الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
وفاة خائن جاسوس طباعة ارسال لصديق
الاثنين, 03 تشرين الثاني 2008
za3im_1.jpg  

بين الأخبار الواردة من الوطن في الثلاثة الأشهر الأخيرة خبر وصل الى الأرجنتين بواسطة بعض الصحف السورية في أميركانية ومحصله ان المدعو الشيخ عزيز الهاشم قد مات بسبب مرض أصابه. وقد وصفه مراسل الضلال التي تسمى "الهدى" كما يأتي:

"كان رجلاً دمث الأخلاق، لطيف المعشر، كريم المحتد، واسع الثقافة، عمل في القضاء مدة فكان القاضي النزيه ثم تعاطى المحاماة فكان فيها قديراً وأدلى بدلوه في السياسة فجاهد في سبيل ما كان يعتقده حقاً في مصلحة البلاد".

ليس هذا الوصف الزخرفي متناولاً شيئاً من المسائل العمومية التي تدخل فيها الموصوف وأظهر تدخله نوع أخلاقه ونياته وشخصيته والرجل يستحق أكثر من هذه الكلمات الاحبارية القليلة واننا نفيه حقه. فهو قد مثل دوراً في شؤون سورية السياسية يجب أن لا يذهب بدون مغزى وعبرة.

درس عزيز الهاشم المحاماة في المدارس الفرنسية. ويترجح عندنا أنه زار فرنسة غير مرة. وألف كتاباً في الفرنسية بحث فيه مسألة الانتداب على سورية وظهر فيه بمظهر الوطني المدافع عن حقوق البلاد. عيّن قاضياً في لبنان ثم عزل. ثم أخذ يظهر على مرسح السياسة بشكل "مجاهد" استقلالي وعدو للسيادة الأجنبية. فكان من مؤسسي حزب نشأ في بيروت وسمى "حزب الاستقلال الجمهوري" وترأس هذا الحزب كل المدة التي عاشها. وظل هذا شأنه أمام الناس حتى اتصل بالحزب السوري القومي الاجتماعي سنة 1935 فكان بذلك انفضاح امره. وقد لعب دوراً هاماً في بعض القضايا التي اثيرت حول هذا الحزب القومي الدقيق النظام.

كان اتصال هذا الهاشم بالحزب السوري القومي بواسطة المدعو روفائيل ابو جودة والمدعو جان سرور اللذين كانا شريكين له في "حزب الاستقلال الجمهوري" وفي مسائل أخرى. وأمر هذا الاتصال ذو سلسلة روائية من المفيد سرد وقائعها بالاختصار.

في أوائل سنة 1935 كان الزعيم قد بدأ جهاز الاستخبارات في الحزب السوري القومي الاجتماعي فابتدأ عدد من القوميين الاجتماعيين يمارسون الاستخبارات بشكل أولي لا فعالية كبيرة له. ولكن بعض المراقبين اظهروا ذكاء شديداً ووصلوا الى معلومات هامة أوصلوها بكل أمانة الى المراجع المختصة التي أدركت أهميتها وأحلتـّها المحل اللائق من العناية. بين هذه المعلومات المفيدة وجدت ملاحظات ذات بال تتعلق بشخص يدعى عزيز الهاشم الملقب بالشيخ.

في هذه الأثناء اتصل بالحزب السوري القومي الاجتماعي رجل يدعى روفائيل ابو جودة. وكان اتصاله بواسطة المدعو جورج حداد الخائن المطرود فيما بعد من الحزب. المعلومات عن هذا الشخص كانت قليلة ولكنها تدعو الى التفكير. فقد بلغ الحزب عنه انه لعب أدواراً مشبوهة في سياسة "جمعية السواقين". فهو ليس سائقاً بالاجرة ولكنه يشتغل في مسائل السيارات وله علاقة مع ملاكي السيارات الذين هم خصوم السواقين واليه يعزى حبوط بعض مشاريع الاضراب او الاعتصاب وجاء في صدده انه عضو عامل في "حزب الاستقلال الجمهوري" وان له أخاً في دائرة التحري اسمه ادوار ابو جودة. فسمح الزعيم بادخال روفائيل ابو جودة في الحزب وأمر بوضعه تحت المراقبة.

