تكاد الستون تنقضي على اغتيال المواطن أنطون خليل سعادة على ايدي الحكام في لبنان وبالتعاون مع الحكام في الشام ولكن الافكار الفلسفية الاجتماعية التي طرحها هذا المواطن ما زالت حية وقابلة للتطور في حياة الأمة السورية أكثر.
تقول هذه الأفكار ان الانسان موجود في مكان ما، مولود من أهل معينين، يحمل في ذاته موروثين. الأول موروث معرفي تراكمي منذ آلاف السنين عبر خبرات اهله وأجداده وهو موروث دفين فيه، والثاني موروث بيولوجي ـ بسيكولوجي من أهله المباشرين وأعمامه وعماته او أخواله وخالاته تتمثل في اللون والحجم والطباع.
الشكل الذي يتمظهر فيه الانسان أمام المجتمع هو من الموروث الثاني، الشكل الذي تتفاعل فيه الأمور وتنبثق الرؤية الابداعية انما هي من الموروث الأول وعليه فالسنوات الأولى التي تتمثل بالتفاعل والتأقلم هي من الموروث الثاني أما ردات الفعل العفوية التي تنبع من الداخل ومن ثم ردات الفعل التي تأتي بعد نضج العقل الواعي تجاه المؤثرات والافكار فهي تأتي من الموروث الأول، وبعض الناس تتفوق فيهم ذكريات الموروث الأول على الموروث الثاني وهذا له تفاسيره الكيموبيولوجية.
الموروثان ليسا خارجين عن البيئة، والبيئة تلعب دورا كبيرا ان على مستوى الموروث الأول او الثاني لأن الأول هو موروث الجماعة منذ نشأتها على أرضها.
والثاني موروث الفرد في محوراته وتفاعلاته القريبة ضمن ارض ايضا فالارض او البيئة لا تعني فقط الأرض الجغرافية بل بكل ما تحويه من حرارة وبرودة وطعام وحيوان فهذا كله يدخل في التركيب الجسمي والعقلي والذهني والنفسي ايضا.
منذ بدأ الوعي الانساني وعى اولا ذاته من خلال احاسيسه الادراكية ومن ثم راح يعي ما حوله من خلال تفاعل حواسه معها ثم انتقل من الحواس الى الاحساس أي تلك التي تتجاوز الكيمياء الى الفيزياء ومن ثم وصل الى الحدس حيث راح يفكر ويتنبأ نتيجة الملاحظة الاستقرائية فالغيم صار يجعله يتنبأ بالمطر وطلوع الشمس جعله يتنبأ بنهار قد طلع وحشرجة انسان امامه جعلته يتنبأ عنه بالموت.
ان تطور هذا الحدس ناتج عن زيادة الخبرات المعرفية وهذا يحتاج الى زمن طويل، لذا فالشعوب القديمة التي تطورت ونمت في مناخات طبيعية متوسطية شكلت الوضع الأمثل لشعوب العالم وبالتالي فخبراتها كانت الأفضل لذا حققت حضارات وسجلت ابداعات تجاوزت سواها وهذه الابداعات تمثلت في حقول التقنيات الحياتية والفنون والثقافة الطقوسية الدينية. وهذه الحضارات بسبب تفاعلاتها مع بعضها البعض الصراعية لأن الصراع هو الوجه الأبرز للتفاعل حتى الحب لا يخلو من صراع بل هو الوجه الايجابي للصراع بقدر ما القتل هو الوجه السلبي له، فإن النتيجة كانت تدميرا لبعضها البعض بالشكل لكن كل فرد من أفراد أمم هذه الحضارات ما زال يحمل في داخله الوعي الحضاري أي ان الجوهر باق راسخ لا يضيع.
الحضارة لتقوم تحتاج الى لزومين: الأول الوعي التراكمي للفرد والوعي التفاعلي للجماعة. وبقدر ما يمكن للفرد ان يشكل انعطافا في مسيرته مع الجماعة بقدر ما الجماعة ترسم خطها التفاعلي مع البيئة والأفراد. لذا فالوعي الجمعي أقوى وأشد من الوعي الفردي ولا يمكن للوعي الفردي ان يغير في الوعي الجمعي الا اذا كان صوتا نبويا صارخا خارجا عن المألوف متمتعا بمؤهلات غير عادية.
