عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

التراث الثقافي عند سعاده وأهمّيته ـ د. حيدر حاج إسماعيل طباعة ارسال لصديق
السبت, 01 أيلول 2007
 

التراث الثقافي عند سعاده وأهمّيته ـ د. حيدر حاج إسماعيل

 

يعرِّف مؤرخو الحضارات (المدنيات) الحضارة بأنها منتوجات مجتمع ما، ويخصِّصون قائلين، إنها تلك المنتوجات التي تدوم لمدة طويلة من الزمن. معنى ذلك أن الحضارة ذات صفتين، سوسيولوجية وتاريخية. ثم يذهبون إلى النظر إلى الحضارة نظرة ثنائية، فيرون فيها جانباً مادّياً مثل المدن والقلاع وكل ما يخضع للحس، وجانباً روحياً أو فكرياً هو ما يعرف بالثقافة مثل التقاليد، واللغة، والآداب، والعلوم والفنون، وما شابه.

أما التراث فهو ذلك الجزء من الحضارة المادية والفكرية الذي ينتقل من جيل إلى جيل من أجيال أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات. ويكون انتقاله، بلغة الزمان، من الماضي إلى الحاضر.

في محاولتنا الحالية سنتناول بالبحث التراث الثقافي عند سعاده، وتحديداً، أهمية هذا التراث. ونبدأ بالإشارة إلى منطوق المبدأ الأساسي السابع من مبادئ حزبه، وهو: "تستمد النهضة القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي".[1] وفي شرحه لهذا المبدأ، يقول سعاده، إنه المبدأ الذي يؤسس الاستقلال الروحي لأمته. وأنه "لا يمكن توليد نهضة سورية إلا بعامل نفسيّة سورية أصيلة مستقلة". وكأمثلة على مواهب الأمة السورية التي تجلّت في تراثها يذكر أسماء بعضٍ من مشاهير السوريين الذين أسهموا في التراث الثقافي الخالد، ومن بينهم، يذكر زينون وأبا العلاء المعرّي، بالإضافة إلى جبران خليل جبران، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم. وفي محاولتنا الحالية سيكون اهتمامنا مركّزاً على إنجازات كل من زينون وأبي العلاء، وأهميتها التراثية عموماً وعند سعاده بخاصةً. لكن قبل ذلك، نودّ أن نذكر، مستعيرين تعبير "الوطن"، لنقول، إن الأمة، كل أمة، مثلما يشترك أعضاؤها بمكان له إطار وحدود معينة نسميه الوطن الجغرافي، هم يشتركون بزمان تاريخي له إطار وحدود معينة من نوع آخر هو الوطن الثقافي الذي صنعه أجدادهم في تفاعلهم في مجرى الزمن.

بلى، التراث الثقافي للأمة هو بمثابة هويتها وهو حجة وجودها وقيمة هذا الوجود، كما أنه درعها الروحي الذي يحميها من سهام الغزوات الثقافية الغريبة.

وبالإضافة إلى ذلك، لا بدّ أن نذكر أن للتراث الثقافي بعداً تربوياً. فمن التراث الثقافي يغرف الناشئون، وعليه يبني المبدعون الجدد من أبناء وبنات المجتمع.[2]

نقف عند هذا الحدّ من التقديم لنتحول إلى كل من زينون وأبي العلاء ونرى إلى قيمتهما التراثية الثقافية التي استدعت أن يذكرهما سعاده في كلامه عن الاستقلال الروحي، كما ذكرنا.


I

زينون والتراث المناقبي العالمي

 

لأهمية فكر زينون الرواقي ولكون سعاده قد أشار، في أكثر من موضع في كتاباته إلى تلك الأهمية، وطلبه من أعضاء حزبه أن يدرسوا زينون، رأينا أن نقدم شرحاً مفيداً لفلسفة ذلك الفيلسوف الفينيقي الذي أحدث ثورة في الفكر الفلسفي بقوله ولأول مرة: "أن كل البشر إخوة".

زينون الرواقي فيلسوف عاش في القرن الرابع والثالث قبل الميلاد (335 - 264 ق.م.)، بعد فلاسفة اليونان المعروفين: سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس. وهو من كتيوم Citium وأصل عائلته من فينيقيا، من صور من لبنان القديم. بعد أن استقرت عائلته في قبرص ذهب إلى أثينا ليعلّم شبانها حكمته الجديدة. وقد عرفت تلك الحكمة، في تاريخ الفلسفة، بالفلسفة الرواقية ذلك لأنه كان يعلمها لتلاميذه في رواق (stoa باللغة اليونانية القديمة). والرواق زمانئذٍ عبارة عن ممرّ مسقوف ومحاط بصفين متوازيين من الأعمدة.

في أثينا، وبعد اطلاعه على مبادئ وتعاليم فلاسفة اليونان الأخلاقية وكشفه عن عيوبها ومحدوديّتها وانحصارها في نطاق المدينة polis وضع زينون فلسفته الأخلاقية الجديدة على أساس جديد هو مبدأ العالميّة Cosmopolis.

من الوجهة اللغويّة لفظة Cosmopolis مركّبة من لفظين يونانيين قديمين ألا وهما Cosmos ومعناها الكون و  polisومعناها المدينة فيكون حاصل جمعهما في لفظ جديد هو: المدينة الكونيّة أو العالم كله باعتباره مدينة واحدة.

طبعاً، لم يكن زينون جاهلاً لحقيقة أن العالم ليس مدينة واحدة من الوجهة السياسيّة ولا من الوجهة الاقتصادية وغيرهما. لكنه قصد بالمدينة الكونيّة الناحية الأخلاقية. كأني به قائلاً: أيها البشر بالرغم من تفاوتكم واختلافاتكم السياسيّة وخلافها عاملوا بعضكم بعضاً سواء أكنتم مدناً أو جماعات أو شعوباً أو أفراداً كما لو أنكم مواطنون في مدينة كونية أخلاقية واحدة إذ لا يليق بالمواطن أن لا يحترم ويحبّ ويعامل بالحسنى أخاه المواطن.

