|
الحرية قيمة اجتماعية إنسانية لا تقاس ولا تحد، كما كل القيم، ولكل مجتمع مفهوم للحرية هو نتاج تراثه الثقافي الممتد عبر تاريخه، ونتاج بنيته الاجتماعية ومكوناتها، ونتاج نظرته إلى الإنسان والوجود الإنساني، ومفهومه للمجتمع وعلاقاته، وتطلعاته، والأغراض التي يسعى إليها في نموه واستمراره.
وإذا اختلف مفهوم الحرية بين المجتمعات نتيجة تعدد الثقافات، ونتيجة العوامل التي يخضع لها تكوين المجتمع. فإنه لا بد أن يكون مفهوم الحرية مفهوماً متفقاً عليه في المجتمع الواحد المتكون نتيجة مؤثرات بيئية واحدة، ونتيجة التفاعل بين مكوناته، فالمجتمع الحقيقي تتكون فيه نظرة متوافقة لقيمه ومثله ومطالبه العليا. لذلك فإن الحرية كقيمة اجتماعية إنسانية - والتي هي موضوعنا - هي قيمة مطلقة في المجتمع الواحد، ونسبية ما بين المجتمعات الإنسانية ولا يمكن أن يحل مفهومها كقيمة مطلقة في مجتمع، محل مفهومها كقيمة مطلقة في مجتمع آخر، إلاّ بمقدار ما يتقبل المجتمع بيئيته المتكونة، مفهومها الوافد إليه من مجتمع آخر وهي ككل المفاهيم والأفكار التي تنتقل من مجتمع إلى آخر بفعل الاحتكاك والتفاعل، فإن المجتمع الذي تنتقل إليه إما أن يقبلها، أو يرفضها، أو يعدل فيها بما يتناسب مع روحيته، ونفسيته.
وما نراه اليوم من دعاوى أميركانية لتعميم مفهوم الحرية الأميركانية في العالم من خلال دعوتها للعولمة، ما هو إلاّ نوع من العبث في المفاهيم، وخلل في فهم المجتمعات ونشوئها، أو نوع من الوهم المستند إلى القوة التي يعتقدون أنها قادرة على كل شيء، بما في ذلك العوامل النفسية في المجتمعات. فالقيم التي تكونت في المجتمع ليست شيئاً مصنوعاً، أو مستورداً، ومعمماً فيه، ويمكن استبداله بصناعة جديدة مستوردة، بل هي نتاج حياة المجتمع عبر تاريخه الممتد منذ بداية نشوئه وتكوينه وتناميها وتطورها مع تناميه وتطور شؤونه كافة. والقيم والمثل جميعها، والأخلاق الاجتماعية لا تتبدل في المجتمع بهذه البساطة التي يراها ساسة الولايات المتحدة وقادتها، إذا استسلم المجتمع وقبل المفاهيم الجديدة عنوة، وقبل العبودية، ولقد حذّر سعاده من هذا الاستسلام الذي يفقد المجتمع حريته، وربما وجوده، فقال في مقالته (الحق والحرية) عام 1947. في الجزء الرابع عشر من آثاره: «ويل للمستسلمين، إنهم رفضوا الصراع فرفضوا الحرية واستسلموا للعبودية».
فالحرية كقيمة اجتماعية إنسانية، ليست شأناً شكلياً ظاهرياً، إنما هي شأن نفسي يتعلق في النفس الإنسانية المتكونة من تراكم الثقافات في المجتمع عبر مساره ونموه وتطوره، وهي كما يقول سعاده في قصته (فاجعة حب) - عام 1931: «إن حرية النفس هي أساس كل الحريات» وكما هي نتاج تراكم ثقافي، فهي أيضاً نتاج صراع الأفكار والعقائد، والثقافات، في كل مجتمع، والذي يرسخ مفهومها ومدلولها في المجتمع الواحد. فالحرية شأن وجودي، أي إنها تتعلق بوجود الإنسان - المجتمع، لتحقيق الأفضل والأجمل والأرقى، فيه، وفي مقالته السابقة يقول سعاده: «الحرية ليست حرية العدم، بل حرية الوجود، والوجود حركة، إنها حرية الصراع - صراع العقاب في سبيل تحقيق مجتمع أفضل، ولا معنى للحرية وراء ذلك».