الوعي الجمعي وبفعل ابداعات افراده يكوّن متحدا اجتماعيا قوامه الأرض والثقافة الابداعية مما يعني عمليا نشوء أمة. والأمة الأعظم تلك التي تكون ارضها خصبة أكثر، استراتيجية في موقعها العالمي أكثر، انتاجها أكبر، تلاحمها أعظم، ابداعاتها اغزر. وقد تطابقت هذه الصفات مع الأمة السورية. وإذا كانت الأصوات النبوية قادرة ان تغير في مسارات الأمة فالأمة هي الرحم الأساس الذي ينجب هؤلاء الأفراد.
سعادة كان فردا ولده رحم الأمة السورية يحمل طاقات هائلة اهلته ليكون صوتا نبويا صارخا فيها.
فلسفة الزعيم انطون سعادة تتمحور حول مندرجات هذه المقدمة. وعى بكل بساطة عظمة الأمة، عظمة بيئتها الجغرافية، عظمة انجازات وعيها الجمعي الذي شكّل حضارات متمايزة متعاقبة، عظمة ابنائها لذا وضع قواعد لبناء أمة عصرية منطلقاتها النظرية الاجتماعية.
النظرية الاجتماعية عند سعادة قائمة على ثالوث مقدس قوامه اضلع ثلاثة: الجغرافية، القيم، الأمة.
أ ـ الجغرافية اساسية لأنها السبب الأول في تكوين الجسم ورسم حاجاته البيولوجية وأهمية اعتدال المناخ يلعب دورا كبيرا في رسم التوازن العقلي والابداعي لدى الانسان السوري وفي ذات الوقت فإن الجغرافيا تشكل سياجا امنيا كبيرا يتيح لأهل سوريا ان ينعموا بوفر من السلام والاطمئنان وهذا يساعد على قيام حضارات وابداعات في العلوم والفنون.
ب ـ القيم، وقد تبنى سعادة ثالوث القيم اليوناني الحق والخير والجمال لكنه اعتبر ان هذه القيم تبقى نظرية اذا لم يكن معها قيمة تحمي هذه القيم لذا اعتبر القوة قيمة رابعة وجسّد هذه القيم بواقعية مميزة من خلال الزوبعة وهي رمز الاله السوري هدد او اد أي العظيم او حدد او حد او أحد أي الاله الواحد ورمز أهميته الاربع انه يضرب في جهات الكون الاربعة. والحق عند سعادة مرادف للحرية اذ ان للانسان الحرية في ان يرى الحق من منظوره الخاص او ان يكون لكل جماعة رؤيتها للحق او ان يكون لكل زمان ايمانياته بالحق وكل نظرة شمولية للحق هي تعطيل لحرية النظرة للحق لذا كانت فكرة الدولة الدينية مناقضة لفكرة الدولة القومية عند سعادة.
أما الخير فهو يعادل الواجب لأن الخير ليس في معرفته بل في صنعه والقيام به ومن يعرف واجبه ولا يقُم به فهذا أسوأ من الذي لا يعرف.
ومن ناحية أخرى، فالخير ليس قرارا او اجتهادا شخصيا بل هو قرار المتحد الاجتماعي حيث يصبح خير الشخص ضمن حدود الخير العام للأمة.
أما الجمال فهو التناسق والتكامل بين المؤسسات وبين الأطر الروحية والمادية. لذا قال سعادة بالمدرحية حيث لا معنى لمفاهيم روحية مجردة بالمطلق ان لم تكن متمظهرة، ولا خير في مادة مجردة من الروح لأنها حيوانية، ان الانسان هو التمظهر الروحي والواقع المادي انه الانسان المتأنسن وهذا ما أعطى مفهوم الأمة بعدا روحيا عميقا جعل الشعور القومي ليس مجرد هوى عابر او مصلحة آنية انه ترسخ في العمق الانساني لانتمائه نحو وطن قومي. هذه القيم بحاجة لحماية لذا فإن القوة ضرورية وأساسية لحماية هذه القيم وإذا كان لا حق بلا حرية فالحرية لها قواعد وأصول تحميها قوة القانون والدولة، وإذا كان الخير هو الواجب القومي فهناك عقاب وثواب تنفذه أدوات الائتلاف الجمعي، وإذا كان الجمال تناسقا في الشكل والمضمون بين المؤسسات فهناك القوة الضامنة لها ولعل الأديان فطنت الى أهمية القوة فلا اله في أي دين الا وهو قوي جبار ولا التزام به دون ثواب وعقاب.
