من جنين وقباطية حتى طولكرم وصولا لنابلس واصلت قوات الاحتلال ملاحقة القائد العسكري لسرايا القدس المطلوب رقم واحد لاجهزة الامن الاسرائيلية طارق جمعة احمد ابو غالي حتى تمكنت من تنفيذ تهديداتها لعائلته بتصفيته فنحن لا نريده حيا قالت والده هذه الكلمة كان يرددها ضباط المخابرات على مسامعنا في كل عملية مداهمة لمنزلنا بحثا عن طارق وبعد التنكيل والتخريب والتحقيق كانوا يتركون رسالة تهديد مختلفة ففي احدى المرات قالوا لي سنعيده لكم جثة لا نريده حيا فقتلوه قاتلهم وقتلهم الله بدم بارد ليؤكدوا ان هذا المحتل لا يعرف سوى لغة القتل والاجرام .
لحظات عصيبة
والوالدة هند ابو غالي التي تجاوزت العقد الخامس لم يغمض لها جفن ليلة الاثنين وفجر الثلاثاء حتى قبل ان يصلها الخبر وتقول بعد ان غفوت لبضع دقائق نهضت مذعورة من نومي وشعرت باختناق لان قلبي شعر ان طارق الذي اتمكن من مشاهدته منذ عامين يعيش في ضيق واحسست انه محاصر وامضيت انتظر شروق الشمس بين الصلاة والدعاء وفي الصباح علمت انهم نفذوا جريمتهم النكراء لقد تمكنوا من طارق الذي قض مضاجعهم ودب الرعب في صفوفهم على مدار عامين نجا خلالها من عدة محاولات اغتيال ولكن في الايام الاخيرة التي مرت اشتدت حملة الملاحقة له وتعرض منزلنا لعدة عمليات دهم فشعرت بمدى الخطر المحدق بحياة ابني الذي حرموني منه وقتلوه في ريعان الشباب .
عناق الوالدة
لم تبكي الوالدة الصابرة تلبية لوصية طارق كما تقول فقد كان دوما يحثنا على الصبر في مواجهة البطش الاسرائيلي وعندما كان يعلم بما نتعرض له من ممارسات ورغم انه لم يتمكن من الوصول الينا بسبب الرقابة المشددة التي تفرضها قوات الاحتلال على منزلنا كان يبعث لنا رسائل لرفع معنوياتنا وشد ازرنا وعزيمتنا فكنا نستمد منه القوة والارادة وها انا اعانقه شهيدا بعدما لم اتمكن من عناقه حيا , وكانت اصعب اللحظات بالنسبة لعائلة ابو غالي عندما دخل جثمان طارق لمنزله لوداعه فلم تتمالك الوالدة والقت نفسها فوق جسده تقبله وتودعه وهي تكتم دموعها وتقول مبروك عليك الشهادة تمنيتها ونلتها اللهم تقبل شهادته وودع الشهيد بالزغاريد رغم اجواء الحزن التي عمت العائلة على رحيله .
بيت التهنئة
وفي بيتها في الحي الشرقي في مدينة جنين الذي تزين بصورة الشهيد جلست الوالدة تستقبل المهنئين وقالت انه يوم عرس وزفاف طارق فلن نبكي او نحزن لانه كان حريص على عدم بكائنا يوم شهادته وفي لحظة وداعه كما اوصانا بفتح بيتنا لاستقبال المهنئين بشهادته ورفض العزاء واضافت خلال مطاردته لم اتمكن من مشاهدته سوى مرات محدودة وقد كنت شديدة القلق والخوف على حياته من تهديدات الاحتلال فطلبت منه الحذر فكان يقول لي الله معنا ونحن اصحاب مشروع جهاد ورسالة مقدسة فلا نخاف ولا نخشى سوى الله وتضيف مع اشتداد حملة ملاحقته عرضت عليه الزواج فرفض وقلت له اريد ان ازفك وافرح بك عريسا فقال لا تحزني ياامي باذن الله سيكون لي يوم عرس وزفاف مشهود لن تنسيه لا اريد سوى الشهادة شهادتي هي امنيتي وفرحي وعرسي وبالفعل كان يوم استشهاده مشهودا ولن انساه ولا نملك سوى الترحم على روحه الطاهرة والدعاء لله ان يتقبله شهيدا فكان حديثه كما يقول رفاقه في سرايا القدس دوما عن الجهاد والشهادة التي كان يتمناها في كل عملية مواجهة مع قوات الاحتلال كان في صلاته وجهاده يدعوا الله ان يرزقه بالشهادة فجاهد وحمل الراية حتى استشهد .
