عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

معركة ميسلون بداية تاريخنا القومي الحديث- الامين جهاد العقل طباعة ارسال لصديق
الأربعاء, 09 تموز 2008
 

لم يرتبط الصراع في ميسلون بين الحق والباطل، في زمن ما، ومكان محدّد، إنّ معركة ميسلون هي مفصل أساسي في حياة الأمة السورية، هذه الأمة التي تحلّت بموقعها الجغرافي الاستراتيجي المميّز ، المتحكم بقلب العالم النابض، ومنابع خيراته، وطرق مواصلاته، كما تجلّت هذه الأمة للبشرية بتاريخها الثقافي السياسي القومي الظاهر في عطاءاتها الحضارية الكبرى ، وفي مقدمتها الرسالة السماوية الواحدة الموحدة  الاسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية، " وفي انتاج رجالها الفكري والعملي، وفي مآثرها الثقافية: كاختراع الأحرف الهجائية، التي هي أعظم ثورة فكرية ثقافية حدثت في العالم، وانشاء الشرائع التمدنية الأولى، ناهيك بآثار الاستعمار، والثقافة السورية المادية- الروحية، والطابع العمراني، الذي نشرته سورية في البحر السوري. وبما خلّده سوريون عظام كزينون وبار صليبي ويوحنا فم الذهب وافرام والمعري وديك الجن الحمصي والكواكبي وجبران، وطائفة كبيرة من مشاهير الاعلام قديما وحديثا. أضف الى ذلك قوادها ومحاربيها الخالدين من سرجون الكبير الى اسر حدون وسنحاريب ونبوخذنصر واشور بانيبال وتقلاط فلاص، الى حنون الكبير ، الى هاني بعل أعظم نابغة حربي في كلّ العصور وكلّ الأمم، الى يوسف العظمة الثاوي في ميسلون.." ( )

        إنّ المواجهة العسكرية التاريخية غير المتكافئة التي وقعت في ميسلون في صبيحة 24 تموز 1920 بين المحتل الفرنسي والمدافعين عن أرض الوطن وشعبه، هي امتداد في عمق تاريخنا القومي وعلى المدى القريب هي استمرار للثورة العربية الكبرى التي كانت ستبدأ اصلا في سورية، علماً أنّ جميع الضباط الذين شاركوا فيها كانوا سوريين من لبنان والشام والعراق. وميسلون هي أيضا المحرّض على الثورة السورية الكبرى، وهي الشعلة التي أوقدت الحركات الثورية والتحررية والوحدوية التي شهدها العالم العربي، وتوّجها حرب تشرين المبارك، وامتدادته الجهادية الطبيعية في انطلاق المقاومة القومية في فلسطين ولبنان،

التي طهرت مساحات شاسعة من الاحتلال الصهيوني - اليهودي ، وهي مقاومة يجب ان تستمر وتتصاعد حتى النصر الاخير الذي لا مفرّ منه.

        إن تاريخنا النضالي- الجهادي القريب ، كما البعيد، يؤكد أنّ احرار العالم العربي لن يهادنوا محتلا او عدوا، مهما اختلف دينه وجنسه وهويته، فالثورة العربية الكبرى كانت على " دولة محمدية " حادت عن صراط الدين ومنهج الشرع القويم ، وميسلون والثورة السورية الكبرى كانتا على أحفاد " الصليبيين " الذين استغلوا الصليب ستارا لهمجية دموية تدميرية لم تفرق بين أهل صليب وهلال، كما كانت حرب تشرين والمقاومة على يهود تآمروا على المسيح ومحمد وقتلوا الأنبياء ، ودمروا المقدسات ، ودنسوا المحرمات وأفسدوا في الأرض كلّ شيء ، وارتكبوا ابشع أنواع المجازر بحقّ شعبنا والانسانية جمعاء.