ج ـ الأمة، عندما تصبح الجماعة المتحدة على ارض تاريخية لها وقد تفاعلت الجماعة مع الارض وانتجت حقا وخيرا وجمالا فإن تكوين الدولة القومية يكون قد بدأ والعلاقة التفاعلية بين طرفي المعادلة قد أرست شعورا قوميا والارض السورية والانسان في متحده الاجتماعي السوري انتج أمة سورية كاملة مكتملة، هذا هو مشروع سعادة في اختصار شديد.
ومن هذا الثالوث نستخرج منطلقات الفلسفة الاجتماعية، أولها العلاقة الاجتماعية، ليست علاقة خوف دائم لأن الخوف يقتل الحرية والابداع وليست علاقة فوضوية لأن الافراد بمزاجيتهم لا يمكنهم تشكيل مجتمع قومي وليست علاقة هائمة بل منتظمة في المؤسسات. ومن هذا ايضا العلاقة بين الشاب والفتاة ليست علاقة عابرة الا اذا كانت رفقة طريق عابرة او زمالة منتهية، ولأنها علاقة جدية فهي يجب ان تنتظم في المؤسسات وأهمها مؤسسة العائلة لأن العائلة ركن أساس في المجتمع المتحد، وهي علاقة حرة ليس فيها تسلط طرف على آخر كي لا يقتل له حريته وشخصيته وابداعاته، وليست مزاجية ينهيها الطرف دون ارادة الطرف الآخر، والعلاقة بينهما علاقة غصنين من جذر واحد وأرض واحدة وتعانقها يفيض ثمرا انتاجيا من الحب والالتزام والائتمان، هما انسانان متحدان في متحد اكبر هو المجتمع القوي الذي يعيشان فيه، وبالتالي ليسا جسدين فقط لأن العلاقة ليست مجرد شهوة عابرة، وليسا علاقة طوباوية لأن الوطن ليس شعرا يقال بل انتماء متواصل وانتاج متتابع ومشاركة في الحضارة والبعد الكوني.
ومن الثالوث نستنتج ايضا ان الدين هو رؤية ايمانية للحق لكن لا يجب ان يكون شموليا ولا يجب ان يحل محل الشعور القومي ولا الرؤية القومية لذا كانت الدولة الدينية نقيض الدولة القومية وصراع الطوائف هو أكبر فوضى في المجتمع القومي ومن هنا فلا يجوز السماح لرجال الدين ان يسيطروا على عقول الناس ولا على اذهانهم ولا على جيوبهم حتى.
واعتبر سعادة ان الدولة الدينية عندما قامت في الاسلام كانت لتثبيت دعائم الدين وعندما ثبت الدين لم تعد هناك اية دواع لقيام دولة اسلامية.
ويرفض سعادة التفاضلية في الدين فالدين هو التسليم بأن الخالق أوجدنا وأوجد الكون وهو قابع فينا لذلك فإن القوة التي فينا هي عظيمة ولذلك ايضا فالدين الحقيقي هو الذي يخرج من الارض نحو السماء وليس هو الغيبيات التي يقول بها رجال دين هم أقرب الى الشعوذة منهم الى إعلان الايمانيات. وان الرؤية الايمانية مرتبطة تماما بالجغرافية الارض لذا فإن سعادة يعطي تفسيرا علميا واضحا عندما يشرح مقولته بين فروقات محمد والمسيح اذ الأول ظهر في بيئة صحراوية بدوية كان يجب ان يعلم الناس الصلاة والوضوء ويرسم لهم حيثيات امورهم اليومية في حين ان المسيح الذي ظهر في جغرافية متقدمة مزدهرة متحضرة كان طبيعيا ان يتكلم بالقيم بالحب بالشفافية بالرحمة بالتسامح بالوجدان.
والألوهة الكامنة في كل انسان تعي نفسها وعندما تعي الأمة نفسها تصبح هي نفسها حرة عظيمة ولأن الألوهة فيها فهي تحوي القيم.
يقول سعادة في المحاضرات »نحن جماعة مؤمنة بحقيقتها وطبيعتها واساسها لذا لا يمكن الا ان تكون فيها الحق والخير والجمال« والتسليم بأن الله خالقنا يمكن ان يكون بعدة طرق ومفاهيم ومنطلقات لذا يقول سعادة »ونحن نقول ان كل سوري هو مسلم لرب العالمين منا من اسلم الله بالانجيل ومنا من اسلم لله بالقرآن ومنا من اسلم لله بالحكمة وفي هذا يجب ان نتقي الله ونتجنب التأويلات الدينية«.