بعد حين رشح روفائيل ابو جودة المدعو جان سرور لدخول الحزب السوري القومي الاجتماعي وابو جودة مدح جان سرور وأفاد عنه بأنه خازن "حزب الاستقلال الجمهوري" ورشح الاثنان المدعو عزيز الهاشم الملقب بالشيخ والمترئس الحزب المذكور لعضوية الحزب القومي الاجتماعي، فقبل، وبعد دخوله ألقى المحامي صلاح اللبكي كلمة ترحيب بالهاشم في اجتماع صغير جرى، على الأرجح، في منزل الرفيق الاستاذ زكي النقاش ناظر مدرسة "كلية المقاصد الخيرية الاسلامية" في بيروت.

بدخول المدعو عزيز الهاشم في الحزب السوري القومي الاجتماعي دخل هذا الحزب أحد عمال استخبارات المفوضية الفرنسية واستخبارات "المكتب الثاني" في أركان حرب "جيش اللونت Levant" الفرنسي وهذا كاد يكون مؤكداً في مكتب استخبارات الحزب القومي الاجتماعي فلم يكن الهاشم مجهول الصفة حين دخوله في هذا الحزب.

ابتدأ عزيز الهاشم يشتغل للجاسوسية الفرنسية ضمن الحزب القومي الاجتماعي منذ بدء دخوله ولكنه كان يشتغل من وراء الستار بواسطة شريكيه روفائيل ابو جودة وجان سرور. على ان حركات هؤلاء الثلاثة كانت تحت مراقبة دقيقة. وقد ظن كثيرون ان عزيز الهاشم هو الذي تمكن من اعطاء التفاصيل التي أدت الى القبض على الزعيم وأركان ادارته في 16 نوفمبر 1935. ولكن دوائر الحزب العليا لم تؤيد هذه الاشاعة لأن الخائن الذي فعل ذلك قد صار معروفاً في الدوائر المشار اليها واسمه لا يزال مكتوماً.

بيد أن عزيز الهاشم لم ينجح في مهمته الأولى لأن خائناً آخر سبقه اليها تحول بكليته الى المهمة الثانية التي نجح فيها في "حزب الاستقلال الجمهوري" الذي انشىء لبلبلة الأذهان وقتل حيوية الشباب. هذه المهمة الثانية هي: افساد الصفوف القومية الاجتماعية وسحق معنويات الحزب القومي الاجتماعي بالدسائس والاشاعات. فحاول ان يدخل ادارة هذا الحزب العليا بعد اعتقال الزعيم وأعضاء مجلس العمد، منتهزاً فرصة التضعضع الاداري الذي عقب الاعتقالات. ولكنه أخفق. حينئذ رتب منهاج اشاعات لتسميم الرأي العام ضد الحزب فانتظر خروج الزعيم من السجن لينشر في جريدة "المساء" لصاحبها المضروب عارف الغريب "تصريحات" عن "علاقة الحزب السوري القومي الاجتماعي بايطالية وتسلم الزعيم أموالاً من هذه الدولة".

كاد عزيز الهاشم ينجح في هذا المشروع. فقد أحدثت "تصريحاته" ضجة قوية في أوساط الشعب وأوجدت الشك في عدد من ضعفاء الايمان المنضمين حديثاً الى الحزب القومي الاجتماعي. فانحدر من زحلة نفر فيه سعيد عقل الشاعر والمدعو يوسف البحمدوني وغيرهما، وجاؤوا دار الزعيم في رأس بيروت لسؤاله عن صحة ما يدعيه عزيز الهاشم. فأعطى الزعيم القادمين الايضاحات التي وجدها لازمة فلم يكتف هذا "الوفد" وسأل أعضاؤه الزعيم اجراء مقابلة مع عزيز الهاشم.

كان ذلك صدمة مُرة للزعيم وللايمان القومي الاجتماعي ولمبدأ الثقة الذي هو من أهم عوامل قوة الحزب. ولكن الزعيم قبل اقتراح هؤلاء الأشخاص مبدئياً وكلفهم الاجتماع بصلاح لبكي للتداول في الأمر. وقد ظن الزعيم ان صلاح اللبكي الذي ولاّه نيابته أثناء سجنه يعرف كيف يصون حرمة الزعامة ويؤيد روح الثقة ويردع المشككين عن العمل المنحط عن مستوى المناقب القومية الاجتماعية وعاد الأشخاص في اليوم التالي يخبرون الزعيم انهم قابلوا صلاح اللبكي واتفقوا على اجراء المقابلة بين الزعيم وعزيز الهاشم. وكان الصواب أن يطلبوا محاكمة الهاشم ليأتي بالبينة على ما يدعي ونظراً لضعف الثقة الموروث من تاريخ ماض مشوب رأى الزعيم كظم ما في نفسه وقبل باجراء المقابلة في فندق على ساحة البرج. وتم الموعد مع الزعيم ومع عزيز الهاشم. وفي الموعد المعين توجه الزعيم يصحبه صلاح اللبكي وسعيد عقل وواحد او أثنين اخران من القوميين الاجتماعيين. ولكن عزيز الهاشم لم يطل. ومضى ربع ساعة عن الموعد المضروب وذاك الهاشم متوار عن الأنظار. فطلب سعيد عقل السماح بالذهاب الى بيته لجلبه فسمح له. وبعد نحو عشرين دقيقة أو أكثر عاد سعيد عقل يقول ان عزيز الهاشم ليس في بيته، وأنه ترك خبراً بأنه "انشغل" فلم يستطع القيام بالموعد!

