عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

أضواء على شخصية وسيرة أنطون سعاده بقلم د.يوسف مروة 2/9 طباعة ارسال لصديق
الأربعاء, 01 آب 2007
في الذكرى المئوية لولادة أنطون سعاده ( 1904-2004)أضواء على شخصية وسيرة مؤسس أول حركة فكرية قومية ثوريةفي العالم العربي خلال القرن العشرين( 2) إعداد: د.يوسف مروّة خرج سعاده من السجن في 12 أيار ( مايو) 1936 وأول عمل قام به بعد وصوله إلى مكان إقامته كان إرسال برقية إلى سماحة الحاج أمين الحسيني بصفته رئيساً للهيئة الفلسطينية العليا وهذا نصّها: " إن أول عمل أقوم به بعد خروجي من السجن هو إرسال تحيتي إلى الشهداء الذين سقطوا في ساحة الصراع مع الصهاينة في سورية الجنوبية " ( 13). وفي أواخر حزيران ( يونيو) 1936 عادت سلطات الإنتداب فإعتقلت سعاده للمرة الثانية، وخرج من السجن الثاني في أوائل تشرين الثاني ( نوفمبر) 1936. ووضع أثناء فترة سجنه الثاني كُتيّب شرح مبادىء الحزب السوري القومي، وفي شرحه للمبدأ الأساسي السابع أعلن" إن في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم " ( 14). وكان سعاده قد أصدر تعليماته، قبيل دخول السجن للمرة الثانية، إلى الوحدات الحزبية المنظمة في فلسطين للمشاركة في الثورة الفلسطينية، وكان القائد السوري القومي سعيد العاص في مقدمة القوميين الذين قاتلوا الجيش البريطاني ببسالة في عدد من المواقع في الجليل الأعلى، وقد إستشهد البطل سعيد العاص في 7 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1936 في المعركة وهو يقود فرقة قومية إجتماعية من رفقاء لبنان والشام وفلسطين. وأعاد سعاده تصنيف دستور الحزب وقوانينه في 20 كانون الثاني ( يناير) 1937 وإعتقل للمرة الثالثة في أوائل آذار ( مارس) 1937. ووضع كتاب " نشوء الأمّة السورية" في هذه الفترة، لكن سلطات الإنتداب الفرنسي صادرت أوراق هذا الكتاب ولم تعدها إليه، وهي لا زالت مفقودة حتى الآن. خرج سعاده من السجن الثالث في 15 ايار ( مايو) 1937، وأول عمل قام به كان التنديد بسياسة سلخ لواء الإسكندرون عن سورية، ودعا إلى الدفاع عنها بجيش سوري. ووجّه في 14 تموز ( يوليو) 1937 مذكرته بإسم الحزب إلى عصبة الأمم رداً على تقرير بعثة اللورد بيل رافضاً تقسيم فلسطين ومحذراً من خطر قيام كيان صهيوني على جزء منها. وكانت من أولى المذكرات الحقوقية القومية في الدفاع عن فلسطين( وعلى نصوص مبادئها وضع فارس الخوري، مندوب سورية في الأمم المتحدة، مذكرته في دحض الإدعائات الصهيونية عام 1947). وبعدها أسس سعاده جريدة " النهضة" في بيروت، وصدر العدد الأول منها بتاريخ 14 تشرين الأول ( أكتوبر) 1937 ( 15). بعد صدور " النهضة" بفترة قصيرة( حوالي منتصف تشرين الثاني ( نوفمبر) 1937) أسس سعاده " الندوة الثقافية في بيروت. وهدفها نقل الفكر السوري من السطحيات ومسائل الإدراك العادي إلى الأساسيات وقضايا العقل العلمي والفلسفي، وعيّن سعاده زكي النقاش رئيساً للندوة وفؤاد سليمان ناموساً لها، وكان من أعضاء الندوة المشتركين: يوسف صوراتي ومنير تقي الدين وعبد الله قبرصي وفخري المعلوف ومنير الحسيني وناجي عيتاني.. الخ, وشكّل سعاده عام 1938 حلقة سرية سمّاها " حلقة الأريعاء" كان يتردد عليها مجموعة من المفكرين ورجال العلم والإختصاص والأعمال والصناعيين من القوميين الإجتماعيين ( 16 ) . وفي أوائل سنة 1938 جرى أول إتصال فكري فلسفي بين سعاده والدكتور شارل مالك، أستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركانية ببيروت. وكان شارل مالك قد حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفرد الأميركانية عام 1935 وقضى فترة عام ونصف في جامعة فرايبورغ الألمانية يتخصص في بعض المواضيع الفلسفية. وفي أوائل آذار ( ماري) 1938 زار بيروت الفيلسوف الأميركاني الدكتور إدغار شيفيلد برايتمان ( 17) أستاذ الفلسفة في جامعة بوسطن، في طريقه إلى الهند لدراسة بعض المستندات الفلسفية والدينية التي يحتاجها في وضع كتابه " فلسفة الدين". وأثناء وجوده في بيروت دعاه الدكتور مالك لإلقاء محاضرة في نادي الأبحاث الفلسقية في الجامعة الأميركانية حضرها بعض أعضاء الندو الثقافية القومية، وإهتم الدكتور مالك بتدبير لقاء بين الدكتور برايتمان وسعاده. وجاء الدكتور مالك يصحبه الدكتور برايتمان بناءً على موعد معين ذات مساء إلى