صفحات من حياة الشهيد
وتنحدر عائلة الشهيد ابو غالي من قرية الحرم الواقعه قرب مدينة تل ابيب كما يروي والده جمعة ابو غالي حيث شردت بعد نكبة عام 1948 الى مدينة غزة واستقرت هناك حتى نكسة حزيران عام 1967 حيث اعتقلت - والده - من قبل قوات الاحتلال وحوكمت بالسجن لمدة 5 سنوات بتهمة مقاومة الاحتلال كما اعتقل والدي جد طارق لفترات مختلفة خلال عامي 67 و68 وبعد الافراج عني توجهت مع عدد من اقاربي للضفة الغربية واستقرينا في مدينة جنين حيث رزقت بثماني ابناء والشهيد طارق ولد ودرس وتربى وعاش مع اسرتنا في جنين وكان الثالث في ابنائي .
عندما اندلعت انتفاضة الاقصى يقول الوالد لم يتاخر طارق عن تلبية النداء فانخرط بشكل سري في حركة الجهاد الاسلامي وبدا يمارس دوره الجهادي في مقاومة الاحتلال الذي اعتقله لمدة عام ونصف تجربة الاعتقال رسخت كما يقول رفاقه من انتماءه في حركة الجهاد واستفاد من رحلة الاعتقال في دراسة الحركة ونشاتها وتاريخها حتى اصبح من ابطالها الذين يحملون روح الاستشهاد والجهاد حد الشهادة فما ان غادر السجن حتى عاد لممارسة نشاطه وانخرط في سرايا القدس التي اصبح من مقاتليها الاشداء والمجاهدين فكان دوما في مقدمة الصفوف يقاوم ويجاهد من معركة لاخرى ومن موقع لاخر يطارد الاحتلال من الحي الشرقي في جنين الى مخيم جنين وقباطية .
المطاردة
خلال ذلك بدات قوات الاحتلال بملاحقة طارق ويقول والده قبل عامين بدات رحلة الملاحقة لطارق اقتحمت قوات الاحتلال منزلنا ودمرت محتوياته وعندما لم تجده هددونا بتصفيته اذا لم يسلم نفسه ولكن طارق رفض الاستسلام واصر على حمل لواء السرايا رغم اشتداد الهجمة على اسرته ويضيف والده اصبحت قوات الاحتلال لا تفارق الحي الذي يقع فيه منزلنا فالمداهمات ليل نهار اضافة للكمائن والمرابطة في المنازل المجاورة واحتلالها لايام وكان الجنود يجوبون الشوارع ويفرضون حظر التجول وهم يقولون سلم نفسك يا طارق ولكنه رفض كل دعوات الاستسلام وحتى عندما بدات ظاهرة العفو عن المطلوبين يقول رفاقه رفض تسليم سلاحه وقال سلاحنا حر وشريف وللمقاومة والجهاد ولن نتخلى عنه حتى بارواحنا ان ابناء السرايا مشاريع شهادة .
جهاد مستمر
لم تنال اجراءات وتهديدات الاحتلال من معنويات طارق كما يقول رفاقه الذي اصبح المطلوب رقم واحد للاحتلال الذي اتهمه بالضلوع في عدة عمليات استشهادية لسرايا القدس والشهيد كان يمضي كل لحظة في حياته في تعلم اشكال المقاومة والتفنن في مواجهة الاحتلال حتى اصبح افضل مصنع للعبوات الناسفة التي كانت مجموعات السرايا تستهدف بها اليات وجنود الاحتلال , وتحولت ساحات جنين وقباطية لمسرح لحرب العبوات الناسفة التي كان يتقن تصعنيها طارق فكانت الانفجارات تثير الرعب والخوف لدى جنود الاحتلال خاصة بعد اصابة عدد من الجنود والدوريات واصبحت العبوات سلاح المواجهة اليومي في مقارعة طارق للاحتلال الذي اصبح يحسب الف حساب لاي عملية توغل خوفا من تفجيرات العبوات فاشتدت حملات الاحتلال وبدات محاولات اغتياله ويقول رفاقه ان طارق نجا اكثر من 10 محاولات اغتيال وحوصر احيانا من قبل قوات الاحتلال ولكنه كان يشق طريق النجاة بتفجير العبوات التي ترعب الجنود ويتمكن من الافلات من قبضتهم فقد كان شديد الكراهية للمحتل ويحث رفاقه على الجهاد والشهادة ويحزن في وداع الشهداء ويتمنى لقاءهم وسباقهم للقاء رفاقه من الشهداء في معارك السرايا من قادتها امثال حسام جرادات ووليد عبيدي اللذين تتلمذ على يدهما .