التربية الاجتماعية من هذه المنطلقات لا تعود تربية مزاجية خاضعة لارادة الابوين فقط بل هناك المتحد الاجتماعي الذي يعيش ضمنه ويتفاعل معه الابوان لذا فالضرورة القومية تستوجب تربية مدرسية ملتزمة بالوطن وبالشعور القومي والشبل الصغير الذي يعيش على ارض سورية يجب ان يتنشق هواء سوريا قوميا اجتماعيا ويأكل من ارض سورية قومية اجتماعية ليعش وليساهم في انماء بلده السوري القومي الاجتماعي ويدافع عن كل شبر من ارضه السورية القومية الاجتماعية. ان حياته واستشهاده ليسا من اجل اكتساب مكان في السماء او من أجل الحصول على حوريات مهما بلغ عددهن. انه يعيش ويموت من اجل وطن يعني له كل شيء ويعادل له حياته.
ان زرع أي شعور آخر غير الشعور القومي في نفس الانسان السوري هو جريمة في حق الوطن القومي وكل تفضيل أي قطعة او منطقة من أرض الوطن السوري القومي الاجتماعي عن غيرها هو انحياز غير مقبول وكل ارتهان لفئة او لطائفة على صالح الانتماء القومي هو جريمة في حق الأمن القومي. لذا فالمدارس عظيمة الأهمية ويجب ان تكون كلها مدارس قومية وكل مدرسة أجنبية في الوطن هي للأجانب في الوطن اما ابناء الوطن فحقهم على الدولة ان تكون مدارسهم على مستوى عظمة الوطن وعلى مستوى الالوهة التي يحملها أبناء هذا الوطن.
أما الدولة القومية فهي التي تترجم الجمال والتناسق فلا تواصل بل تعاون والحقائب الوزارية هي نعال يلبسها اشخاص نذروا انفسهم للشأن العام وعندما يكون الاقتصاد موزعا بين القوى الانتخابية كل على ما يعطي وكل بحق ما يأخذ لا تعود هناك مزاريب ولا محاسيب ولا مزارع سياسية او طائفية وهذا يستدعي تكاملا وتكافلا اقتصاديا بين مناطق الوطن السوري مما يطرح السؤال الدائم: هل النهضة السورية القومية الاجتماعية اولا ام ان الوحدة السورية القومية الاجتماعية هي الواردة لقيام النهضة؟
نحن من القائلين ان النهضة السورية القومية الاجتماعية لا يجب ان تنتظر الوحدة بل يجب ان تبدأ من مكان ما ولبنان مؤهل كي يكون بداية النهضة لعدة أسباب، أولها ان الحرية السياسية في لبنان تسمح للوعي ان يتحرك بشكل أفضل واذا كانت العصبيات الطائفية فيه تنمو وتكبر وتزدهر فهذا يعني ان لا سبب يمنع الوعي القومي ان ينمو ويزدهر، وثانيها، ان سعادة انطلق من لبنان لنشر النهضة فلماذا لا يكون لبنان ايضا انطلاقة هذه النهضة، وثالثها، ان وسائل الاعلام الحرة والاجتماعات الحرة تساهم كثيرا في حرية انتشار النهضة. اذاً ما الموانع من انتشار النهضة؟
في النهاية، الانسان السوري هو هدف النهضة السورية وهو محورها، والانسان السوري هو كل انسان سوري وكل الانسان ـ السوري وعندما نقول كل انسان يعني لا فقير ولا غني، لا مؤمن ولا ملحد، لا رجل ولا امرأة، يختلف عن اي آخر. وعندما نقول كل الانسان نعني حاجاته المادية والنفسية والمعنوية والروحية فلا يمكن لانسان لا يتمكن من اشباع جوعه او اطفاله ان يعي نهضته ولا لانسان متطيف ان يدرك عمق وجدانه القومي. ان الانسان الواعي يحتاج الى شغل على نفسه وعلى غيره. والنهضويون في النتيجة هم طلائع نخبوية، وسيبقى الحلم يتحقق بين الافراد الى ان يغيب زمن يتجاوز الحلم المحقق الى مستوى المتحد الاجتماعي الاكبر وكما ان كل ذرة تراب من الوطن هي الوطن كذلك فإن كل فرد سوري قومي اجتماعي هو الأمة لكن يبقى الوطن يحتاج الى كل ترابه والأمة تحتاج كل بنيها.