        ممّا لا شك فيه ، أنّ الحروب ، سواء أكانت داخلية أم خارجية ، تحدث تغييرات هامة في البنيات المختلفة للمجتمعات الانسانية، وتخلق فيها أوضاعا جديدة، وقد تقضي على حضارات قائمة، وتشيّد او تفرض حضارات بديلة. وتبرز غالبا هذه الحروب مظاهر متعددة جديرة بالدرس والتأمل، واستخلاص الدروس والعبر منها، لإنّ تلك المظاهر تعبّر بوضوح عن نفسية الشعب الصادرة عنه.

        واذا أخذنا " يوم ميسلون " مثالا، وحاولنا استخراج الدروس منه، لتحديد موقع هذه المعركة في تاريخنا القومي، فماذا نجد؟

        اولاً: في الجانب الفرنسي

•1-              نفسية التشفي: غورو يوجّه انذاره الشهير الى الملك فيصل في دمشق في 14 تمّوز.

لماذا 14 تموز؟

        لأنه ذكرى ابتداء الثورة الفرنسية ( 14 تموز 1789 ) ، وغورو يعتبر نفسه حفيد " الثورة"، ويحمل رسالة " الحرية، المساواة ، والآخاء" وعلى الشعوب اطاعته ، والا فمصير حكامها كمصير الملك لويس 16، والا فمدنها أشبه  بالباستيل يجب تدميرها حتى تنتصر " الثورة" . ونفسية التشفي ملازمة للفرنسيين وعلى سبيل المثال، فعند انهزام المانيا في الحرب العالمية الأولى، أصرّ الفرنسيون أن يفتتح " مؤتمر باريس" أعماله في 18-1-1919 في نفس تاريخ ومكان اعلان فيه الامبراطورية الالمانية في 18-1-1871 من قاعة المرايا في قصر فرساي قرب باريس، وذلك على أثر انتصار البروسيين على الفرنسيين، في احدى معارك توحيد المانيا.

يقول ساطع الحصري: " يظهر أن الفرنسيين تعمدوا أن يسلموا " الانذار " بصورة رسمية في يوم عيد ثورتهم الكبرى، التي يتباهون بها مباهاة لا حدّ‍ لها، ويزعمون أنّها كانت مصدرا لحريات العالم بأجمعها " ( " يوم ميسلون" ، ص 120 )

        حادثة أخرى تثبت نفسية التشفي عند الفرنسيين:

        بعد " انتصار" غورو في ميسلون، تقدّم مباشرة الى قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق ، ووقف أمامه، وخاطب الأيوبي:" يا صلاح الدين، أنت قلت لنا في ابان حروبنا الصليبية أنّكم خرجتم من الشرق ولن تعودوا البتة.. ها أنّنا قد عدنا.. فانهض لترانا هنا، وقد ظفرنا باحتلال سوريا". والتاريخ يسجل للايوبي ، ان اسمه قد غدا" عنوانا للشجاعة وكرم الاخلاق " . خصوصا، في المعاملة الحسنة التي قدمها لملك الصليبيين الجريح، أثناء معركة حطين عام 1187 .

•2-              الخداع والكذب.

بالرغم من موافقة الملك فيصل وحكومته في 20 تموز على " انذار غورو " ، وتنفيذ شروطه، خصوصا سحب وحدات الجيش المرابطة في " منطقة الحدود " وتسريحها، والاعتراف بالانتداب الفرنسي على سورية، لقاء تعهد من غورو بعدم تقدم جيشه الى دمشق تجنبا للدمار وهدر الدماء، الا أنّ هذا القائد المراوغ المخادع الحاقد على السوريين، ما كادت تصله المعلومات بإخلاء المواقع الدفاعية السورية، حتى أمر جيشه المعزّز بالدبابات والطائرات بالزحف على دمشق وقتل وتدمير كلّ ما في طريقه ، وهكذا دخل الفرنسيون دمشق على جثث ستة آلاف من الشهداء.

        انّ الاتفاق بين فيصل وغورو، فقد مقومات ضمان احترامه وتنفيذه من الجانب الفرنسي، بعد غياب القوة السورية المنظمة عن أرض المعركة. والمبدأ هنا في الحروب والمعارك" ان الاتفاقات تجد ضمانها في القوة التي وراء تلك الاتفاقات ، اذا ضعفت القوة في ناحية من النواحي لم يكن مجرّد العقود أن تدفع عن أمة من الأمم جيشا عدوا مكتسحا، بل أن وجود القوة شرط للاتفاق" والنتيجة تحوّل الضعيف الى كمية تابعة مستخدمة لا رأي لها في المسائل، ولا ارادة في الحياة.

