|
بالقلم الرصاص بقلم موسى مرعب |
|
|
|
الأربعاء, 01 آب 2007 |
|
كلمة الشاعر نعيم تلحوق في ندوة حول كتاب "بالقلم الرصاص" للفنان موسى مرعب بتاريخ 25/9/2003. هل صدف أن امتحن أحدكم مصيبة الوقت؟ وكارثة الأزمان؟ هل تمكن أن رأى واحدكم فاجعة الحلم واغتيال الشمس والألوان؟ كيف نفعل ذلك وجلّه مستحيل في بيرق العلم والدين والحلم، لكنه حاصل بذاته وموجود في علم الأكوان. لقد قضى كون موسى مرعب على كل شيء ما خلا اسمه الثاني.. مرعب... باسمه الأول مسح كل النقاط وأسقط جميع الفواصل.. وباسمه الثاني أوقد النار، حتى صار اللهب المستعر منها رعباً محيقاً للذين يدعون في الأرض مغفرتها وهم عليها جلاوزة عهر يشتمّون دونيتهم، ويشتمون رذاذ المطر الهاطل مع كل انبلاجة فجر إن لم نقل مع كل دقة قلب. ماذا نفعل نحن، إذا كان الأمر فاضحاً إلى حد يتحرك فيه قلم موسى مرعب ليكوي بمداده الظلم والخوف والقتل وانتهاك الحرمات والمحرمات، ولا من يسمع أو يجيب؟ أليست غريبة هذه الأيام؟ ... ولأنها غريبة إلى حد لا يستطيع واحدنا مهما فعل أن يغير شيئاً في حدث الأيام والليالي الشاردة على غير غارب ما نحب.. فمع كل اشراقة شمس فضيحة جديدة، حتى باتت الفضيحة من أفراد العائلة، وإبنة الجيران وأخت الزاروب، وعمّة الشارع والحي، وخالة البلدة، وأم المدينة بأسرها. والوطن، أب العائلة، ملعون سنسفيله مذّ قرر أن يتشارك ويتحرر ويستوي على عرش.. فنخره الفساد ولم يعد له حيل ولا نفاذ. لذا، سأتوجه بكلامي من خلال كتاب موسى مرعب إلى وحيده الذي كتب له موسى يهديه غده دمعاً أسود، انطلاقا من مقولة أننا نبني لأجيال لم تولد بعد... فأقول: يا ابن موسى ووحيده.. لا تسمع كلام أبيك.. إلا إذا أردت العيش مثله ومثلي، غبياً مستوراً، طيباً مقهوراً، يائساً مدحوراً، مفكّراً مكسوراً، أي كما قال أبوك في الحكومة "مفعولاً بها". ويا ابن موسى ووحيده، لا تسمع كلام أبيك.. كن أزعراً على المفاسد والطغاة، والملاعين وأبالسة الهيكل، والمراوغين والمجرمين والقساة، ومصادري القرار وتعب الفقراء الذين على ظهورهم تبنى الأوطان. وكن آدمياً مع النبلاء، وصانعي صلاتك قبل الضحى وبعد العيد، شريفاً مع الأبرياء، عظيماً مع الأوفياء، خلوقاً مع الضعفاء، وإنساناً حرّاً قويّاً مع الجبناء.. إذاً.. لا تسمع كلام أبيك.. ولا تكتب غدك بالدمع الأسود!! اكتبه بالدمع الأحمر مع الذين قتلوا أبيك.. واكتبه بالدمع الزلال مع الأصفياء الذين يغالبون شوقهم وتعبهم كي ينام القلب الذي فيك. بالقلم الرصاص كتب موسى عنك وإليك، وبالقلم المرمر النبيل أكتب فيك وعن أبيك.. وأحاول ما استطعت أن أخفف عنك عبء الحكومات التعيسة، والأنظمة الموبوءة، فلا أدخل إلى جوارحك إلاّ بصرخة تقيك شرّ المزابل والفضائح وروائح المحن المكربة.. وإذا أردت أن تهاجم، فهاجم الفساد، لأنه وكر ومغارة لهيرودوس، تعشعش في كل منزل وجامع وكنيسة وخلوة، وشارع ودسكرة وحزب، وتعلم أن تجتمع بنفسك حين يكثر الفساد كي لا يغلبك البيدر عند الحصاد. هاجم الحرية، لأنها مزارع عشائرية وطائفية وحزبية ودينية وامبريالية وصهيونية وليبرالية، وديمقراطية. ولأن الحرية مشبوهة، عد إلى الآخر واستفد من معنى أن تكون أنت حرّاً، نبيلاً من داخلك وإلى داخلك.. وهاجم الموت إذا ما فجّك حجر على رأسك، أو بلغ سيف بين ضلوعك.. قم للغتك العاهرة وفجّ قلبها بأبجدية المجد، وخذ من حمورابي سيفه ودرعه وترسه، وافقء أعين المراهنين على نحرك باسم الموت.. قل يا ابن موسى، الحياة لنا.. وأن حياتنا موت بغير عزّ، وقف كما يقف أبوك لحظة يمتطي صحراء التأمل ليسأل "من نحن"؟ دون أن يستقيل من وجع الحياة.. فأنت تعيش في وطن القوالين، والبرطعة، والجبنة، وكافور، والديموكراسي.. و ... و ... لكن لا تعلن يأسك كما فعل أبوك.. تعلق بآمالك وأحلامك وتعلم، فالعلم نور والله معرفة، والعقل زينة الرجال.. ولا تتوقع أن تسقط صليبك عن ظهرك، أو أن تعتقد كما يعتقد أبوك أنك ممنوع من الصرف، في ظل "خيال الوطن"، لأنه بمقدورك أنت أن تقيم وزناً لوطنك إذا شئت، وأن تلعن أحفاد هيرودوس متى أردت.. فقم يا وحيد موسى وبارك أباك بحب... موسى مرعب، اليوم نضيء لك شمعة من مجد الله، الذي تعالى عن كل الأشياء.. ونطفئ معك شمعة القهر التي تذيب فرح الأسماء، لأقول لك يا صديقي ورفيقي أننا والجمع متساوون في العلة، فمن ينهض ليقول معنا، الحياة لا تستقيم إلاّ برجال ناهضين من أجل عزة الأمة وخيرها التليد، وشرف العظماء الخالدين...
|