وبما أن الحرية شأن اجتماعي إنساني، فهي حق طبيعي من حقوق الإنسان، والمجتمعات الإنسانية، وهي أيضاً ضرورة حياتية لوجوده واستمراره، وكل مجتمع يفقد حريته، ومفهومه لحريته، فإنه مجتمع متجه نحو الانقراض من خلال كونه مجتمعاً له سماته ومزاياه. لذلك نرى وعبر تاريخ الإنسانية أن المجتمعات العاملة للحفاظ على وجودها واستمرارها وارتقائها، تصارع وتجاهد للحفاظ على حريتها التي هي أساس وجودها. وفي معالجته لمسألة الاستقلال، في مقالته (استغلال مراكش الإسبانية) عام 1925، في الجزء الأول من آثاره، يقول سعاده: «إن أهم العوامل التي تبعث الأمم على النهوض للتخلص من نير العبودية الثقيل هو شعورها بحقوقها الطبيعية في الحياة التي أولها الحرية، فالحرية حق طبيعي يشعر الإنسان بحاجته إليه كما يشعر بحاجته إلى الهواء والغذاء». ويعتبر سعاده أن حرية المجتمع تعادل حياته، لذلك يقبل المجتمع أن يقدم أكبر التضحيات للحفاظ على حريته، وبالتالي على وجوده، فيقول في مقالته السابقة: «إنهم ضحوا، ولكنهم يفهمون أن تضحياتهم، أنالتهم الحرية التي هي الحياة» وهو يوجه نداء إلى كل الشعوب، والمجتمعات للعمل لنيل حريتها التي تساوي وجودها، لأنه لا حياة لها بلا حريتها، فقال في المقالة ذاتها: «انهضي لأن الحرية هي الحياة، ومن لا ينهض لنيل الحرية خوفاً على حياته خسر الحرية والحياة معاً».
وليست الحرية في المجتمع الواحد شأناً مستقلاً، أو قيمة مستقلة، إنما هي مترابطة ومتكاملة مع مفاهيمه كافة، ومتعلقة بكل شأن من شؤونه النفسية والمادية والشكلية، من حرية التفكير والتعبير إلى حرية السلوك الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية المضبوطة كلها بمفهوم لنظام الحياة في المجتمع، العاملة جميعها إلى تقدم المجتمع وارتقائه بمفاهيمه لتحقيق الحياة الأفضل والأسمى والأرقى فيه، وأي عبث في مفاهيم المجتمع أو خضوعه واستسلامه للعبث فيها، هو محاولة لقهره وإلغائه كمجتمع متميز، ومتمايز عن غيره.
لذلك لا يجوز لنا كمجتمع أصيل له مفاهيمه الراقية، أن يغرنا ما يتسرب إلينا من مفاهيم مدمّرة لقيمنا وأخلاقنا، وتراثنا النفسي الذي نعتز به، ونستمد من روحيتنا، لتحقيق الأفضل والأكمل والأجمل لنا، بحجة التطوير والتحديث والعولمة.. ويؤكد سعاده على هذا الارتباط بين المجتمع وتراثه في نص المبدأ الأساسي السابع من مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه في العام 1932، الذي جاء فيه: «تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي».
ولا يعني هذا أننا ننكفئ عن التفاعل مع المجتمعات والثقافات الأخرى، إنما نعمل للتفاعل معها، ونستمد منها ما يتوافق مع روحيتنا وقيمنا وأخلاقنا لتعزيز نهوضنا وارتقائنا.
البناء الدمشقية العدد 383
|