•- هي وقائع عشت بعضها ، أفعال مارستها شخصياً ، وبعضها الآخر وصل إلى علمي موثقاً ، بعيداً عن العاطفة والميول الشخصية ، وما أورده فيه توخ للدقة كبير ويتطابق مع الواقع ، وقبل زيارة الزعيم ، لا بد من وصف لحالة الحزب في متحد حماه بشكل عام .
•- انتمى الرفيق المرحوم أكرم الحوراني إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1936، وفي العام التالي 1937 كان منفذاً عاماً لحماه ، كان نائب حماه يوم ذاك الدكتور توفيق الشيشكلي ، هاجم جماعته مركز الحزب السوري القومي الاجتماعي وكسروا ما فيه ، كما أحرقوا وأتلفوا الأوراق والأضابير رغم أن صلاح الشيشكلي وشقيقه أديب كانا منتميان للحزب .
•- على أثر ذلك ذهب أكرم الحوراني إلى بيروت يحمل لقيادة الحزب النبأ . اجتمعت القيادة برئاسة الزعيم سعادة وحضور العمد ودعي أكرم الحوراني لإعطاء تفصيلات الحادثة واقتراحاته بالرد أو عدم الرد ، وقدم تقريراً مفصلاً وخطة متكاملة لمقابلة العنف بالعنف ، وافق الزعيم سعادة على المقترح ، وتسلم المنفذ العام الرفيق أكرم الحوراني أمراً باستنفار قوات الحزب في حمص وصافيتا وجوارها ووضعها تحت إمرة منفذ عام حماه ( لكن لم يحصل رد عنيف وسويت الأمور بالتي هي أحسن ) .
•- انتشر الحزب في حماه بشكل واسع وانضوت تحت لوائه نخبة مثقفي حماه ، واستمر الرفيق أكرم الحوراني منفذاً عاماً ، ولما كان الحزب يدعو إلى فصل الدين عن الدولة ، وإلغاء الإقطاع ، وتنكب المسؤوليات القومية ، وتطلعاته المستقبلية في استعادة الوحدة ، فقد كانت هذه الطروحات تستهوي النخبة المتعلمة والمتنورة ، وكذلك الممزقة ثيابهم ، وبالمقابل حفزت الرجعيين والإقطاعيين والظلاميين على التكتل لمناهضة الحزب .
•- في إحدى الجولات الصدامية هاجم أزلام الإقطاع والرجعيين في حماه أكرم الحوراني واعتدوا عليه بالضرب المبرح في ساحة العاصي حتى غاب عن الوعي ، وحملوه إلى منزله وهو مغشياً عليه ولما استعاد وعيه وفتح عينيه قال كلمته المشهورة " كل هذا بيهون من أجلك يا أنطون " وعمت هذه المقولة في حماه .
•- يذكر الأمين عبد الله قبرصي أنه كان في حماه بشهر آب 1939 بعد مغادرة سعادة الوطن ، كان يتابع دعوى ضد عبد الكريم رستم واستعان بأكرم الحوراني ، وكانت ملاحظة الأمين قبرصي أن أكرم الحوراني كان فاتراً تجاه الحزب رغم إيمانه بالنهضة لأنه كان يائساً من إمكان القضاء على الرجعية في حماه ، راح الرفيقان يتنزهان في عربة خيل ( حنتور ) على ضفاف العاصي ، وتلوح لهما من خلال الماء والبساتين الأضواء الساطعة من قصور آل العظم والبرازي ، فقال أكرم الحوراني للقبرصي : " سنهدم يوماً هذه القصور " وتابع سأنشئ جمعية أو حزباً من قلب حماه ، ومن شباب حماه ، وسأعمل لأصل إلى مركز قيادي ، وتابع أقسم لك أني حالما أصل سأعود إلى صفوف الحزب وأسخر كل نفوذي وما أكون قد كسبت وأنجزت لصالح القضية ،. . لكنه ويا للأسف عندما وصل لم يبر بقسمه وتناسى " القضية " .
•- في تلك الفترة تألف حزب الشباب ، وتضمنت مبادئه الكثير من المبادئ الإصلاحية في الحزب السوري القومي الاجتماعي ، كان هذا الحزب معروفاً في حماه بأنه حزب أكرم الحوراني . . !
•- من هذا الحزب برز أكرم الحوراني مرشحاً في انتخابات عام 1943 ونجح في الوصول إلى البرلمان الشامي بدعم فلاحي ريف حماه والقوى البرجوازية الصغيرة ضمن مدينة معادية للإقطاع ، واتخذ في المجلس خطاً تقدمياً مسانداً للفلاحين والعمال.
•- أصدر أكرم الحوراني من عام 1943 -1948 جريدة اليقظة ، وكان الرفيق علي حبيب الخش من مصياف - رئيساً للتحرير ، وكنت مراسلاً لها في اللاذقية ، وقد كانت مدعومة من الحزب السوري القومي الاجتماعي .