في عقيدة زينون أن نزاعات البشر منطلقها الانفعالات passions فإذا كان الإنسان مدفوعاً بانفعال عنصري فهو لا محالة مفرّق بين عنصره والعناصر أو السلالات الأخرى. وإذا كان محكوماً بانفعال قبلي فهو معادٍ للقبائل الأخرى، وإذا كان مشحوناً بانفعال خصوصي فهو عدوّ الآخرين مطلقاً عليهم نيران فرديّته وأنانيّته وقس على ذلك. من هنا قول زينون، إن الحكيم الحكيم هو القادر على كبح انفعالاته ومنعها من قبل سلوكه، إنه apathos أي ضابط لانفعالاته وليس pathos أي ليس انفعالياً.

غير أن بلوغ ذلك المستوى العالي من القدرة على التحكم بعواطفنا وانفعالاتنا الهوجاء غير ممكن بدون الارتقاء بوجودنا إلى مستوى آخر من النظر إلى الأمور ألا وهو المستوى العقلي. فالعقل في الإنسان هو الحاكم الوحيد القادر على لجم الانفعالات. العقل هو السائق الوحيد القادر على قيادة سيّارة جسدنا الذي يعجّ ويضج بوحوش الانفعالات وهدايتها وتوجيهها سواء السبيل.

من شرفة العقل نرى البشر أخوة تماماً كما قال زينون الرواقي: كل البشر أخوة All humans are fellow = humans. وهذا معناه: عليك أيها الإنسان، إذا كنت عاقلاً، أن تحب جارك. أربعة مائة سنة قبل ميلاد المسيح، وجد فيلسوف اسمه زينون ينطق بحكمةٍ أكّدتها المسيحية، بعده، ألا وهي أحبّوا بعضكم بعضاً.

والجار في قاموس زينون، ليس الجار الجغرافي - المحلي ولا الجار السياسي ولا الجار اللغوي ولا الجار العنصري أو الطبقي أو الطائفي إنه الجار الأخلاقي - العقلي. إنه أي إنسان وكل إنسان.

لذلك، نقول، إن فكرة الحب العالمي Universal Love هي في صميم فلسفة زينون الأخلاقية الجديدة التي شكّلت ثورة في تاريخ الفلسفة عموماً وفلسفة الأخلاق على وجه الخصوص والتي وضعت الأخلاق على الأساس الذي بدونه لا تكون الأخلاق أخلاقاً ألا وهو مبدأ الكونية أو العالمية الذي أتينا غلى ذكره في مطلع بحثنا.[3]

 

 

أشهر تلامذة زينون

 

بعد زينون تابع تلاميذه الكثر فلسفته وكان من أشهرهم اثنان: عبدٌ وإمبراطور. أما العبد فكان اسمه Epictetus[4] الذي وضع كتاب: Discourses ومما جاء فيه مما يتصل باتجاه بحثنا ما يلي:

"ألا تعرف (أيها الإنسان) أنه كما أن القدم لا تعود قدماً إذا ما فصلت عن الجسد، أنت كذلك لا تبقى إنساناً إذا انفصلت عن الآخرين".[5] معنى ذلك أن الإنسان اجتماعي وعلاقته بالمجتمع الإنساني علاقة لا تنفك، إنها كالعلاقة العضوية".

وأما الإمبراطور الروماني Marcus Aurelius فقد قال مما قال: كل البشر أخوة، كل البشر مواطنون حتى المجرم هو أخي. ومما سطره يراعه في كتابه المشهور: Meditations نذكر ما يلي:

"لست أقدر أن أكون غاضباً" مع أخي ولا أن أكون مسيئاً إليه، لأننا خُلقنا لنتعاون مثيل يديْ الإنسان ومثيل قدميه أو جفنيه أو مثيل فكّيْ أسنانه. إن عرقلة أحدهما للآخر هو ضد قانون الطبيعة".[6]

هذا الكلام عن "قانون الطبيعة" له أصله عند زينون الرواقي. وشرح معناه يقتضي منا العودة إلى معنى "القانون" ومعنى "الطبيعة" في قاموس الفلسفة في القرن الرابع قبل الميلاد.

لنبدأ بلفظ "الطبيعة" لنقول: إن مفهومه القديم يختلف إيّما اختلاف عن مفهومنا له في هذا العصر، عصر العلوم والتكنولوجيا. فقد استعمل الأقدمون من الفلاسفة هذا اللفظ للإفادة عن فكرة الوظيفة function أو الماهيّة essence أو الخاصة المميّزة differentia للشيء. وعندما كانوا يقولون، عن اعتقادٍ، بأن لكل شيء طبيعة كانوا يفهمون من ذلك بأن لكل شيءٍ وظيفة أو ماهيّة أو صفة مميّزة خاصة بذلك الشيء.

على هذا الأساس يكون للنهر طبيعة هي في تدفقه وجريانه وللريح طبيعة في هبوبها وللسكين طبيعة القطع، الخ. أما الإنسان فطبيعته العقل أو التفكير". Man is a rational animal. هذا لجهة مفهوم القدماء "للطبيعة".

لجهة مفهومهم "للقانون"، نذكر، انهم رأوا القانون في فكرة الثبات constancy أو الانتظام uniformity أو عدم التغيّر.

بالنسبة للإنسان، قالوا، أن الانفعالات، باعتبارها قُلَّباً حُوَّلاً وليس لها ثبات لا يمكن اعتبارها قانوناً بأي شكل. الثابت الوحيد في الإنسان هو العقل. لذلك اعتقدوا بأن العقل هو طبيعة الإنسان وقانونه أو بكلمة أخرى، العقل هو قانون الطبيعة في الإنسان.

من هنا تعليم زينون وأتباعه المفيد بأن الحكيم هو الذي يكون منسجماً مع قانون الطبيعة الإنساني الذي هو العقل.

 

نظرية التلوّث بالآراء الخاطئة: ولكي يقدر العقل على الفعل في السلوك الأخلاقي متحرراً من تحرّشات وبلبلات الانفعالات تحدث الفلاسفة الرواقون عن نقاء الروح بالإضافة إلى نقاء الجسد.