بعد عودة الزعيم الى منزله في رأس بيروت انصرف سعيد عقل ومن جاء معه وصلاح لبكي لوضع بيان بما حدث ليذاع في الصحف. وقد وضع البيان ووقعه سعيد عقل وصلاح لبكي ومن حضر وأثبت فيه تهرب عزيز الهاشم من الموقف. على أن الزعيم أوقف ارساله الى الصحف لأنه شهادة بضعف ايمان بعض القوميين الاجتماعيين ويدل على امكان زعزعة الصفوف القومية الاجتماعية بالاشاعات الملفقة والدسائس السياسية.

لم يقف أمر عزيز الهاشم عند هذا الحد. ففي الاعتقالات الثانية التي تعرض لها الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكانت من قبل حكومة "جمهورية لبنان"، تقدم المدعو عزيز الهاشم للشهادة أمام قاضي التحقيق الاستاذ حسن قبلان عن علاقة الحزب بايطالية وعمله لمصلحتها. فأدعى امام القاضي المذكور أن الزعيم استدعاه فيمن استدعى من المحامين الذين تقدموا للدفاع ليطلب منه تبليغ النحات المعروف يوسف الحويك "سلامة الأوراق" السرية وأن ينقل ذلك الى قنصل ايطالية. وادعى أنه قابل يوسف الحويك قبل الذهاب الى السجن بدعوة الزعيم وسأله هل له من شيء يوصي به الى الزعيم. فكلفه حمل كتاب اليه وأن يسأله عما يحتاج اليه من مال. وقال انه بلغ الزعيم سؤال يوسف الحويك وان الزعيم طلب "عشرين ليرة سورية" فنقل الهاشم هذا الطلب الى يوسف الحويك. بناء على هذه الشهادة استدعى المستنطق الزعيم من السجن وأجرى مقابلة قضائية بينه وبين الهاشم. وبعد تلاوة شهادة عزيز الهاشم سأل القاضي الزعيم جوابه عليها. فأدلى الزعيم بمعلوماته، ومفادها ان عزيز الهاشم كان ينتظر مساعدة مالية من الحزب السوري القومي الاجتماعي لإسم "حزب الاستقلال الجمهوري" والمساعدة خمسون ليرة سورية لدفع اجار مركز الحزب المذكور ونظراً لقلق الزعيم على الحركة القومية الاجتماعية من دسائس عزيز الهاشم استقدمه الى السجن بصفة محام عنه ليعلم نياته ويبطل مساعدته بالتوجيهات التي يعطيه اياها والتعليمات التي يلقيها اليه. فكان أول امر أتاه عزيز الهاشم عند مقابلة الزعيم في السجن أنه طلب اليه اصدار امره بدفع المبلغ الموعود "لحزب الاستقلال الجمهوري فأنكر الزعيم هذا الطلب الغريب في هذه الظروف العصيبة التي يجتازها الحزب السوري القومي الاجتماعي وقال انه لا يرى ظروف الحزب تساعده على تقديم المبلغ لعزيز الهاشم. وكان في نية الزعيم استبقاء "حزب الاستقلال الجمهوري" ومركزه وادخال عدد من القوميين الاجتماعيين فيه سراً لأغراض سياسية معينة فما كان من عزيز الهاشم، تجاه رفض الزعيم في مطاليبه، الا أن أخذ ينتقد ادارة الحزب القومي الاجتماعي القائمة بالعمل في تلك الظروف ويوجه اليها اللوم. وأخذ يحسن الزعيم اسناد الادارة الى شريك الهاشم ومعاونه جان سرور. فأشار الزعيم الى "رضاه" عن جان سرور ولكنه أظهر حداثة عهد في الحزب وعدم خبرته الادارية ووعد بالنظر في تقدمه في المستقبل.