•- قبل عودة الزعيم سعادة إلى الوطن كتب الكثير من الرسائل إلى القادة والأعضاء النشيطين المبرزين في الحزب منها : إلى نعمة ثابت ، وأكرم الحوراني ، وغسان تويني ، وأسد الأشقر وجبران جريج وغيرهم ، وقد كتب إلى أكرم الحوراني منفذ عام حماه في 21 أيلول 1946 الرسالة التالية :
أيها الرفيق العزيز
كان سروري بخبر انتخابك الشعبي في حماه للنيابة عظيماً ، لأني كنت موقناً من أن نفسك الكبيرة التي دفعتك في تلك الأيام المليئة بالمحن إلى اعتناق العقيدة السورية القومية الاجتماعية ، والانتظام في صفوف الحركة السورية القومية الاجتماعية، والجهاد في سبيلها والدفاع عنها والجهر بالحقيقة الكبرى التي تعلمناها ، ستحمل عقيدتها وإيمانها إلى المجلس النيابي وتؤثر فيه وتسعى من ضمنه إلى تطبيق تعاليم نهضتنا لإنقاذ الأمة من البلبلة والفوضى .
لم يخب تفاؤلي ، فقد قرأت مشروع القانون السوري القومي الاجتماعي الجليل الذي تقدمت به إلى المجلس النيابي الشامي وأقره بالإجماع ، وهو قانون قمع التحزبات والفتن الدينية العمياء والخيانة والجاسوسية لمصلحة الإدارات الأجنبية ، وسررت كثيراً به وقد أردت أن أوصل إليك تهنئتي بتفكيرك وتقديري لمناقبك القومية وشكري إلى عملك . . . الخ .
في العام الدراسي 1947 سكنت في دمشق بشقة في حي الحبوبي مع الرفيق علي الخش والمرحوم الدكتور يوسف أبو عبد الله والمحامي محمد خونده ،( كلاهما كان طالباً ) وكان الرفيق أكرم الحوراني يتردد على الشقة ليستريح فيها بعيداً عن المراجعين ويخاطبني بكلمة رفيق ، وأبادله نفس العبارة ، وبالطبع كان تردده المستمر على زيارتنا علاقته المباشرة مع رئيس تحرير جريدة اليقظة الأستاذ على الخش .
على أثر عودة الزعيم من مغتربه القسري إلى الوطن في 2 آذار 1947 التقيت في دمشق بالرفيق المحامي ( القاضي لاحقاً) عبد العزيز أرناؤوط منفذ عام اللاذقية فكلفني أن أطلب من الرفيق علي الخش أن يسأل أكرم الحوراني : لماذا جميع الصحف في الوطن وعبر الوطن كتبت عن عودة الزعيم إلا جريدة اليقظة ، فإنها لم تكتب شيئاً وهي محسوبة على الحزب . ؟.
في اليوم التالي جاءني الرفيق علي الخش وقد استشاط غضباً وأخذ يشتم أكرم الحوراني قائلاً بأن جوابه كان كما يلي : " لا يزال رفقاؤنا ضيقي الأفق السياسي ، أيريدون أن أخسر نيابتي في حماه من أجل أن أكتب بجريدة اليقظة ما يثير الرجعية في حماه . . ! "
بناء على طلب منفذ عام اللاذقية قدمت تقريراً خطياً بالواقعة عن طريقه ، رفعه إلى الزعيم في حينه .
وأما عن زيارة الزعيم سعادة إلى حماه ، يقول الرفيق علي المير :
بتاريخ 14-11-1948 بدأ الزعيم سعادة زيارة إلى حمص ، وفي أواخر تشرين الثاني زار مدينة حماه ومكث فيها ثلاثة أيام ، وبصفتي مسؤولاً عن منطقة مصياف فقد كنت أرافقه كظله في تلك المدة ، استضافته مديرية حماه المستقلة في فندق ( أبي الفداء ) فكنت أنام في غرفة ملاصقة لغرفة الزعيم في نفس الفندق ، جدير بالذكر أن هذا الفندق الكبير أصبح مكاتب لفرع حزب البعث العربي الاشتراكي ، وتغيرت الكثير من معالمه ) .
كان يرافق الزعيم في جولته تلك عميد الداخلية المرحوم الأمين الياس جرجي قنيزح ، وكان يقود سيارته الرفيق نجيب بولص .
ألقى الزعيم عدداً من المحاضرات ، وكان يستقبل السياسيين والشباب التائق إلى المعرفة ، وكانت المحاضرات والحوارات تتم في بيت المرحوم رشيد بطرش والد الرفيق إسماعيل بطرش الذي كان آنذاك طالباً في الثانوية العامة - ثانوية أبي الفداء - اليوم هو متقاعد بعد أن أمضى عمره في التدريس وقد تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت - درّس اللغة الانكليزية في مدارس ومعاهد وكليات مدينة حماه .