فيما يختص بنقاء الروح بخاصةٍ، انتهى تحليلهم لأسباب التلّوث الروحي بما صار يعرف بنظريتهم في الحكم judgment. وقصدوا بذلك، أن الآراء (أو الأحكام) الخاطئة التي يصدرها الإنسان حول الأشياء الخارجيّة بأنها جيّدة أو غير جيّدة هي ذاتها ما يعكّر الروح. ولا يطهّر الروح من تلك الآراء إلاّ الاحتكام إلى العقل القادر وحده على التوجيه الصحيح والإرشاد المستقيم.[7]

اجتماعية الإنسان: على مستوى الأخلاق الاجتماعية عرّف الرواقيون وجود الإنسان بأنه وجود غائيّ اجتماعي to be is to be For. هذا ما يقوله Epictetus بالحرف الواحد:

"من أجل الكلّ (المجتمع الإنساني) عليك أن تتحمّل المرض أحياناً وتغترب وتخاطر أحياناً أخرى وتفتقر وتموت قبل الأوان إذا اقتضى الأمر".[8]

في نفس الاتجاه، اتجاه حمل المسؤولية الاجتماعية بالاهتمام بالآخرين كاهتمام الإنسان بذاته، ومعاملتهم كمعاملة الإنسان ذاته، يكتب الإمبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius ما يلي:

"هل تطالب العين تعويضاً على قيامها بوظيفة رؤية الأشياء أم القدم تطالب بنفعٍ على مَشْيها؟ ذلك لا يحصل من أيٍّ منهما لأنهما وجدتا لتلكماً الغايتين، وجودهما أن يفعلا ذلك. كذلك الإنسان عندما يعامل الناس بالحسنى ويعمل للمصلحة العامة، يكون محققاً وجوده ذاته".[9]

تجدر الملاحظة أن الرواقيين يرون المجتمع واقعاً طبيعياً وليس كياناً صنعته إرادات أفراد وفقاً لعقدٍ اجتماعي Social Contract كما ظن بعض الفلاسفة فيما بعد، من أمثال Thomas Hobbes و John Locke و Jean-Jacque Rousseau. المجتمع في عقيدة الرواقيين سابق للفرد وكل فرد يولد في مجتمع.

 


تأثير الفكر الأخلاقي لزينون

 

نتقدم الآن للكلام عن تأثير الفلسفة الرواقية الأخلاقية في القانون عموماً وفي القانون الروماني على وجه الخصوص.

كنا جئنا على ذكر اعتناق الإمبراطور الروماني Marcus Aurelius للعقيدة الأخلاقية الرواقية. وقد نجم عن هذا الحادث أثر تاريخي عظيم ألا وهو أن ذلك الإمبراطور الذي آمن بأن كل البشر أخوة منح المواطنيّة الرومانية لجميع رعايا الإمبراطورية الممتدّة من بلدان الشرق الأوسط واليونان إلى بلدان أوروبا الغربيّة. قبل ذلك لم يكن يتمتع بحقوق تلك المواطنية سوى أبناء رومة.

إن الشهرة التي يتمتع بها التاريخ الروماني في ميدان الحضارة الإنسانية مردّها القانون الروماني المساوي بين البشر والذي جوهره كان في فلسفة زينون كما كنا ذكرنا.

والدستور الأميركاني العصري (بالإضافة إلى دساتير بلدان أوروبا الغربية) منفعل بالقانون الروماني كما أراده الإمبراطور الرواقي أوريليوس. هذا لجهة القانون في بعض البلدان.

أما لجهة القانون بعامةٍ والمؤسسات القانونية عموماً فنحن في هذه الأيام نتكلم عن القانو الدولي International Law ومؤسسة "الأمم التحدة" وقبلها مؤسسة "عصبة الأمم". مثل هذه المؤسسات العالمية، إن هي، في نظرنا، إلا تطبيقاً قانونياً للفلسفة الرواقيّة العالمية. ولشرح فكرتنا، نذكر، أن الأخلاق Morality اثنان: أخلاق تصدر من داخل الإنسان فمصدرها جوّاني internal حرّ، وأخلاق تحصل عن طريق الإكراه الخارجي Coercive. أخلاق الحرية هي أخلاق الفلسفة الرواقية وأخلاق الإنصياع للقوة الخارجية (قوة القانون ومؤسساته) هي ما نراه ونختبره في حياتنا عندما نطيع قوانين الدولة ومؤسساتها الشرعية المتعدّدة المختلفة ومن ذلك أيضاً المنظمات الدولية "وجمعية الأمم المتحدة" U.N. و"عصبة الأمم".

القانون الدولي يقضي، في "جمعية الأمم المتحدة"، على سبيل المثال، أن تعامل الدول بعضها بعضاً بلغة احترام كل منها لسيادة الأخرى وبلغة السلام لا العدوان.

من هنا قولنا بأن المنظمات الدولية المعاصرة التي لها قانون دولي، إن هي إلا تطبيقاً قانونياً legal application أو صورة قانونية لمبدأ الفلسفة الرواقية. هذا مع علمنا، من وجهة نظر علمية - تاريخية (لا نظرية) بعدم وجود مساواة حقيقيّة بين الدول الأعضاء في "الأمم المتحدة".