        لقد صوّر الفرنسيون تغلبهم في ميسلون " أعظم نصر لهم في سورية" وحتى   يبالغوا في أهمية هذا النصر لجأوا الى الكذب ، وأعلنوا " ان الجيش الذي احتشد تحت قيادة يوسف العظمة في ميسلون كان مؤلفا من 25000 جندي، مدرباً احسن تدريب ، ومزوّداً باحدث الاسلحة والعتاد.. وبينه ضباط من البروسيين والالمان"

        وفي الحقيقة لم يتجاوز عدد المدافعين خمس هذا العدد أي حوالي 5500 جنديا، معظمهم من المتطوعين ، الذين لا خبرة لهم في قتال الجيوش المنظمة.

  • 3- إنّ المهمة التي قدم غورو، "بطل معركة الدردنيل" وقائد أكبر قوّة برية في العالم يومها، لم تكن مجرّد مهمة حربية عادية ، الهدف منها احتلال الأرض، واستعباد الناس، ونهب الثروات، وانما كانت المهمة تتركز على اجبار الشعب بالقوّة على الموافقة على معاهدة سايكس-بيكو، والقبول بوعد بلفور، والتراجع نهائيا عن مقررات المؤتمر السوري العام الذي دعا الى وحدة سوريا واتحادها مع العراق ورفض وعد بلفور. باختصار كانت مهمة غورو انهاء القضية السورية الى الأبد . لقد جاء غورو الى بلادنا وأمر المهمة من رئيس وزرائه كليمنصو يدعوه الى سوق القطعان البشرية في بلادنا بعصا من حديد‍‍‍ ‍‍‍‍، الى مزارع تتنكر فيها الى هويتها وحقيقتها ومصالحها الكبرى واهدافها المثلى. هذا في الجانب الفرنسي .

ثانيـا: أمّا في الجانب السوري من معركة ميسلون.او الدروس القومية المستخرجة من معركة ميسلون:

  • 1- إنّ يوم ميسلون هو اول معركة نظامية يقوم بها في التاريخ الحديث جيش سوري من اجل حرية سورية بقيادة قائد سوري هو يوسف العظمة . لقد قام هذا القائد في فترة خمسة أشهر ( آذار - تموز ) من خلال منصبه كوزير للحربية السورية ببناء اول جيش سوري بلغ تعداده عشرة آلاف جندي، كاد بقدرته الذاتية أن يلحق بالجيش الفرنسي المهاجم خسائر كبيرة ويوقف زحفه ويغيّر مجرى تاريخ الأحداث ، ولكن اقدام القيادة السياسية على حل هذا الجيش قبل المعركة ضيّع فرصة النصر، ولكن ذلك لم يؤثر في معنويات هذا القائد ، الذي سارع الى تعبئة قوّة من المتطوعين للدفاع عن بلاده، وقد أشرف شخصيا على امور المواجهة على ارض المعركة وتطبيق الخطط العسكرية ، وكان يتنقل بين جنوده اثناء المعركة ويحثهم على القتال، وينادي بينهم " يجب ان نموت شرفاء". واستشهد العظمة في المعركة مع رجاله ليلقنوا الغزاة درسا مفاده: " لقد شهد اجدادنا الفاتحين السابقين ومشوا على بقاياهم أمّا نحن فسنضع حدا للفتوحات ".
  • 2- لقد اثبت يوم ميسلون فشل الاستعمار في انهاء " القضية السورية " ، وفقا للشهوات اليهودية، اذا ما كادت هذه المعركة تنتهي حتى دخلت تلك القضية في طور جديد من المقاومة والتحرير، وانقلب السحر على الساحر، "واصبحنا امة بعد ان كنا قطعانا بشرية".

