلى,    تهب وطنها كل حياتها مؤدية ً قسم العضوية لترسيخ نهجِه العلمي ومثلِهِ العليا في الحرية والواجب والنظام والقوة ، غارسة ً في نفوس الشباب فضائل الانتماء القومي وقيم المعرفة وتطور معاني الموروث والعلمانية,  والوعي لمخاطر الصنمية والتعصب على حساب القيم الإنسانية والاجتماعية الراقية.

لكن المساواة الدستورية والقانونية والتي غايتها ترسيخ إعلاء شأن المرأة وإدماجها بالعمل الحزبي لم تكن ُتفعَّل كما ُشرِّعَ لها لأن الأوضاع الاجتماعية المتخلفة المضافة إلى ظروف النضال والتأسيس في ظل الاحتلال الفرنسي , اضطره لإنشاء منفذية للسيدات  حيث أصبحت

فائزة انتيبا منفذة عامة لمنفذية السيدات في بيروت عام 1937 وُتثبت الوثائق أنها صرَّفت الأمور الحزبية بأداء ٍ عالي المستوى وبإدارة نظامية ملتزمة في ساحة سياسية ملتهبة.    

وحازت بعدها نجلة معتوق على رتبة الأمانة. وناضلت الأمينة الأولى جولييت المير  في المهجر وفي الوطن المضطرب  حيث ذاقت عذاب السجون لسنوات ٍ عديدة.  وقائمة النساء القوميات الاجتماعيات المناضلات  كبيرة جداً.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين, وإبّان الاحتلال الإسرائيلي للبنان قدمت  القوميات - الاجتماعيات جسدهن بشجاعة فائقة  قرباناً للذود عن "الأرض والإنسان" وكانت الرفيقة سناء محيدلي اول من نفذ  العملية البطولية  واحتذت حذوها الرفيقة ابتسام حرب ومريم خير الدين وغيرهن من صفوة رفيقاتنا الباسلات,   وهذا  برهان  ساطع على أن المرأة القومية لا تأخذ مواقفا ً مختلفة عن الرجل  تجاه صراع الوجود فهي معه جنباً إلى جنب  في ساحات البطولة والفداء.

وعلى صعيد الأمة, اجتازت المرأة (كما في الأمم الأخرى) كثيراً من الصعوبات والحواجز وخرجت عبر تجاربها بشخصية متميّزة داخل المنزل وخارجه وواجهت التحدي وكانت على مستوى المسؤولية منتجة، طموحة، مشاركة في اقتصاد الأسرة وفي بناء الوطن والذود عنه.

وفي كل يوم يبرز نضال  المرأة الفلسطينية على جميع الأصعدة فهي تتعرض للانتهاكات والسجون والتعذيب,  ورغم كل ذلك يستمر إعدادُها لأبنائِها إعداداً منتمياً مقاوماً ثبتت فعاليته وقيمته الدفاعية في وجه الترسانات العملاقة.   ولكن ... !!! رغم كل ما تقوم به المرأة على الصعيد الحزبي والاجتماعي والثقافي فهي لم تحصل على مكاسب بحجم التضحيات التي قدمتها مثلها مثل الرجل تماما ً من دراسة وعمل وسجون واعتقالات وتضحيات ممهورة بدمائها الزكية ... 

فهي لم تصل إلى مراكز قيادية إلا نادراً, رغم انها قد نالت حقها على المستوى الدستوري, سواء على مستوى الدولة ام على مستوىالحزب, لكن على المستوى السياسي العملي لا تزال المعوقات فاعلة ضدها,  كما اننا نجد في العديد من كيانات الأمة قوانيناً غير منصفة بالحق الشخصي للمرأة, إذ لا يوجد مساواة في التشريع بين الذكور والإناث, بل هناك أعراف جامدة وتقاليد بالية  موروثة من النظام العشائري, تحولت إلى قوانين تمييزية, منحازة للرجل بشكل فاضح.

وفي استبيانات وحوارات صحفية والكترونية يبدو ان مجتمعنا التقليدي بدأ يعي ان العائق الأكبر في تطوّر المجتمع يكمن في العقلية الذكورية التي بُنيت في ظل عادات وتقاليد احفورية, وهو يُبدي استعداداً للاعتراف بحقوق المراة بالتعلم والعمل والاعتراف بتحملها المسؤوليات في أقسى الظروف, إلا انه ما زال يتقيّد بخطوط حمراء, وغير مستعد للقبول بحق المرأة كاملاً,  وكأن هذا المجتمع لا يثق بقدرة تربيته وتوعيته لبناته وعلاقاتهن الانسانية والاجتماعية حيث يُبقي على المفاهيم التوحشية التي تجيز قتل الانثى دون الذكر (في حال ارتكبت خطأ اجتماعياً - وتسمى جرائم الشرف!) إذ يعتبرها خصوصية ثقافته المميزة عن الثقافات الأخرى؛ بينما تقول القيمة الانسانية الكونية ان الأرض هي العِرض بمعناه الحقيقي وغياب المواطنية والاخلاص للعمل هي جرائم شرف مدانة.

المصادر

•1-   الامين لبيب ناصيف, مقالة: "المرأة في الحزب السوري القومي الاجتناعي"

•2-   الأمين عبد الله قبرصي:"عبد الله قبرصي يتذكر"

•3-   ادمون مارك ليبيانسكي, استاذ محاضر في جامعة باريس- نانتير , عن مجلة العلوم الانسانية.

•4-   اريكسون: "ازمة البحث عن هوية"

•5-   كاردينر "الفرد في مجتمعه" غاليمار 1969".


 


 

 
< السابق   التالى >