II

المعرّي والتراث العقلي النقدي

 

نعود إلى مجرى بحثنا الرئيسي الذي عبّر عنه السؤال الآتي: ماذا يوجد عند أبي العلاء المعرّي من أفكار أو خواطر تكون أو قد تكون اقتضت أن يدرج سعاده اسمه في شرحه للمبدأ الأساسي السابع من مبادئ حزبه بين أسماء آخرين من المشاهير فيُعنى أعضاء حزبه بدرسهم؟ والمبدأ الأساسي السابع، كما سبق أن قلنا، ينصّ على ما يلي: "تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي". وهو المبدأ الذي يؤسِّس الاستقلال الروحي لنهضة الأمة. أما الجواب فنضعه، تقديرياً، فيما يأتي:

أولا: نظرته العقلية. فالعقل عند المعرّي هو المبدأ ولا مبدأ سواه. ومن هنا وَصْفُ سعاده له بأنه "الفيلسوف السوري الكبير".[10] والعقل في مفهوم المعرّي جملة من القوى والفعاليات، نضعها تباعاً فيما يلي:

•1.    العقل يعرِّف، يقول:

فكِّروا في الأمور يُكشَفُ لكم            بعضُ الذي تجهلون بالتفكيرِ.[11]

•2.    والعقل يبرهن، يقول:

ولا تصدِّقْ بما البرهان يبطلهُ           فتستفيد من التصديق تكذيبا.[12]

•3.    العقل يهدي، يقول:

أيها الغرّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ            فاسألنّهْ فكلّ عقلٍ بنيُّ.[13]

ويقول أيضاً:

فشاور العقلَ واتركْ غيره هدراً         فالعقلُ خيرُ مشيرٍ ضمّه النادي.[14]

وأيضاً يقول في هداية العقل:

يرتجي الناسُ أنْ يقوم إمامٌ              ناطقٌ في الكتيبةِ الخرساءِ

كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل          مشيراً في صبحهِ والمساءِ.

فإذا ما أطعته جلبَ الرحمةَ             عند المسير والإرساءِ.[15]

•4.    والعقل يخفّف الأعباءَ ويفضُ النزاعات، يقول:

ولو صفا العقلُ ألقى الثقلَ حاملُهُ                عنه ولم ترَ في الهيجاءِ معترِكا.[16]

ويقول أيضاً وفي نفس الاتجاه:

إذا تفكّرتَ فكراً لا يمازجُهُ فسادُ         عقلٍ صحيحٍ هان ما صَعُبا[17]

ويقول داعياً الناس لوقف ليل العداوات بنور العقل:

أما لكمُ بني الدنيا عقولٌ                 تصدُّ عن التنافسِ والتعادي؟[18]

•5.    والعقل ينقد وينقض. يقول في نقد الدين وطوائفه المتضاربة:

والعقل يعجبُ للشروع تمجّسٍ          وتحنّفٍ وتهوِّدٍ وتنصِّرِ

فاحذرْ ولا تدع الأمورَ مضاعةً          وانظره بقلبٍ مفكرٍ متبصِّرِ.[19]

ويقول:

أجازَ الشافعيُّ فعالَ شيءٍ                وقال أبو حنيفة لا يجوزُ

فضلَّ الشيبُ والشبّان منا               وما اهتدتْ الفتاةُ ولا العجوزُ.[20]

ويقول أيضاً:

تستّروا بأمورٍ في ديانتهم               وإنّما دينهم دينُ الزناديقِ

نكذِّبُ العقلَ في تصديق كاذبهم         والعقلَ أولى بإكرامٍ وتصديقِ[21]

ويقول:

سبِّحْ وصلِّ وطُفْ بمكّةَ زائراً           سبعين لا سبعاً فلست بناسكِ

جهلَ الديانةَ من إذا عرضتْ له         أطماعه لم يلْفَ بالمتماسكِ.[22]

ويزيد فيقول:

دينُ وكفرٌ وأنباءٌ تُقَصُّ وفرقانٌ ينصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ

في كل جيلٍ أباطيلٌ يدانُ بها            فهل تفرَّدَ يوماً بالهُدى جيلُ؟[23]

6. ويقول في العقل الناقض والنابذ للدين:

هَفَت الحنيفةُ والنصارى ما اهتدتْ              ويهودُ حارتْ والمجوسُ مضلَّلهْ

اثنان أهل الأرضِ ذو عقلٍ بلا                  دينٍ وآخرُ ديِّنٌ لا عقلَ لَهُ.[24]

ويقول:

قد ترامتْ إلى الفسادِ البرايا             واستوتْ في الضلالةِ الأديانُ.[25]

ويزيد قائلاً:

ولا تحسبْ مقالَ الرسلِ حِقّاً             ولكنْ قول زورٍ سطّروهُ

وكان الناس في عيش رغيدٍ             فجاؤوا بالمحالِ فكدَّروهُ.[26]

ويقول في ذات المنحى تقريباً:

لا تبدأوني بالعداوةِ منكمُ                فمسيحكم عندي نظير محمدِ

ويقول:

أفيقوا، أفيقوا، يا غواة فإنما             ديانتكم مكرٌ من القدماءِ

أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا                 وبادوا ودامتْ سنّةُ اللؤماءِ.[27]

ويضيف قائلاً:

في اللاذقيّةِ ضجّةٌ               ما بين أحمد والمسيحْ

هذا بنا قوسٍ يدقُّ               وذا بمئذنةٍ يصيحْ

كلٌّ يعظِّمُ دينَهُ                  يا ليت شعري، ما الصحيح؟!.[28]

ويقول أيضاً:

إن الشرائع ألقتْ بيننا إِخناً              وأورثتنا أفانين العداواتِ.[29]

ويتمادى في وصف التناقض النابذ بين العقل والدين، فيقول:

إذا رجعَ الحصيفُ إلى حجاهُ            تهاون بالشرائع وازدراها.[30]

لنتوقف الآن عند هذه المحطّة الفكرية لننظر فيما قال سعاده في العقل ونسبته إلى الدين، ما له مثيل وما ليس له مثيل عند المعرّي.

