|
الصراع مسألة مرافقة للوجود، وخاصة الوجود الإنساني، حيث تتباين المفاهيم والمصالح، فهو حاصل في المجتمع الواحد، وما بين المجتمعات مع بعضها. ففي المجتمع الواحد يحصل الصراع بين المفاهيم والأفكار والعقائد السائدة فيه، وما بين مصالح مكوناته، إلى أن يستقر المجتمع إلى مفهوم وحدة المصالح فيه، ووحدة اتجاهه ونظرته إلى الحياة والوجود، وسيبقى إلى ما بعد ذلك إذا كان المجتمع ساعياً إلى التقدم والنمو والارتقاء. والحركات التي تسعى للنهوض بالمجتمع وارتقائه، ترتكز فيما ترتكز إليه، إلى فكرة الصراع بين نظرتها إلى المجتمع وبين نظرات سائدة في المجتمع، إما مستكينة إلى الأمر الواقع، أو عاملة لمصالح وأفكار جزئية فيه، وهي بما تطرح من مفاهيم وأفكار متباينة مع ما هو سائد تكون اختارت الصراع معه لتحقيق أفكارها ومفاهيمها ومقاصدها في الحياة. والحركة القومية الاجتماعية بالأفكار والمفاهيم التي جاءت بها كانت منذ البداية حركة صراع مع كل ما يعرقل نهوض المجتمع، ففي خطاب أول آذار عام 1944 يقول سعادة: «نحن القوميين الاجتماعيين منذ نشأنا فكراً جديداً وحياة جديدة وجهتهما ذروة الشرف والمجد يصارعان فكراً قديماً وحياة قديمة حضيض اللوم والذل». ومسألة الصراع في المفهوم القومي الاجتماعي مترافقة مع حيوية الحركة إذ لا حركة بلا صراع، صراع القيم مع المثالب، وصراع الحق مع الباطل، وصراع الحرية ضد العبودية، وصراع التقدم والارتقاء ضد الجمود والتخلف. إذ يقول سعادة في خطابه السابق: «لو لم نكن حركة صراع لما كنا حركة على الإطلاق، لا تكون الحياة بلا صراع، تنمو الحياة بقوة، تتحرك وتفعل، تصارع ما حولها لتثبت ذاتها، فإذا تنازلت عن الصراع تنازلت عن الحرية، وتنازلت عن الوجود وحق الحياة».
ولأن الحركة حركة صراع مؤمنة بمقاصدها وأغراضها وغايتها لإيجاد مجتمع أفضل وأجمل وأكمل، فإنها استطاعت في صراعها أن تتغلب على الصعوبات التي تعترضها، وعلى مظاهر الفساد والانحطاط التي تعوق تقدم المجتمع ونموه، وتحقيق مطالبه العليا، وفي خطابه السابق يقول سعادة: «لم تولد الحركة جثة هامدة، ولا اختلاجة زائلة، بل نشأت صراعاً لإقامة نظام جديد وحياة جديدة. نحن نصارع دائماً في سبيل تحقيق غايتنا، وكلما تراكمت علينا الصعاب تجددت قوانا وسحقت ما اعترضنا من صعاب، هكذا تغلبنا على اليأس والقنوط، وهكذا تغلبنا على المفاسد والانحطاط». ويتابع في الخطاب ذاته فيقول: «نشأنا حركة صراع وسرنا في الصراع ولا نزال نسير في الصراع وإن الصراع لم ينته، وهو ليس بمنتهٍ انتهاء كلياً أبداً. إننا قد قطعنا أشواطاً، ولكننا لم نصل إلى النتيجة العظيمة التي نسير ونقترب إليها. وهذه النتيجة لا نهاية لها مطلقاً، فكلما وصلنا إلى قمة منها امتدت بنا قدرتنا إلى قمم نحن جديرون ببلوغها وبالسير إلى ما ورائها».