منزل الأمين السابق فخري المعلوف، حيث جرى بعد العشاء بحث فلسفي طويل كان سعاده في جهة والدكتور برايتمان والدكتور مالك في جهة أخرى، وإستمر البحث والحوار بينهم إلى ما بعد منتصف الليل. كان سعاده يقول بضرورة توفر المعرفة لقيام الحقيقة وعدم كفاية الوجود غير العاقل في ذاته لتكوين قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة ـ لدى سعاده ـ قيمة فكرية تحصل في العقل أو الضمير بواسطة المعرفة فقط. وكان الدكتور مالك والدكتور برايتمان يقولان أن الحقيقة تقوم بلا معرفة كالإفتراض أن جبلاً في القمر قد إندّك ببركان أو زلزال أو ما شاكل فلا حاجة لرؤية ذلك ومعرفته ليكون قد حصل. وقد وجّه الدكتور مالك إلى سعاده فعلاً هذا السؤال: " إذا إفترضنا أن زلزالاً حصل في القمر ودّك جبلاً فهل يكون الجبل إندّك أو لا يكون؟" فأجاب سعاده:" إن إفتراض المجهول لا يكون حقيقة. فلا أستطيع القول أن جبلاً في مكان ما إندّك أو لم يندّك، وأن زلزالاً حدث أو لم يحدث إلا بالمعرفة الصحيحة فقط". وفي ختام هذا الحوار الفلسفي قال الدكتور برايتمان لسعاده: " إنني لم أجد في جميع مَن إجتمعت بهم وناقشتهم من قبل ما وجدته في نظراتك وحججك من قوة البيان ودقة النظر ومتانة الفكر والحجّة" ( 18). وكان الدكتور مالك قد أهدى سعاده كتيباً عنوانه " معنى الفلسفة" وهو عبارة عن محاضرة كان قد ألقاها الدكتور مالك في كلية البنات الأميركانية. وقد تسلم سعاده هذا الكتيب في نفس الوقت الذي كان يعالج فيه كتاب " جمهورية أفلاطون". فقطع دراسته لأفلاطون وقرأ محاضرة د. مالك، وعند إنتهائه من تلك القراءة وجّه إلى د. مالك رسالة مؤرخة في 10 نيسان ( أبريل) 1938 جاء فيها:  " إذا كان معنى الفلسفة الفلاسفة أنفسهم، كما تقول. فأشدّ حاجة شعبنا إلى هذا المعنى. إن الإدراك العادي سيظل إدراكاً عادياً مهما تثقف وإرتقى. والفلسفة تظل فلسفة، والعالم لا يحتاج فقط إلى الفلسفة بل يحتاج إلى الإدراك العادي أيضاً، لأنه حيث يوجد معطِ يجب أن يكون هناك متسّلم يقبل. وإنه من الحسن أن يفكر الإدارك العادي بديموقراطيس وصكرات وأفلاطون وأرسطو وأوغسطين وزينون ونيتشه، ولكني حين أفكر أنا في الفلسفة لا افكر بهذه الأسماء بل في الحقائق الأساسية والمرامي النفسية الأخيرة عينها التي فكر فيها هؤلاء الفلاسفة. وأعتقد أنك أنت أيضاً ستظل تحدّق، من خلال هذه الأسماء، وتغوص على هذه الحقائق والمرامي في أعماق نفسك وتحسّ تياراتها الخفية تحت الطبقات التاريخية المطبقة عليها، فتكتشف نفسك ـ نفسيتك الأصلية بكل جمالها وكل قوتها ـ فتخرج فيلسوفاً لا ناقل فلسفة. وحينئذ تجد الحلقة المفقودة بين الفلسفة والإدراك العادي وتدرك الرابطة بين الفيلسوف وأمته وبين حيوية أمته وقبول الشعوب القريبة منها " ( 19 ). والمعروف أن سعاده إنصرف إلى دراسة الفلسفة مباشرة بعد أن أنهى شرح المبادىء ووضع الدستور وقوانين الحزب وتأليف " نشوء الأمم"، وقد وضع برنامجاً خاصاً لهذه الدراسة. فعمد منذ خروجه من السجن الثالث في أيار ( مايو) 1937 حتى تاريخ مغادرته الوطن في حزيران ( يونيو) 1938 إلى صرف كل أوقات فراغه في دراسة الفلسفة دراسة موضوعية، حيث تمكن من دراسة الفلسفات التي ظهرت قبل الفلسفة اليونانية الكلاسيكية دراسة واعية والإحاطة الشاملة بها وبحث المواضيع والمشاكل التي عالجها كبار فلاسفة تلك الحقبة أمثال بتاح حتب وأخناتون وزرادشت وبوذا وكونفوشيوس ولاوتسي، ثم إنتقل إلى دراسة الفلسفة اليونانية الكلاسيكية على إختلاف فلاسفتها ومذاهبهاهم الفكرية. وشملت دراسته الفلاسفة طاليس وأناكسيماندر وأناكسيمانز وهرقليطس وأمبيدوقليس وديموقراطيس وأكسانوفان وبارمنيدس وفيتاغوروس وأناكساغوراس وأودكسوس وصكراط وأفلاطون وأرسطو وإبيقور وثيوقراسطس وزينون الرواقي ( 20) . والملاحظ في مرحلة 1937 ـ 1938 هو إنتشار الحزب السوري القومي إنتشاراً واسعاً في مختلف المناطق اللبنانية والشامية والفلسطينية. وبعد الإنتخابات اللبنانية عام 1937 جرت إنتخابات في اللاذقية فخاضها الحزب وفازت جبهته في منطقة تلكلخ ـ الحصن . أما في لبنان فخاض الحزب معركة حقوق المواطن السياسية والحريات الشعبية والفكرية والسياسية في وجه نظام الإنتداب وقد تابع سعاده قيادته وتنظيمه الدقيق للحزب حتى مغادرته الوطن عام 1938 لتنظيم فروع الحزب في المغتربات. ـ  يتبع ـ 
 
< السابق   التالى >