لجهة مركز العقل في الإنسان والحياة الإنسانية، يقول سعاده، وبالحرف الواحد: "العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساسي".[31] وهذا معناه أن العقل هو القانون (في الإنسان) الذي يحكم كل القوانين. بل أكثر من ذلك، يريد سعاده أن يقول، إنَّ كل شريعة لا تتأسس على قبول العقل ليست شريعة سواء كان مصدرها الأرض أو ما وراء الأرض. وبلغة فلسفية، يرى سعاده أن العقل هو مبدأ المبادئ في الحياة الإنسانية. لأنه "هو موهبة الإنسان العليا، هو التمييز في الحياة" ولأنه، "إذا وضعت قواعد تبطل التمييز والإدراك، تبطل العقل، فقد تلاشت ميزة الإنسان الأساسية، وبطل  أن يكون الإنسان إنساناً، وانحطَّ إلى درجة المجمادات المسيَّرة بلا عقلٍ ولا وعي".[32]

إذن، من هذه الناحية، ناحية مبدأية العقل التي لا مبدأية فوقها نلفت أن سعاده كان، وفي حدود بحثنا، معرِّياً بامتياز. وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ العقل، عند سعاده، هو، وبالإضافة إلى ما تقدّم، مبدأ النهضة عموماً، والنهضة القومية الاجتماعية خصوصاً. فالعقل كان أمير عصر التنوير enlightenment في أوروبا، وعصر النهضة هناك. وما القوميات الحديثة إلاّ ظواهر نهضوية. لذلك، كان تشديد سعاده على المقام الأعلى للعقل في حركة النهضة القومية الاجتماعية التي أطلقها ويقودها حزبه في أوساط الأمة السوريّة والعالم العربي.

بالنسبة إلى العلاقة بين العقل من جهة والدين والمؤسسات الدينية من جهة أخرى، كان موقف سعاده معتدلاً وبعيداً عن التطرّف الذي ذهب إليه المعرّي. فسعاده ليس ضد الدين أو الأديان. يقول في رسالته الأولى إلى فخري معلوف الذي كان عضواً في الحزب ثم انحاز إلى المذهب الكاثوليكي، : "وبيّنت له أن لا حرج ولا إكراه في العقائد وأننا لا نتنازل عن حق حرية الفكر لكل مفكّر. فالقضيّة لا تتدخل في مسائل الإيمان الديني، ولا تريد أن تفرض "حقائق دينية" معينة على أعضائها. فليؤمن من شاء بما يشاء، وليجهر كل ذي رأي برأيه، وليوافقه من شاء وليخالفه من شاء. ولكن سلامة العقيدة القومية الاجتماعية ووحدة العقيدة القومية الاجتماعية وحركة النهضة يجب أن تبقى فوق جميع النظريات والمذاهب الجدليّة المتعلّقة بما وراء المادة وبما لا دخل للعقيدة القومية الاجتماعية فيه".[33]

تلك النظريّات والمذاهب الجدلية المتعلقة بما وراء المادة "هي التي كان يراها المعرّي أدياناً أو مذاهب دينية متناقضة. وكان تناقضها المطلق الذي لم يقبل حلاً هو مصدر قلق عقل المعرّي والدافع إلى نقدها ونقضها والدعوة إلى نبذها. فالعقل لا يصدر ولا يستقبل تناقضات من ذلك القبيل. مع ذلك، وبالرغم من ذلك، يجدر الإنصاف أن نقول، إن المعرّي الذي اعتبر الأديان جالبةً للإحن كان مؤمناً بالله. يقول:

إذا كنت بالله المهيمن واثقاً              فسلِّمْ إليه الأمرَ في اللفظِ واللحظِ.[34]

ويقول: أقرُّ بأن لي ربّاً قديراً            ولا ألقى بدائعه بجحدِ. [35]

أما رأي سعاده في المؤسسات الدينية تحديداً فقد وضعه في المبادئ الإصلاحيّة الثلاثة الأولى لحزبه، وهي:

مبدأ "فصل الدين عن الدولة"، ومبدأ "منع رجال الدين من التدخّل في شؤون السياسة والقضاء القوميين"، ومبدأ "إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب".[36]

ثانياً: تحدثنا فيما تقدم عن النظرة العقلية عند المعرّي، والتي قدّرنا أن تكون من دواعي إدراج سعاده له بين مشاهير السوريين القدماء الذين على أعضاء حزبه أن يذكروهم ويدرسوا مكتوباتهم ويستمدوا من نتاج مواهبهم ما يؤسس لاستقلال روحي لنهضتهم القومية الاجتماعية. نتقدم الآن إلى مسألة ثانية، ألا وهي، مسألة حرب المعرّي على الفساد والفاسدين عموماً وفي الأوساط السياسية والرؤساء بخاصة.

يقول:

قالوا فلانٌ جيِّدٌ لصديقه                  لا يكذبوا، ما في البريّةِ جيّدُ

فأميرهم نال الإمارة بالخنى             وتقيّهم بصلاته متصيّدُ.[37]

ويقول:

هل الأمراء إلاّ في مراءٍ                أو الوزراء إلاّ أهل وِزْرِ

ولاةُ العالمين ذئابُ ختلٍ                تكون من الشقاء رعاة فزرِ

حياةٌُ مرّةٌ وردىً زعافٌ         كأنا منه في مدٍّ وجَزْرِ.[38]

ويقول أيضاً:

يا قوم لو كنت أميراً لكم        ذممتم في الغيب ذاك الأميرْ

وإنما سائلكم دائبٌ              يرعى المطايا ويسوق الحميرْ

وردتم الآجنَ من دينكم          وما ظفرتم بالصريح النميرْ.[39]

ويقول:

وأرى ملوكاً لا تحوط رعيّةً             فعلامَ تؤخَذ جزيةٌ ومكوسُ. [40]

ويزيد قائلاً:

يسوسون الأمور بغير عقلٍ             فينفذ أمرهم ويقال ساسهْ

فأفَّ من الحياة وأفَّ منها               ومن زمنٍ رئاسته خساسة.[41]

وعن عموم الفساد، يقول:

قد فاضت الدنيا بأدناسها                على براياها وأجناسها

وكل حيٍّ فوقها ظالمٌ                    وما بها أظلمُ من ناسها.[42]

ويقول:

يكفيك حزناً ذهابُ الصالحين معاً               ونحن بعدهمُ في الأرضِ قُطَّانُ

إنَّ العراقَ وإنّ الشام مُذْ زمنٍ                   صفران ما بهما للملك سلطانُ

ساسَ الأنامَ شياطين مسلّطةٌ                     في كل مصرٍ من الوالين شيطانُ.[43]

ويقول:

توهمتْ خيراً في الزمان وأهلِهِ                  وكان خيالاً لا يصح التوهُّمُ

فما النورُ نوَّارٌ ولا الفجرُ جدولٌ                 ولا الشمسُ دينارٌ ولا البدرُ دِرْهَمُ

أرى الشخصَ يُطوى والممالكَ تُحتوى           ومن صحَّ يذوي والمجادلُ عندمُ

إذا رؤساء الناس أُمّوا تنازعوا                  كؤوسَ الأذى، هل في الزجاجة عندم؟

ولم يرضهم شربُ المدامةِ أذهبتْ       حجى العقل إلاّ أن يمازجها الدَّمُ.[44]

لنتوقف عند هذه المحطّة الفكرية الثانية لنقول إن سعاده، مثل المعرّي، عرف فساد الناس والرؤساء وما تأسيسه الحزب إلا للعمل على القضاء على تنّين الفساد المتعدِّد الرؤوس. ولم يكن سعاده مبالغاً عندما وصف حال أمته قبل تأسيس الحزب، بقبر التاريخ. هذا ما يقول: "إن الحزب السوري القومي الاجتماعي لأكثر كثيراً من جمعية تضم عدداً من الأعضاء أو حلقة وجدت لفئة من الناس أو من الشباب. إنه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها، إنه تجدّد أمة توهّم المتوهمون أنها قضت إلى الأبد، لأن العوامل العديدة التي عملت على قتل روحيتها القومية كانت أعظم كثيراً من أن تتحمل أمة عادية نتائجها ويبقى لها كيان أو أمل بكيان، إنه نهضة أمة غير عادية - أمة ممتازة بمواهبها، متفوقة بمقدرتها، غنيّة بخصائصها - أمة لا ترضى القبر مكاناً لها تحت الشمس".[45]

ثم هناك رسالته إلى المحامي حميد فرنجية التي أجاب فيها على السؤال: في ما دفعني إلى إنشاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان أرسلها من سجنه الأول من سجن الرمل في 10 كانون الأول 1935، وفيها يذكر أنه ألقى على نفسه في الحرب العالمية الأولى التي اندلعت عام 1914، وكانت حدثاً، السؤال الآتي: "ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟" ويضيف قائلاً: "ومنذ وضعت الحرب أوزارها أخذت أبحث عن جوابٍ لهذا السؤال وحلٍّ للمعضلة السياسية المزمنة التي تدفع شعبي من ضيق إلى ضيق، فلا تنقذه من دبّ إلا لتوقعه في جبّ". ويزيد فيقول: "وكان أن سافرت أوائل سنة 1920 وقد بعثت الأحقاد المذهبية من مراقدها، والأمة لماّ تدفن أشلاءها".

تلك كانت حال الأمة في الوطن. وفي المغترب يصف سعاده حال السوريين بما يلي، يقول: "ولم تكن الحال في المهجر أحسن إلاّ قليلاً، فقد فعلت الدعاوات فعلها في المهاجرين فانقسموا شيعاً. وكانوا كلهم سوريين. ولكن فئة كبيرة منهم خضعت للنعرات المذهبية.[46]

إذن، كان المشهد العام مشهد فساد وضياع وانقسام مذهبي. وهو عموماً، وعلى مستوى الحزبيات الدينية المتنازعة بخاصةً، شبيه بالمشهد العام في زمان المعرّي. لكن الفرق بين موقف سعاده وموقف المعرّي من ذلك المشهد كان فرقاً عظيماً. ففي حين اكتفى عقل المعرّي بمعرفة الظواهر  الماثلة أمامه زمانئذٍ ووصفها وصفاً نقدياً بما تسمح به أدوات الشعر من دقّة فبدا العقل لنا بأنه القوة التي تعرف وتنتقد (تلعن)، نجد أن العقل عند سعاده كان قوة تعرف وتبدع وتحفز إلى العمل على التغيير.

طبعاً، لن أخوض في ظروف المعرّي الجسدية (فقد كان ضريراً) والاجتماعية اللاقوميّة ولا في ظروف سعاده المختلفة. المهم هو أن فرقاً كبيراً كان هناك، وهو أن العقل عند سعاده غير منفكٍّ عن الإرادة. وهذه المسألة تميّزه تمييزاً حاسماً عن كثيرين ممن تقدموه ومن بينهم المعرّي.

وأضرب مثلاً من أمثلة، يصعب حصرها، على ذلك. يقول: "نحن حركة مهاجمة تأتي بتعاليم جديدة تهاجم المفاسد والفوضى التي بسببها بقي الشعب في الوضع المؤسف المحزن الموجود فيه". ويضيف مؤكداً ومشدِّداً: "لا بأس أن نكون طغاةً على المفاسد، لأن قضيتنا ليست إلاّ قضية الحق والخير والجمال وليست هي ما يحتمل أن يكون حقاً أو أن لا يكون".[47]

ويمكننا أن نوجز وصفنا للفرق الكبير بين مفهوم سعاده للعقل ومفهوم المعرّي له في أن العقل عند سعاده كان رسوليّاً. فسعاده هو صاحب رسالة، وهو نفسه يسميها "دين الدنيا للسوريين". [48]

والعقل الرسولي لا ينفصل عن الإبداع والإرادة والإيمان والعمل. مع ذلك لا بدَّ لنا، وإنصافاً للمعرّي، أن نقول، إنّ العقل النقدي عنده كان صادقاً حتى العظم. فهو لم يكتفِ بنقد وأحياناً نقض ما يجري في زمانه حوله، بل توغّل في عمليته حتى بلغ حدّ نقده نفسه. يقول:

دُعيتُ أبا العلاء وذلك مَيْنٌ              ولكن الصحيح أبو النـزولِ.