ولأن الحركة حركة صراع يرى سعادة أنها استطاعت أن تجابه ما اعترضها وأنها قادرة على مجابهة ما يعترضها في المستقبل، فيقول في مقالته (لا مفر من النجاح) عام 1949 في الجزء السادس عشر من أعماله: «لم تجابه الحركة القومية الاجتماعية معضلة في الماضي إلا وخرجت ظافرة ولن يعجزها في المستقبل ما لم يعجزها في الماضي، إنها حركة صراع لأنها حركة حرية، وحركة انتصار لأنها حركة حق».
وبإدراك سعادة أن نهضة الأمة تحتاج إلى قضية عظمى تتناول شؤون الحياة كافة، وحركة تصارع لبلوغ هذه النهضة، فإنه حدد قضية الأمة، وأنشأ الحركة الفاعلة للنهوض بها، وعبّر عن هذا الاتجاه في مقالته (لائحة العقاقير لا تصنع طبيباً) عام 1949، في الكتاب السابق فقال: «لا تنهض الأمم إلا بقضية كبرى عظمى كاملة ولا تنفعل من حياة إلى حياة إلا بحركة خلق تأسيسية شاملة جميع نواحي الحياة، بحركة شعبية تنشأ من صميم الشعب والأمة، تصارع بأمانة كلية لحقيقة الشعب وقضيته العظمى». ويرى سعادة أن الصراع في المجتمع الواحد هو صراع بين الأفكار والعقائد الناشئة لأجله والسائدة فيه لتحقيق مجتمع أفضل، وهو امتحان لها، فإما أن تنتصر أو تُخذل.
فيقول في مقالته (الحق والحرية) عام 1947 الجزء الرابع عشر من آثاره: «الحرية ليست حرية العدم، بل حرية الوجود، والوجود حركة. هي حرية الصراع - صراع العقائد في سبيل تحقيق مجتمع أفضل، ولا معنى للحرية وراء ذلك».
ويتابع في المقالة ذاتها، فيقول: «الصراع امتحان للعقائد والقيم، هو امتحان للنفوس، ونهايته هي دائماً: غالب ومغلوب». وكذلك يرى أن تحويل مجرى حياة الأمم لا يكون دون صراع، والحركة القومية الاجتماعية التي جاءت بعقيدة تغيير مجرى حياة الأمة، هي حركة صراع بين ما جاءت به وبين ما هو سائد في المجتمع، فيقول في مقالته (استقلال سورية على ضوء الحوادث السياسية الأخيرة) عام 1941، في الجزء الثامن من آثاره: «هذا الاصطدام طبيعي، والتاريخ يعلمنا أن تحويل مجرى حياة الأمم لا يكون بدون صراع بين دوافع الاتجاه الجديد وأثقال الوضع القديم».
وفي مفهوم الفكر القومي الاجتماعي للصراع، فإنه كما هو صراع في المجتمع لتحقيق الحالة الأفضل فيه، فإنه أيضاً صراع بين المجتمعات، والأمم، وبينما هو في المجتمع صراع أفكار ومبادئ وعقائد، فإنه صراع مصالح بين الأمم، ولا يثبت المجتمع في صراعه من أجل مصالحه ووجوده إلا بإدراكه وحدة مصالحه، ووحدة وجوده وبانتصاره على ما يعرقل وحدة مصالحه ووجوده، وحتى يستطيع المجتمع أن يثبت في الصراع لابد أن يكون مهيئاً في بنائه لخوض هذا الصراع. وعلى الرغم من أن الفكر القومي الاجتماعي قدّم بديلاً لهذا الشكل من الصراع المدمر للمجتمعات، بوضعه نظرية التفاعل بين المجتمعات لتحقيق مصالحها المشتركة فيما بينها، فإن الحركة القومية الاجتماعية أدركت أن واقع الصراع الحالي هو واقع تنازع الأمم على موارد الحياة، وليس أمام المجتمع إلا أن يكون مستعداً لهذا النمط من الصراع، فيقول سعادة في مقالته (نداء إلى الجالية السورية في البرازيل) عام 1934، في الجزء الثاني من آثاره: «إن هذا العصر الذي نعيش فيه والذي سيعيش فيه أولادنا، إنما هو عصر تنازع الأمم، عصر تتقيد فيه الأفراد والجماعات بمصير أممها، فإذا كانت الأمة ناهضة، راقية، متقدمة في ميدان الحياة كان لأفرادها وجماعاتها مقام وكرامة على نسبة ذلك»، فالأمة التي تعتمد على نفسها تستطيع أن تثبت في ميدان الصراع الدائر، وإلا يكون مصيرها السقوط وربما الزوال، وأحداث التاريخ تشهد على زوال أمم وجماعات لم تستعد للنزاع، أو أنها اعتمدت على غيرها للحفاظ على وجودها ومصالحها، وفي هذا الشأن يقول سعادة في مقالته السابقة: «إن أول اعتماد الأمم في الحياة على نفسها، وفي النزاع الهائل سيكون الاعتماد على النفس فصل الخطاب، فالأمم التي اعتمدت على نفسها وتجهزت بما يدافع عن كيانها بقيت وفازت. والأمم التي علقت آمالها على المغامرة والمضاربة في الشؤون السياسية معتمدة على قوة ليست في قبضتها، وواضعة نفسها في تدبيرات خارجية، سقطت وتلاشت».
ولما كان الصراع بين الأمم لتحقيق مصالحها، والذي يتخذ شكل نزاع وحروب مدمرة، ويميز هذا العصر بشكل نافع، فإنما هو استمرار لتاريخ النزاعات بين الدول والجماعات، لذلك يرى سعادة أنه وفق هذا النمط السائد لابد للأمة أن تتهيأ لمواجهته، مع نظرته أن هذا النزاع المدمر لا يحل مشكلة العالم، ولا تحل هذه المشكلة إلا بنظرية التفاعل التي قدمها الفكر القومي الاجتماعي للعالم، فيقول في مقالته (توسع ألمانيا) عام 1939 في الجزء السادس من آثاره: «إن تاريخ البشرية هو تاريخ نزاع الشعوب على خيرات الأرض ومنتجاتها، هو تاريخ تطاحن الأمم تطاحناً هائلاً على أسباب المعاش، هو تاريخ حركات السلالات المختلفة التي لا تستقر على حال». وفي مقالته (نداء الزعيم إلى الأمة السورية) 1939، في الكتاب السابق، يقول: «إن الظروف المحيطة الآن بأمتكم هي ظروف فاصلة، إنها ظروف صراع بين الحياة والموت بالمعنى الحرفي، وفي ظروف هذا الصراع لا يمكن أن تقدر قيمة اغتنامها بالمقادير العادية، ولا أن تقاس نتائجها بالمقاييس الخصوصية».
وعلى الرغم من مضي أكثر من نصف قرن على دعوة سعادة لإنشاء علاقات دولية وفق نظرية التفاعل التي وضعها، فإن النزاع بين الأمم لازال على نمطه التاريخي، وأصبح أكثر عنفاً بما تمتلكه الأمم من وسائل التدمير والإبادة، وأصبح الاستعداد للمواجهة أكثر ضرورة وإلحاحاً، فما هو حاصل الآن ليس نزاعاً على الموارد فقط، إنما يستهدف إبادة شعوب، وجماعات، وتفتيت دول أو إلغاءها من الوجود، ولا يمكن للمجتمع المستهدف أن يثبت في هذا الصراع إلا إذا تغلب على تناقضاته الداخلية أولاً، ووحد اتجاهه للمجابهة الهجمة التي تحمل معها إرادة ووسائل التدمير والإبادة، وفق اتجاه لم يسبق له مثيل في التاريخ. لذلك وأمام هذا النمط من النزاع ليس لنا إلا أن نثبت في ميدان الصراع، بما يمكن أن نهيئ أنفسنا له.
* نشرت في العدد رقم 384 من "البناء" الدمشقية .
|