عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

أضواء على شخصية وسيرة أنطون سعاده بقلم د.يوسف مروة 5/9 طباعة ارسال لصديق
الأربعاء, 01 آب 2007
في الذكرى المئوية لولادة أنطون سعاده ( 1904-2004)أضواء على شخصية وسيرة مؤسس أول حركة فكرية قومية ثوريةفي العالم العربي خلال القرن العشرين  ( 5) إعداد: د.يوسف مروّة والجدير بالذكر أن سعاده، خلال الحرب العالمية الثانية، قد شدّد على الإستقلالية الفكرية والعقائدية والسياسية للحزب السوري القومي الإجتماعي، بحيث أصبح رائداً في سياسة عدم الإنحياز، لأنه في تقييمه للإستعمار لم يميز بين دوله وأنظمته. فقد أعلن بصراحة أن سياسة الحزب لا تخضع إلاّ للمبدأ الأساسي الثالث من مبادئه الأساسية، وهو المبدأ القائل: " مصلحة سورية فوق كل مصلحة".وقد أعلن بصراحة تامة أنه ليس مع الفاشية ولا النازية ولا الديمقراطية الغربية ( فرنسة وبريطانية والولايات المتحدة) ولا الشيوعية ولا البلشفية، ( 41) . ولذلك بقي القوميون الإجتماعيون إبان الحرب العالمية الثانية في السجون حتى بعد تسلم الجنرال دنيتز مقاليد الأمور في سوريا ولبنان ووجود البعثة الألمانية المشرفة على سلطات فيشي في بيروت. وكانت محاكم الإستعمار الفرنسي قد أصدرت إبان الحرب العالمية الثانية أحكامها بالسجن على قيادات الحزب وعدد من أعضائه. وتراوحت الأحكام بين العشرة والعشرين سنة ومثلها بالنفي، وقد نال سعاده غيابياً أقسى هذه الأحكام، عشرين سنة سجناً وعشرين سنة نفياً. (42) . والمعروف أن السوريين القوميين قد خاضوا معركة إستقلال لبنان خلال شهر تشرين الثاني ( نوفمبر) 1943 ودعموا حكومة الإستقلال الأولى التي شُكلت في بشامون. وقامت الميليشيا السورية القومية الإجتماعية بمساعدة ومساندة حكومة الإستقلال والدفاع عنها. ووقف القوميون الإجتماعيون بصدورهم وسلاحهم في وجه المصفحات والدبابات الفرنسية التي زحفت إلى بشامون، فخاضوا معارك البطولة ضد الفرنسيين في عين عنوب وسرحمول، وخرّ البطل القومي الإجتماعي الشهيد سعيد فخر الدين شهيداً في سبيل إستقلال لبنان. في مطلع عام 1946 بدأ سعاده يخطط عملياً للعودة إلى الوطن( موعدها ـ كيفيتها ـ موقف أعداء الحزب منها ـ موقف حكومات الكيانات السورية منها ـ الخ..) (43) . وفي أول أيلول ( سبتمبر) 1946 زار مدينة خوخوي للمرة الثانية بدعوة من الوحدة الحزبية هناك، ومكث فيها عدة أيام ثم رجع إلى توكومان، حيث بدأ بتصفية أعماله التجارية إستعداداً للعودة إلى الوطن. وأقامت الجالية السورية في توكومان حفلة عشاء وداعية على شرفه مساء يوم 30 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1946. وغادر المدينة نهائياً إلى بوانس إيرس يوم 14 كانون أول ( ديسمبر) حيث ألقى محاضرة حول النهضة السورية الجديدة وأهدافها العملية بناء على دعوة من الجمعية السورية الثقافية، ثم زار مدينة قرطبة للمرة الأخيرة في 26 كانون أول بدعوة من المعهد الثقافي الأرجنتيني ـ العربي حيث ألقى محاضرة في جمع كبير من أبناء الجاليات السورية والعربية. وبقي في قرطبة مدة أسبوعين حيث أُقيمت على شرفه عدة حفلات وداعية. وإنصرف سعاده خلال أوقات فراغه في العام 1946 إلى دراسة الفلاسفة المعاصرين، فلاسفة القرن العشرين، وميزة فلسفات أولئك الفلاسفة أنها نزعت نحو التحليل المنطقي والرياضي. ولذلك أصبحت ميزة الفلسفة في هذا العصر أنها " تحليلية"، وأصبحت عملية " التحليل" هذه طابع عصرنا الفلسفي الحاضر. ودرس سعاده الفلاسفة: جورج مور وبنديتو كروتشة وجورج سانتايانا ونيقولا بردييف وهنري برغسون وألفرد نورث هوايتهد وجون ديوي وبرتراند راسل ورودولف كارناب ولودفيغ وتغنشتاين دراسة موضوعية تحليلية . ( 20) وصل سعاده إلى بوانس ايرس قادماً من قرطبة في 10 كانون الثاني ( يناير) 1947. وفي نفس اليوم وجه رسالته الثانية إلى القوميين الإجتماعيين التي جاء فيها : آمنت بكم أمّة مثالية معلّمة وهادية للأمم، وبنّاءة للمجتمع الإنساني الجديد، قائدة لقوات التجدد الإنساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحييّة وضيائها المنير إلى الأمم جميعها، داعية الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده، وعقيدة تفسيره من الجهة الأخرى بالمبدأ المادي وحده. والإقلاع عن إعتبار العالم، ضرورة، عالم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، والى التسليم معنا بأن أساس الإرتقاء الإنساني هو أساس روحي مادي ( مدرحي). وأن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها. إن العالم الذي أدرك الآن بعد الحرب العالمية الأخيرة مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية ـ الفلسفات الأنانية التي تريد أن تحيا بالتخريب. أعني فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة، التي إنتهت في الأخير بالإتحاد مع ضدها المادية الرأسمالية بقصد نفي الروح والسيطرة المطلقة على أمم العالم وشؤونها. هذا العالم يحتاج اليوم إلى فلسفة جديدة تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها. وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج إليها العالم ـ فلسفة التفاعل الموحد الجامع لقوى الإنسانية ـ هي الفلسفة التي تقدمها نهضتكم "  ( 44)  وغادر سعاده بوانس ايرس إلى سان باولو ( البرازيل) في 7 شباط ( فبراير) 1947، وفي 21 منه غادر سان باولو إلى لندن ( إنكلترا) بالطائرة في طريق العودة إلى الوطن. الملاحظ أن وجود سعاده في المغتربات الأميركية كان له أثره الكبير في تنظيم وحدات حزبية قومية إجتماعية رائدة وفي شحن المغتربات الأميركية بالفكر القومي الإجتماعي الجديد، وبلغت رسائله إلى المغتربين من رجالات الحزب وأصدقائهم المئات وقد جمع عدد منها في أجزاء من آثاره الكاملة وفيها مناقشات وتوجيهات وتحليلات فكرية وتنظيمية وأدبية ومناقبية وفلسفية وسياسية. وكانت الجمعيات الثقافية والنوادي الأدبية والعلمية في الأرجنتين تدعوه لإلقاء المحاضرات وإدارة الندوات والمناقشات الفكرية كالنوادي الثقافية الإيطالية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإسكندنافية والأميركانية المتواجدة في مدن بوانس ايرس وقرطبة وتوكومان وبرغمينو وافيلانيدا ومندوزا وخوخوي وخونين وسواها, ودُعي مرة لإلقاء محاضرة علمية في نادي الأمّة الأرجنتينية، وقد أعجب يومها الشاعر الأرجنتيني الكبير ماريو برافو ( MARIO BRAVO)  ببلاغة سعاده وسِعة إطلاعه ومعرفته، فوصفه بأنه فيلسوف ناضج وعالم نابغ. ( 45)  وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وإنهيار العقائد والأنظمة العالمية وتصادمها كان سعاده يطلّ على عالم الغد بنظرة جديدة غير النظرة المادية الأحادية وخلاف النظرة الروحية الأحادية. وقد وصف نظرته الجديدة بالمدرحية الوحدانية أو المادية ـ الروحية، وهي ـ كما مرّ معنا ـ نظرة فلسفية جديدة إلى الإنسان والإجتماع والتاريخ، لا علاقة لها بالماورائيات التي أكدّ الحزب على إحترامه للمعتقدات الدينية الماورائية التي يؤمن بها الأعضاء داخل الحزب وأفراد المجتمع خارج نطاق الحزب. ( 46) كان سعاده أثناء وجوده في بوانيس ايرس قد إطلع على مؤلفات الفيلسوف الإسباني المعاصر ميكال دي اونامونو  ( DE UNAMUNO)  . كما أنه قابل شخصياً الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا ياغاسيت  ( Y GASSET)  عام 1940 في جامعة قرطبة. وكان ياغاسيت يومئذ مبعداً عن بلده لأسباب سياسية فكرية. وجرت المقابلة التي دامت حوالي نصف ساعة بعد محاضرة ألقاها ياغاسيت في دائرة الفلسفة في جامعة قرطبة في كانون أول 1940، وكان سعاده من المدعوين لسماع المحاضرة، وناقشه في موضوع حرية الإنسان والإرادة الحرة وحدودها الإنسانية والإجتماعية ( 47) . وحضر سعاده بعض الندوات الفلسفية التي كانت تعقد في معاهد الفلسفة في جامعات بوانس ايرس وقرطبة وتوكومان. كما أنه حضر بعض ندوات معهد الفلسفة في المركز الجامعي في مدينة ماندوزا. وقد أثار بعض المسائل الفلسفية الهامة مع الأساتذة : برنار دو بازا ولاديسلاو بودا وهيلدا دي بالدريش ولويز شاكون.( 48 ـ 49ـ 50ـ 51) وذكرت مجلة PHILOSOPHIA  التي يصدرها معهد الفلسفة في ماندوزا بعض أخبار تلك اللقاءات . ( 52) . وكان سعاده في الأرجنتين على إتصال مع كبار المفكرين والأدباء أمثال الكاتب الوجودي ادواردو مالييا ( MALLEA)  والمؤلف خورجيه لويز بورغز  ( BORGES)  والرسام الواقعي بنيتو كونتيلا مارتن ( MARTIN )  والرسام السوريالي اميليو بنيتو روتي ( RUTI)  والموسيقار الكبير واضع الأوبرات الحديثة البرتو جيناستيرا ( GINASTERA)  وغيرهم، وكان يداوم على حضور المعارض الفنية والندوات الشعرية والإستماع إلى الالحان الموسيقية الكلاسيكية والسنفونيات العالمية. وبإختصار كان سعاده أثناء إغترابه القسري في البرازيل والأرجنتين يتابع يومياً الأخبار الثقافية والعلمية عن طريق الصحافة والمجلات الفكرية وكان على إتصال وثيق بكل الأحداث الفكرية والثقافية التي تجري في العالم، وكان يستغل كل زيارة يقوم بها إلى المدن البرازيلية والأرجنتينية من أجل المشاركة والمساهمة في ندوات فكرية وفلسفية مختلفة تُعقد في معاهد وجامعات تلك المدن . ـ يتبع ـ
 
< السابق   التالى >