لقد اتى وقت كان السوريون في كل مكان يدلون على السوريين القوميين الاجتماعيين ويقولون: هؤلاء هم المناقبيون واشتهرت لا بل التصقت كلمة مناقبية بهم، وكان منهم التاجر والصانع والاجير وحتى الرأسمالي لا يبالي بالربح الوفير امام الصحوة المناقبية التي هي دلالة وعي قومي واضح وكبير ومشهود لقوميين خسروا اموالا ومراكز لانهم لم يقبلوا الا بالشهادة للحق والقول به وكانت كلمة الزعيم لهم قولاً مأثورا دستورا في حياتهم وكانوا يفتخرون ان يقولوها: الحياة وقفة عز.
ان مجموعة الطقوسيات التي ارساها الزعيم في بداية عهده بتشكيل الحزب لها مدلولات عدة منها ان التعارف بين الرفاق في المرحلة السرية له كبير الاهمية لان الرفيق يطمأن الى رفيقه فكانت النقرتان على الطاولة اختصاراً لكلمة حق اي حزب قومي وكانت التفانة اليد حول العنق للمس شحمة الاذن دلالة على ان الرفيق يفتدي رفيقه بالحياة التي له وكانت ضمة الكف بالكف والضغط بالابهام على موضع العرق المتصل بالرأس دلالة على التنبه الجمعي والعمل الكلي ولاحقا صارت بعض هذه الاشارات علنيا كالنقرتين في زمور السيارة او على الباب او في الاحتفالات العلنية في حين غابت الاخرى بسبب غياب حالة السرية للحزب.
ومن دلالات الطقوسيات انها تجمع الاخوة في تعبيرات مشتركة تصل الى معاني القداسة لان الانسان الذي يؤمن بعقيدة الأرض والانسان السوريين هو في معبد دائم، فكل زاوية على الارض السورية هي معبد، وكل انسان سوري على ارض الأمة السورية هو مقدس لذا فالسلام طقوسي لانه اعلان للانسان السوري وعندما كان الزعيم يصر على تحيته برفع اليد واعلان التحية (تحيا سوريا) انما لا يريد تأكيد زعامته بقدر ما يريد تأكيد ان سوريا تستحق الحياة وان الحياة تستحق سوريا لذا كان ابناء الرفاق هم ابناء الحياة، وكانت دعوة الرفيق للرفيق عندما يرزق طفلاً: ليكن من ابناء الحياة. من هذه المنطلقات الفلسفية تصبح الحياة ذات معنى ما دام الانسان الذي عليها ينتمي لأرض معطاءة وهو مستحق لها، ولحياة ملؤها العزة والفخر وهو يعمل بها ولها وإله يؤمن به ليس بعيداً عنه بل معه وفيه لم ينفخ فيه ويرميه بل حمله في قلبه ثم صنع معبداً من جسده وارتاح فيه. لذا فالوعي السوري هو دوما نحو الاعظم لانه نحو الألوهة والوعي الجمعي هو الاله الباسم لابناء يحبون بعضهم بعضا.
من بعض ما قلناه نتلمس خصائص الفلسفة الاجتماعية عبر سعادة فهي على صعيد الفرد ايمانه بالأرض السورية ومؤسسها، ايمانه بالانسان السوري وقدسيته، ايمانه بالوعي الجمعي الذي يقود الى ادراك المتحد الجمعي، ايمانه بقوة الفعل على تحويل هذا الوعي الجمعي الى اعلان الأمة السورية، تحرير الأمة السورية من كل غربائها عن الكرامة والقدسية. تحرير الانسان السوري من كل وهنه وتكاسله ورذالته، الاتجاه نحو تعزيز المناقبية، الالتفاف الجمعي من خلال الطقوسيات اللاحمة، السير معا للوصول الى عظمة الالوهة فينا.
قد تكون هذه الفلسفة الاجتماعية مشابهة لما بدا في بعض البلدان الاوروبية وخصوصا في فلسفة نيتشه وهيغل الالمانيين لكن النازية والموسولينية مسخت الفلسفة الاجتماعية لتتحول الى دولة كولونيالية عنصرية فاشيه لانها لم تكن محصنة بخلفية حضارية عميقة، في حين ان العقيدة السورية الاجتماعية محصنة بأرض عاشت حضارات الاكاديين والآشوريين والبابليين والكنعانيين والفينيفيين واعطت وعياً الهياً متميزاً بمسيح سرقته روما وألبسته ثياباً لا علاقة له بها واستغله قسطنطين لكنه ظل حيا بظله التموزي في قلوب ابناء سوريا، لذا فالعقيدة السورية لم تتلوث ولم تدخل لا في الكولونيالية ولا العنصرية ولهذا ولان الآخرين وجدوا فيها انقلاباً على مستوى كوني وكياني سارعوا باغتيال سعادة.
السفير
|