حينئذ وضع الهاشم أمام الزعيم مؤلفاً بالفرنسية وموضوعه الاستعمار في أفريقية والنزاع الأوروبي عليه وقال أن يوسف الحويك كلفه ايصال هذا الكتاب الى الزعيم ليتسلى به في السجن. وزاد ان الحويك كلفه سؤال الزعيم إذا كان يقدر أن يخدمه بشيء وإذا كان يحتاج لمساعة مالية. فأجاب الزعيم انه يشكر للفنان حويك اهتمامه بأمره وذكر ان عليه ديناً قد يبلغ عشرين ليرة سورية ولكنه سيفيها بدون ازعاج اصدقائه. ونهض الزعيم على اثر هذا الجواب وودع الهاشم ودخل الى محبسه وانصرف الهاشم.

دوّن القاضي جواب الزعيم المتقدم على افادة الهاشم المنكرة وسأل عزيز الهاشم هل صحيح أنه كان في نية الزعيم مساعدة "حزب الاستقلال الجمهوري" بمبلغ خمسين ليرة سورية فأجاب بالإيجاب ولم يحاول انكار انه طلب هذا المبلغ في السجن. فسأله القاضي ماذا كان جواب الحويك فأجاب الهاشم ان الحويك قال له "سأرى اذا كان يمكن تدبير هذا المبلغ". هنا أسرع الزعيم ليقول هل هذا كان جواب الحويك ام ما أدعاه الهاشم قبل، أن الحويك أكد له ان المبلغ سيصل. فصحح الهاشم قائلاً ان الحويك أكد ايصال المبلغ. فسأله القاضي هل أوصل الحويك المبلغ الى الزعيم فقال انه لا يعلم.

بهذه الأسئلة وأمثالها تبين للقاضي كذب الهاشم وقال الزعيم ان جواب الهاشم الأول عما قاله له الحويك كان أقوى شهادة ضد الهاشم لأن من يقول "سأرى اذا كان يمكن تدبير المبلغ" لا يكون على اتفاق لايصال مبالغ مالية. ولكن تصحيح الهاشم لم يفقده كثيراً اذ تبين كذبه بمراجعة كلامه وتبين اختلاقه اذ ان الزعيم الذي يكون مديوناً بعشرين ليرة سورية ليس بالرجل الذي يتسلم اموالاً من دولة أجنبية، وأن العلاقة التي بلغ بسخافة الهاشم ان يحاول ايهام الناس انه يمكن ان تبنى بين زعيم نهضة وحركة سياسية ودولة أجنبية على عشرين ليرة سورية هي علاقة وهمية.

وذكر الزعيم في ما ذكر لقاضي التحقيق ان غير واحد من أصدقائه عرض عليه مساعدة مالية وغيرها ومن جملتهم رئيف أبي اللمع الذي أشرف مدة على حالة الزعيم الصحية وأنه شكر الجميع ولم يقبل مساعدة أحد. فأستدعاه القاضي فشهد ان هذا الكلام صحيح.

بعد ذلك استدعى القاضي شريكيْ الهاشم روفائيل ابو جودة وجان سرور فزادت افادتهما شهادة الهاشم تناقضاً وظهر كذبهما ونفاقهما. فغضب القاضي عليهما غضباً شديداً وصاح بهما "كفاكما ورئيسكما كذباً وخداعاً وشهادة زور قبح الله هذا اللؤم".

هذا كان آخر عهد الحزب السوري القومي الاجتماعي بعزيز الهاشم وزمرته. وكان الحزب القومي الاجتماعي يعلم ان جميع الوقائع الهامة لجلسات ادارة "حزب الاستقلال الجمهوري" الذي كان الهاشم رئيسه كانت تصل في اليوم التالي الى المفوضية الفرنسية بواسطة عزيز الهاشم نفسه. وكان أعضاء ادارة ذلك الحزب يبحثون عن الخائن أو الجاسوس ولا يدرون أنه رئيسهم "الوطني الكبير الشيخ عزيز الهاشم" الذي عزله الفرنسيون من القضاء ذراً لرماد في العيون وليستخدموه في ما هو أفضل لهم من القضاء!

أنطون سعاده

الزوبعة - العدد 52 - 15 /9/ 1942.

 
< السابق   التالى >