ثالثاً: ولكي لا نكون ظالمين المعرّي في وصفنا أن عقله انحصر في دائرة المعرفة بالفساد ونقده ونقضه (أو لعنه)، لا بدّ لنا أن نذكر أن هناك ومضات في شعره تدعو إلى الخير. ونحن نرى أن هاتيك الومضات الداعية إلى الخير تربط العقل، ولو بخيط رفيع، بإرادة الخير، وهي، في رأينا، التي لا بدّ أن تكون قد جذبت سعاده الذي كرّس عقله ونضاله للخير العام، والذي وضع أعظم وأسمى مبدأ مختصّ  بالخير العمومي، ألا وهو المبدأ الثامن من مبادئ حزبه الأساسية التي ينصّ على أن تكون "مصلحة سورية فوق كل مصلحة".[49]

فيما يأتي بعض من أشعار المعرّي الداعية إلى الخير، يقول:

سأتبع من يدعو إلى الخير جاهداً                وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي.[50]

ويقول:

من أراد الخير فليعملْ له               فعليه لذوي اللبّ عَلَمْ.[51]

ويقول:

إذا وهبَ الله لي نعمةً           أفدتُ المساكين مما وهبْ.[52]

ويقول ضد التفرقة القبلية والتمييز العنصري:

لا يفخرنَّ الهاشميُّ على امرئٍ من آل بربرْ

فالحق يحلف ما عليٌّ عنده إلا كقنبرْ.[53]

ويقول:

وإذا الرئاسةُ لم تُعَنْ برئاسةٍ             عقليّةٍ خطئ الصوابَ السائسُ.[54]       

عانياً أن الخير هو في الرئاسة العقلية (الحكيمة) للناس.

ويقول:

لا تلبس الدنيا فإن لباسها                سقمٌ وعرِّ الجسمَ من أثوابها

        فلتفعل النفسُ الجميل لأنه               خير وأحسن لا لأجل ثوابها

وفي الخير الأخلاقي يقول:

ولا تجلسْ إلى أهل الدنايا                       فإن خلائق السفهاء تعدي.[55]

ويزيد قائلاً:

لا تسدينَّ قبيحاً إن هممتَ به            وافعلْ جميلاً فإن الخير يغتنمُ.[56]

ويقول في الغيريّة السامية التي صارت عند سعاده مبدأ هو: مصلحة الأمة فوق كل مصلحة:

فلا هطلتْ عليّ ولا بأرضي            سحائب ليس تنتظم البلادا.

لكن، وكما قلنا، يظل الفرق بين سعاده والمعرّي، حاسماً إذ أن المعرّي لم ينشئ، مثل سعاده، منظمة أو حزباً أو جمعية أو حركة لوضع إرادته الخيرَ موضع التطبيق والإشعاع في أوساط الشعب. لكن، الأرقّ بين جميع مشاعر المعرّي الغيريّة نشعر به في بعض أبيات إحدى مرثيّاته، حيث يقول:

صاحِ، هذي قبورنا تملأ الأرض فأين القبور من عهد عادِ

خفِّف الوطأ ما أظنّ أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ

وقبيح بنا وإنْ قَدُمَ العهد هوانُ الآباءِ والأجدادِِ

طِرْ إسطَعْتَ في الهواء رويداً           لا إختيالاً على رفات العبادِ

فكأني به يرى بعين قلبه المحبّ خلَلَ تراب الوطن أحداقَ أجيال شعبه الماضية متلألئةً، وقلوبهم خفّاقةً، لذا، هو العار كل العار دَوْسُها.

وعموماً، نحن نرى، فيما تقدم، بالإضافة إلى الصدق، ان المعرّي كان يعاني أقصى درجات الإحباط والتشاؤم والشعور بالمحدوديّة وبالعجز عن فعل شيء. فكل الناس، وهو واحدهم، في نزول. وهنا نتذكر قوله:

توهمتُ خيراً في الزمانِ وأهله          وكان خيالاً لا يصحُّ التوهُّمُ

فما النور نوّارٌ ولا الفجر جدولٌ         ولا الشمس دينارٌ ولا البدر درهمُ

في مقابل ذلك، نسأل، كيف كان سعاده يرى نفسه؟ يقول: "لو لم أكن أنا نفسي، لوددتُ أن أكون النسر المحلّق في الجوّ الفسيح، لا تطول به الأبعاد كما تطول بذي الجناح القصير....."

"لو لم أكن أنا نفسي، لأحببتُ أن أكون جندياً قد دعاه الواجب القومي والحب الوطني إلى الزحف مع غابات الأسنَّة البارقة تحت أشعة الغزالة تتقدمها الرايات والألوية....."

"لو لم أكن أنا نفسي، لوددت أن أكون هذه الآمال الكبيرة، العالقة بها أنفس ملايين البشر...."

"لو لم أكن أنا نفسي، لأحببت أن أكون هذا اللغز النفسيّ الغريب بمتناقضاته، العجيب بمتلائماته، الرهيب بأسرار قوته، الباهر ببساطته، هذا اللغز المتحجب في داخلي بحجب الخفاء حتى ينجلي عن شعبٍ مؤلف من ملايين الأنفس الحيّة يخطو إلى الأمام خطوات الفلاح، عن أمةٍ ستعود إلى الحياة وتثبُ للمجد!

"لو لم أكن أنا نفسي لأردت أن أكون أنا نفسي"!.[57]

رابعاً: ومن مظاهر تقدير سعاده للمعرّي إشارته إليه، بل استشهاده بأحد أبيات شعره الذي وجد فيه علاقة، أو بعض علاقة، بالعلم. يقول سعاده في كتاب: نشوء الأمم: "أثبتتْ العلوم الطبيعية على اختلافها أن الحياة أقدم كثيراً مما قال به التعليل الديني، وأن الأنواع من حيوانٍ ونباتٍ متّصلة اتصالاً وثيقاً ينفي مبدأ الخلق المستقل. وفوق كل ذلك أثبتت الكيمياء وحدة العناصر التي تؤلف ما هو عضوي وما هو غير عضوي، فيكون ما ذهب إليه الفيلسوف السوري الكبير أبو العلاء المعرّي من ارتباط الحيوان بالجماد رأياً يتفق كل الاتفاق مع نتائج المدرسة العلمية:

والذي حارت البريّةُ فيه                 حيوانٌ مستحدثٌ من جماد.[58]