في إحدى اللقاءات والمحاضرات التي كان يلقيها المعلم سعادة ، حضرت مجموعة من مشايخ حماه وحاوروا الزعيم ، وجرت مناقشات حول فكر سعادة ، كانت أجوبته مفعمة ومقنعة ، مستشهداً بآيات من القرآن الكريم ، أعجبوا بسعة علمه وقوة حجته ، وإجاباته السديدة المدعمة بالوقائع والشواهد وقد دام النقاش حتى صلاة الصبح ، كان بينهم شيخ شاب خريج جامعة الأزهر ، أُعجب بالزعيم وأفكاره وطروحاته فقال : " نحن فهمنا أفكارك وطروحاتك للعروبة الواقعية ، فما رأيكم لو طرحتم هذه العروبة بالشكل الدارج . . " أمة عربية واحدة " ، أجابه المعلم بلهجته الشويرية قائلاً : ما رأيكم لو ألقيت خطاباً في ساحة العاصي منادياً بالعروبة التي أشرتم إليها .؟.
أجابه الشيخ خريج الأزهر بحماس المشايخ قائلاً : " والله لقلنا أنك هتلر العرب "
هنا قال معلم الأجيال : كي لا تقولوا عني هتلر العرب ، لن أغير عقيدتي وعلمي ، ولن أحيد قيد شعرة عن قول الحقيقة .
لا تزال هذه الإجابة محفورة بعقلي وذاكرتي حتى الآن .
بقي الزعيم ثلاثة أيام في حماه أمضاها في العمل وإلقاء المحاضرات والاتصالات السياسية والحزبية مع مرافقيه ، عميد الداخلية الأمين قنيزح والرفيق نجيب بولص ، ثم غادر إلى حلب استكمالاً لجولاته على فروع الحزب في الشام ، وبعد مغادرته حماه ، اتصلت بعض الفعاليات الحموية بالحزب طالبة إلقاء محاضرة على مستوى المدينة ، وبعد أن تم الاتصال بالزعيم وإعلامه برغبة فعاليات حماه ، قطع زيارته إلى حلب وعاد إلى حماه وألقى محاضرة في صالة سينمات روكسي التي غصت على اتساعها بالحضور ، وبعضه وقوفاً ، وفي اليوم التالي كانت هذه المحاضرة حديث أهل حماه على كافة الأصعدة .
أقام الرفيق عصمت سروري البارودي - مدير مديرية حماه المستقلة ( أصبحت فيما بعد منفذية ) في داره مأدبة غداء للزعيم ومرافقيه ، وقد اقتصر الحضور إلى جانبهم على الرفيق ابراهيم شوقي العظم وشاعر حماه الكبير الدكتور وجيه البارودي الذي كان منتمياً للحزب وعلى معرفة سابقة بالزعيم ، وقال له : يا حضرة الزعيم أنت لا تزال محافظاً على حيويتك ونضارتك ، وأنا الطبيب أتساءل كيف .؟. أجابه الزعيم : أنا أمارس الرياضة يومياً .
لما علم الزعيم أنني من مصياف ، أخذ يحدثنا عن معالمها وتاريخها ، ووعد بزيارتها صيف 1949 ، لتفقد الرفقاء وزيارة قلعتها والاطلاع على سورها المنيع الذي كان محافظاً على وضعه في ذاك الوقت ، ومن جملة المأكولات التي كانت على المائدة مادة الزعتر ، أعجب الزعيم بنكهته وسأل عن مصدره فأجابه الرفيق عصمت البارودي أنه زعتر جبلي من منطقة مصياف .
أشاد الزعيم بفوائد الزعتر ، فوعدته بأن أحضر له كمية عند نضوجه في فصل الربيع وسأوافيه بها ، وبالفعل جهزت كمية كبيرة من الزعتر الجبلي في موسم قطافه على أن أوصلها بنفسي إلى زعيمي ، . . لكن ويا للحرقة ، ويا للجرح العميق الذي أدمى قلبي إلى الأبد ، لم أتمكن من الإيفاء بالوعد ولم أتمكن من استقباله في دارنا في مصياف ، لأن زعيمي المفدى ، الفادي قد رحل عنا تاركاً جرحاً عميقاً في العقل وفي القلب ، لم يندمل ولن يندمل .
أذكر أنه عندما كان الزعيم يتجول في الأماكن العامة ، في حماه ، كنت أرافقه وأتعمد الوقوف أمامه كدرع واق فيما إذا تعرض لمحاولة اغتيال بحيث أتلقى الرصاص بدلاً عنه ، كان تصرفي بدافع معرفتي أن حياتي لا تساوي شيئاً مقابل حياة باعث نهضة الأمة وأمل الأجيال الصاعدة ، والأجيال التي لم تولد بعد ، وكان أيضاً بدافع ذاتي ودون أن يعلم نيتي .
|