عقوبات
وتعرض سكان الحي الشرقي حيث ولد وعاش وجاهد طارق لشتى الاجراءات العقابية من الاحتلال وقال الاهالي ان الجنود كانوا يقتحمون المنازل وينكلون بنا ويهددون باقسى العقوبات لكل من يقدم المساعدة لطارق واصبحت المداهمات لا تتوقف في كل لحظة وفي احدى المرات يقول والده استمرت عملية الاحتلال في الحي اربعة ايام ومرة اخرى يومين واحيانا كانت العمليات تتلاحق لاكثر من 12 ساعة وفي كل مرة تخريب وتكسير وتحقيق اضف لذلك الاعتقال فقد اعتقلت قوات الاحتلال ابني احمد لمدة عام اداري للضغط على طارق لتسليم نفسه ومع اشتداد الهجمة اعتقلوا قبل ايام ابني رمزي 32 عاما وقالوا لنا لن يفرج عنه حتى نتخلص من طارق ويضيف الوالدة منذ مطلع الشهر الجاري تعرضنا لاقسى واشد الحملات حتى لم يكد يمضي يوم دون مداهمة وفي اخر عملية قبل ايام لم نكد نفرح بالافراج عن ابني احمد حتى اعتقل رمزي وهو متزوج ولديه خمسة اطفال للانتقام من عائلتنا ولممارسة الضغوط عليها .وتقول مصادر فلسطينية ان تكثيف الحملة الاسرائيلية ضد طارق بعد تسرب انباء عن نيته توجيه ضربة جديدة للاحتلال وتنفيذ عملية استشهادية وبعدما رفض تسليم سلاحه والتوقف عن المقاومة واعلن رفض سرايا القدس لهدنة جديدة مع المحتل في الضفة الغربية فرغم ما تعرضت له عائلته واعتقال شقيقه كان يصر على المقاومة
وامام اشتداد الهجمة التي حرمت طارق مشاهدة عائلته اضطر للتنقل بين قباطية وجنين وطولكرم ولكنهم يقول رفاقه ضيقوا عليه الخناق مع عدة عمليات بطولية نفذها في ارجاء مختلفة من جنين وتفجير العبوات الناسفة مما اضطره للانتقال لمدينة نابلس ولكن الاحتلال استمر برصده وملاحقته حتى تمكنوا من اغتياله بدم بارد .وارتبط الشهيد بعلاقة وطيدة مع رفاقه في سرايا القدس قبعد اغتيال رفيق دربه بلال كميل قائد السرايا في قباطية وقبلها اغتيال رفيقه في الجهاد وليد عبيدي قائد السرايا في الضفة سارع لتشكيل مجموعات شهداء الثار للسرايا والتي قادها في عدة هجمات على اهداف عسكرية فكان يصنع ويلقي العبوات ويشارك في الاشتباكات المسلحة والسلاح لا يفارقه وهو ينتقل من موقع لاخر في مقارعة المحتل وطلبا للشهادة .
طارق حي
ومثلما هتفت جماهير جنين في وداعه طارق حي لم يموت مستصرخة السرايا الرد والثار ومواصلة درب الجهاد فان والدته عانقت صورته الاخيرة التي التقطها قبل استشهاده وهو يتوشح سلاحه وقالت نعم طارق حي لن يموت ومثلما كان شوكة في حلوقهم حيا فانه سيعيش نارا فيهم تشتعل للابد لتؤكد ان الشهداء احياء واننا نفخر ببطولات وتضحيات وشهادة طارق واملنا ان يتمسك الجميع بعهده ورايته حتى يتحقق حلمه وحلم فلسطيني في تحرير ارضنا والعودة لاراضينا التي اغتصبت عام 48 انه حلم طارق الذي لن نتخلى عنها وقال والده انني فخور بكل معنى الكلمة بابني الذي جاهد من اجلنا جميعا واستشهد في سبيل حريتنا التي لن نتنازل عنها خاصة بعدما تعمدت بدماءه الزكية التي تفوح منها روائح المسك ومعاني العظمة التي يمثلها الشهيد فنم قرير العين يا طارق لان كل ابناء شعبك لعهدك حافظون ومبروك عليك الشهادة .
جنين-علي سمودي
|