|
نحن نعيش في عالم حيث فيه ادنى مادة من مشترياتنا, قميص تيشورت مثلاً, او لعبة, جهاز تلفزيون, مقعد في سينما, يرتد على منتجين موزعين على القارات الخمس. إن تشابك كل جهات العالم مع بعضها بعضاً تتداخل تراكباتها في جميع الميادين, في الانتاج والمال والثقافة والديمغرافيا.
واحد اكبر الجدليات المعاصرة تبحث في ارتدادات هذه الآلية على شعوب العالم وعلى مختلف مجالات الحياة الاجتماعية, مما يضفي شرعية على التساؤلات التالية:
هل تسبب العولمة تهديم جماعي للوظائف؟ ام انها تساهم في التنمية وفي القضاء على الفقر في العالم؟ كيف تهدد العمل والوظائف؟ هل هي تزيد من الظلم وعدم المساواة ام هي نعمة للبلاد النامية ؟ هل هناك تنمية مستدامة؟
هل هي عولمة تغريب ام تسير باتجاه توحيد الثقافة؟ هل تعولم العلوم الاجتماعية؟ هل هي عامل للسلام؟
وما هي حقوق المهاجرين فيها؟
كانت العولمة موضوعاً للعديد من التقارير من قبل الكثير من اللجان ومنها اللجنة العالمية حول الأبعاد الاجتماعية حيث يعبِّر تقريرها عن المشاعر الحقيقية لجزء كبير من سكان الكرة الارضية تجاه هذه الظاهرة:
"تولِّد الآلية الحالية للعولمة خللاً بين البلدان وخللاً داخل البلاد نفسها. فقد تم خلق ثروات لكنها لا تفيد الكثير من البلدان ولا الكثير من الاشخاص. فبالنسبة الى غالبية النساء والرجال, لم تستجب العولمة لتطلعاتهم البسيطة والمشروعة الى عمل ومستقبل افضل لأولادهم. وكثير منهم يعيشون من اقتصاد لا نظام له ولا شكل معين, دون حقوق معترف بها وذلك في العديد من البلدان الفقيرة التي تعيش على هامش الاقتصاد العالمي. كما انه حتى في البلاد ذات الاقتصاد المزدهر هناك بعض العمال قد عانوا من العولمة. وقد ادت ثورة الاتصالات العالمية الى توعية الجميع حول تباين اوضاعهم".
وقد درست اللجنة حالة 73 بلد وكانت النتائج ملفتة جداً. ففي كل مناطق العالم عدا آسيا الجنوبية والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي, زاد معدل البطالة بين اعوام 1990 و2002. وقد اكتشفت هذه اللجنة ان 59 % من سكان الارض يعيشون في بلدان يزداد فيها عدم المساواة. حتى في غالبية البلاد المتطورة اصبح الاغنياء اكثر غنى بينما لا يستطيع الفقراء المحافظة على مدخولهم. ربما ان هذه العولمة تخلق بلاداً غنية ذات شعوب فقيرة!... شعوب يهجرها شبانها الى الشتات حيث يصبح لهم وضع خاص يدأب المختصون على دراسته وتحليله, فيحاول بعضهم سبر البُعد العولمي الخفي لكنهم نادراً ما يبحثون في العلاقات الاجتماعية والرمزية التي تبرز فيه, أي تلك العلاقات التي ينسجها افراد ومجموعات يقومون بنشاطاتهن عبر الحدود.
والمعلوم منذ مدة بعيدة ان المقاولين الصينيين توصلوا الى اقامة اعمالهم في كل الكرة الارضية بفضل الـguanxi, هذه الشبكات الصديقة الجماعية والمبنية في البدء في الصين ذاتها.
تؤلف هذه التجارب ما يمكن تسميته المساحات الاجتماعية عبر الامم. بهذا التعبير يتم تعيين الروابط التي يقيمها باستمرار أفراد او منظمات تجتاز نشاطاتهم حدود الامم - الدول. ولأن عدداً من المهاجرين يشكلون مثل هذه المساحات فذلك يشير الى ان العودة الى بلد المنشأ يمكن الا يكون قراراً نهائياً فالحياة عبر الامم يمكن ان تصبح هي ذاتها استراتيجيات للنجاة والاستمرار او للتطور الاقتصادي والاجتماعي.