ونضيف إلى ما قال سعاده ما يلي مما له علاقة بالفكرة ذاتها، يقول المعرّي:

تعود إلى الأرض أجسادنا               وتلحق بالعنصر الطاهرِ.[59]

ويقول أيضاً:

أرى الأشياء ليس لها ثباتُ              وما أجسادنا إلا نباتُ.[60]

خامساً: وقد لفتني استخدام سعاده لفكرة "السجون" لتشبيه حال الوطن أو كيانٍ من كياناته عندما يكون محكوماً بالإرادة الأجنبيّة ثم يُعطى استقلالاً شكلياً. وهي الفكرة ذاتها التي كان المعرّي قد استخدمها في شعره في قوله:

إذا عُدَّت الأوطان في كل بلدةٍ           لقومٍ سجوناً، فالقبور حصون.[61]

وسعاده أيضاً، ومستفيداً من فكرة "السجون" القويّة، يقول في بعض الخطاب الذي ألقاه يوم عودته إلى الوطن في 2 آذار عام 1947 بعد غياب قسري لمدة تسع سنوات:

"أيها القوميون الاجتماعيون،

أريد أن أمثل لكم تمثيلاً يشبه حقيقة حالة الاستقلال الذي نحن فيه. أريد أن أخاطبكم بتشابيه السجن. وإذا لم يكن كثيرون منكم دخلوا السجون ليعرفوا التشابيه التي أوردها فلعلّ الكثيرين منكم قد عرفوا شيئاً بالسماع.

في حالة الاستقلال الحاضرة، خرجت الأمة من "القواويش" التي كانت فيها. خرجت الأمة من الحبوس في داخل البناية التي أعدّها لها الاستعمار، ولكنها حتى الآن لا تزال ضمن السور الكبير الذي يحيط ببيانات السجن. نحن الآن خارج "القواويش" ولكننا لا نزال ضمن السور. الأبواب مفتوحة، التي إلى الداخل، أمّا التي إلى الخارج فلا يزال عليها السجّانون وهم دائماً منا في الغالب". إلى أن يقول: "غيرنا يريد للأمة هذا المصير، أما نحن فلا تخدعنا الظواهر ولن نقصد في الحياة لعباً".

ويتابع قائلاً: "إن جهادنا يستمر ويجب أن تذكروا دائماً أن فلسطين السوريّة، أن هذا الجناح الجنوبي مهدَّد تهديداً خطراً جداً. إن إرادة القوميين الاجتماعيين هي إنقاذ فلسطين من المطامع اليهوديّة ومشتركاتها". [62]

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية التي لم يعجبها نصّ الخطاب أصدرت مذكرة توقيف بحق سعاده استمرت سبعة أشهر ثم سحبت لتبدأ المرحلة الأخيرة من المؤامرة الرسمية على سعاده وحزبه التي نجحت بعد حوالي سنتين بالقبض عليه وإعدامه في الثامن من تموز عام 1949.

لكن فكره ما يزال يتردَّد في عقول وقلوب تلامذته وأعضاء حزبه والذين عرفوه، ذلك الفكر الذي يلخصه المبدأ الأساسي الثامن:

"مصلحة سورية الأمة والوطن فوق كل مصلحة" ويلخصه قوله:

"إن الحياة تعني لنا وقفة عز فقط".[63]


هوامش



[1]  أنطون سعاده. مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته، ص 47 - 50. وكذلك: المحاضرات العشر، ص 104 - 110.

[2]  يمكن أن نضيف إلى ما ذكرنا عن أهمية ذكر التراث الثقافي ومبدعيه، القصة الآتية: كان الرفيق جبران مسوح قد بدأ يكتب في جريدة الحزب في أميركا اللاتينية، إبّان الحرب العالمية الثانية، بعد أن سمح له سعاده الذي كان مقيماً هناك إقامة قسرية، بهدف تربيته ليصبح من كتاب الحزب. وفي إحدى مقالاته، وجد سعاده أن ذلك الرفيق طمس اسم أحد المفكرين السوريين، فلم يذكره. فما كان من سعاده إلاّ أن استدعاه وقال له: يا رفيق جبران، إذا كنت تطمس ذلك المفكر ناسباً أفكاره لك، وكانت هذه هي القاعدة التي تريد أن تربّي الأجيال عليها، فسيأتي في المستقبل من سيطمس اسمك ويسرق أفكارك، وهكذا. وتكون النتيجة هي أن أمتنا ليس فيها مفكرون مبدعون، وأنها أمة روحها صفر كبير! طبعاً خجل الرفيق وصحح مقاله. ولكنه بعد مدة طرد من الحزب لسرقته أموالاً من المحل التجاري الصغير الذي اضطر سعاده لتأسيسه بواسطة مال اقترضه من أهل زوجته. وبعد ذلك صار سعاده يشير إلى ذلك الرفيق الذي خان الأمانة العلمية ثم الأمانة الأخلاقية، في كتابته عنه "بالرفيق المحتال" جبران مسوح!

[3] تجدر الملاحظة، أن أحد الفلاسفة الأميركيين المحدثين ألَنْ دوناغن Alan Donagan، خلافاً لما حصل من إهمال دراسة فلسفة زينون من قبل معظم زملائه في بلاده، يعترف بأن "الرواقيين وليس أرسطو ولا أفلاطون، كان لهم الفضل بوضع أول تعريف واضح ومعقول للأخلاق" بمبدأهم العالمي:

Alan Donagan. The Theory of Morality, The University of Chicago, Chicago and London, 1977, p. 4.

[4] تجدر الملاحظة أن Epictetus أطلق سراحه بعد وفاة الإمبراطور الروماني نيرون في عام 68 بعد الميلاد.

[5] Epictetus, Discourses, Trans. By George Long, Appleton Co., New York, 1900, BK. II, ch. 5, p. 105.

[6] Marcus Aurelius, Meditations, Trans. By Maxwell Stantforth, Penguin Books, Baltimore, Maryland, 1967, BK. II, Par. 1.

[7] Epictetus, Discourses, BK. IV, ch. 11, p. 364.

[8]<