الرفيق اسماعيل بطرش يتذكر ويقول :
يعتقد البعض أن الذاكرة إنما هي فعالية النسيان إذ لا يمكنك اجتياز نفس النهر مرتين' لأنك أنت بنفسك عنصر متحول و أن الزمن يتقدم إلى الأمام:
أمس الذي فات على قربه تعجز أهل الأرض عن رده ،
غير أننا لا يمكننا حذف ما مر و يمر بنا من أحداث لأنها أصبحت جزءا من تكويننا الفردي و الاجتماعي، فنحن كسوريين نحمل في ذواتنا كل ما مر بأمتنا من أحداث و لو كانت ترجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.
إن انتمائي إلى الحزب عام 1947 بحضور الأمين إلياس جرجي قنيزح لم يكن حدثا عابرا، فقد كانت البلاد كلها تمر بمخاض أليم تتناطح فيه الانتماءات الدينيه و الفئوية و السياسية في فترة كانت الصهيونية تعد عدتها لاغتصاب فلسطين و أذكر قدوم طالب إلى ثانوية ابن رشد منقولا من دمشق بسبب ثورته على الأوضاع الراهنة و تبين لي فيما بعد أنه كان قوميا اجتماعيا اسمه زهير قتلان. كان أزلام أكرم الحوراني يستأثرون بجو الإضرابات في الثانوية طمعا في كراسي البرلمان بعد انفصالهم عن الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي وضع له حضرة الزعيم حدا بفصله من الحزب بعد زيارة حضرة الزعيم لحماه و محاضراته في بيتنا و في سينما الروكسي التي كانت في موقع مقهى المأمورية الحالي.
تم الحجز لإقامة الزعيم في فندق أبي الفداء الذي هو اليوم مقر حزب البعث بحماة فأقام في آخر غرفة في الجناح الأيسر من الطابق الثاني. كان يرافق حضرة الزعيم رفيق سائق من لبنان لديه عصا كان يمسك بها حضرة الزعيم أحيانا.
كانت المحاضرة التي منع أكرم الحوراني أي واحد من (زلمه) من حضورها في دار السينما و قد حضرها العديد من أهالي حماه و لا يزالون يذكرونها إلى اليوم إذ كانت على بساطتها و وضوحها لا تنسى. و بعد المحاضرة سأله بعض الرفقاء لماذا لم تكن المحاضرة تعتمد على عنصر الإثارة للمشاعر فأجاب: المحاضرة شيء تحليلي بارد تستدعي من السامع إعمال الفكر و ليس إثارة الغرائز الهوجاء.
كانت المحاضرة تبحث في واقع الأمة السورية و مركزها من العالم العربي الذي تتناثر بقاعه على قارتين و أننا نبدأ بسورية القوية لتكون جبهة العالم العربي و سيفة و ترسه.
غادر حضرة الزعيم حماة إلى حلب و كان قد طلب من بعض الرفقاء تصوير بعض قباب القرى على الطريق، ربما لدراسة في ذهنه عن ترابط النمط العمراني القديم بما هو باق الآن.
كان الرفيق المهندس سروري البارودي قد جعل من مكتبه مركزا للحزب نتابع منه نشاطاتنا مع الرفيق ميخائيل أنطكلي كما أننا مارسنا أنشطتنا الثقافية في مدرسة ابن رشد التي أصبحت حاليا ثانوية السيدة عائشة للبنات. و هناك انضم فيها إلينا الرفيق إسماعيل سفر و إسماعيل جمعة و كثيرون غيرهم التقينا بهم في سجن المزة بعد حادثة المالكي التي كان أكرم الحوراني لا يسمح فيها للقاضي بدرعلوش أن يوافق على أي إخلاء سبيل لنا رغم كوننا ظنينين قانونا و لسنا بمتهمين.
|