ويبدو ان المغتربين (المهاجرين) اللاجئين انفسهم والذين قد استقروا منذ سنين طويلة خارج بلدانهم يقيمون علاقات قوية عابرة القوميات؛ والحفاظ على مثل هذه العلاقات يضعف فكرة الاندماج الذي يستتبع ذوبان الشعوب المهاجرة عاجلاً ام آجلاً في المجتمعات التي هاجرت اليها قاطعة روابطها مع اوطانها الاصلية. لكن اذا لم يتم الذوبان فإن المساحات الاجتماعية عبر القوميات تجد ارضاً خصبة في سياقنا المعاصر حيث تطور تقنية الاتصالات (الاقمار الصناعية والهاتف والفاكس والانترنت) وتطور وسائل النقل الجماعية والسريعة وباسعار معقولة امراً ينشط التفاعل المستمر بين الافراد وبين المساحات الثقافية المتباعدة جغرافياً. وكذلك السياسات الليبيرالية وتقدم الحقوق متعددة الاثنيات والنضال ضد التمييز, كل ذلك يشجع تعددية الانتماءات؛ كما ان وجود تمييز ثقافي ونبذ اجتماعي اقتصادي له المفعول نفسه إذ يدفع المغتربين للانطواء والاكتفاء بروابطهم عبر القوميات.
وقد لعبت دول بلدان المهجر منذ بضعة عقود دوراً حميداً بتسهيلها الحوالات المصرفية والاستثمارات ودعم سياسي للمغتربين المقيمين في الخارج.
يؤدي الاستيعاب الثقافي إلى انصهار الاقليات ضمن الاكثرية الثقافية في بلد المهجر, الامر الذي يستتبع تأقلمها الاجتماعي. كان هذا الجواب لمدة طويلة له مكانة خاصة عند الدول - الامم التي تعتبر التجانس الثقافي احد شروط وجودها. اما اليوم فتشكل التعددية الثقافية جواباً ثانياً:
تحتفظ الاقليات الثقافية بثقافتها الخاصة بها, سواء اكانت قد جلبت من منشأها الاصلي الى بلد الاغتراب او يحملها مجموعات من السكان الاصليين يحتفظون ببعض السمات الثقافية الخاصة بهم وبهويتهم.
فالثقافة المهاجرة عندما تجتاز الحدود فهي اما تزول وتمحى او يتم حصرها. وعندما يؤخذ بعين الاعتبار موضوع عبر القوميات يتم اقتراح نموذج آخر وهو التوافقية: الثقافة السائدة تتعايش مع عدة ثقافات ثانوية التي تتجدد بفضل الروابط المستمرة مع بلد المنشأ او مع متحد الشتات. يمكن للمغتربين ان يمارسوا اشكال ثقافية هجينة مع الاندماج الكامل على الصعيد الاقتصادي.
على الصعيد السياسي, اكثر من نصف الدول القوية سمحت بالجنسية المزدوجة وحتى بتعدد الجنسيات, الامر الذي يمكن اعتباره اساساً سياسياً للتجربة عبر القومية طالما يسمح للمغتربين ولأولادهم ان يعيشوا حياة متعددة الجنسيات بين هنا وهناك أي الاستفادة من الجنسية الجديدة مع الاحتفاظ بجنسية المنشأ.
فحالة عبر القوميات لها استتباعات اقتصادية لم يعد بالامكان تجاهلها. وهي بزوغ جمعيات تنموية يحركها مغتربون مما أثار التفاؤل في المؤسسات الدولية مثل المصرف الدولي او بعض الدول خصوصاً عندما يشهدون التحويل المالي من قبل المغتربين نحو بلدانهم الاصلية.
يتم الانتقال ايضاً على الصعيد السياسي حيث تنتقل الافكار المتعلقة بدولة الحقوق والحكم الصالح والديمقراطية وحقوق الانسان والبيئة...
المنظمات عابرة القوميات هي اجمالاً مجموعات صغيرة مثل العائلات عبر القوميات تماماً. انما العلاقات الاجتماعية والرمزية تتميز بدرجة عالية من التحكم الشكلي والتواصل. أما الجمعيات الاهلية العالمية فهي تنشأ غالباً عن شبكات ذات مصلحة مثل الصليب الاحمر او العفو الدولية او السلام الاخضر.
المصدر: مجلة العلوم الانسانية - Sciences Humaines
• نشرت في العدد 402 من جريدة "البناء" الدمشقية
|