ميسلون هي العروة الوثقى في ثقافة الصراع القومي- صراع الوجود ، وهي وقفة من وقفات العز التي سجّلها شعبنا في تاريخه الذهبي، وهي جزء فخر من أمجادنا القومية نقتدي بها ونعلّم اجيالنا مفاهيمها وأعبادها، وننسج على نور هدايتها، كما على انوار تموز ودمائه ملاحم البطولة والاستشهاد .

  • 3- انّ ميسلون هي الدليل القاطع على أنّ شعبنا قد صمّم أن يكوّن تاريخه القومي بنفسه وصيانة كيانه والدفاع عن أرضه وتحمّل مسؤولياته ، وهي تمثل جزءا يسيرا جدا ممّا تستطيع الأمة عمله مجتمعة، انّ يوم ميسلون هو باختصار بدء تاريخ الأمة السورية الحديث كما نريده ، لا نهايته كما اراده الأعداء.
  • 4- انّ يوم ميسلون وما تبعه من معارك وثورات وأعمال بطولية استشهادية جهادية، هو مظهر من مظاهر قوة الأمة المادية-الروحية المخزونة، وهي قوّة فاصلة في حياة الأمم، هي قوّة الارادة العجيبة للأمة الحيّة، القوّة التي هي القول الفصل في اثبات الحق القومي او انكاره.

اننا ونحن اليوم نواجه خطراً يهودياً حقيقياً على وجودنا ومصيرنا، فلا انقاذ لنا الا بقوتنا الذاتية المادية-الروحية، وفي مقدمتها وحدتنا القومية، وانشاء جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن.

ان فلسفة الصراع والانتصار تقوم على مبدأ اساسي لا يحتمل المساومة عليه، وهو:

 اذا لم يكن ما تريد، فلا ترد ما يكون، الى أن يكون ما تريد.

بهذه الفلسفة " الثقافية الصراعية" ندرك :

أنّ السياسة المتغلبة ، كما علمتنا دروس التاريخ وعبره، لا يمكن التغلب عليها، الا بسياسة متغلبة أقوى منها، وانّ الأمر الواقع لا يمكن تجاوزه الا بانتصار الواقع الطبيعي الذي خلقه الله، ولم يعط لانسان أن يغيره.

انّ النفس الفتية الجبارة، كما يقول سعاده ، ترفض كلّ أمر مفعول لا يكون وليد ارادتها ومحققا رغائبها وتنشىء سلاحا جديدا لنقضيه، وتنهض سلاحها في يدها، لتملي ارادتها، وتفعل الأمر الذي يرضي نفسها، ويحقق أهدافها، وتقيم نظاما جديدا يضمن تقدمها.

تموز، في تاريخ أمتنا، هو شهر البطولة والفداء والنصر، من ميسلون، حيث استشهد العظمة، مع رفاقه، وهو ينادي في أرض المعركة: " يجب أن نموت شرفاء"، الى الثامن من تموز، حيث استشهد سعاده، مع رفاقه، وهو يهتف نموت لتحيي أمتنا، الى حرب تموز المجيدة، حيث الحقت المقاومة الوطنية في بقيادة السيد حسن نصرالله، أعظم انتصار على عصابات الجيش اليهودي، وأذلت قيادتيه السياسية والعسكرية وزرعت الرعب في نفوس مغتصبي أرض فلسطين، وفرضت على هذا العدو أن يخضع لقراراتها بالقوة، وأن يطلق سراح الأسرى وجثامين الشهداء مرغما ذليلا.

إن أمة تنجب القادة والشهداء والاستشهاديين والمناضلين، هي أمة عظيمة، ولن ترضى أبدا ان يكون قبر التاريخ مقرا لها.

انها أمة تعرف كيف تصبر وكيف تقاوم وكيف تنتصر على أعدائها، انها أمة لن ترضى الا الحياة في العز، لأن الحياة كلها وقفة عز فقط.

تحية الى قادة الأمة وشهدائها واستشهادييها ومناضليها في شهر البطولة والنصر.

تحية الى مقاومي الأمة في العراق وفلسطين ولبنان، والنصر آت حتما.

تحية الى الأسرى المحررين الأبطال وفي مقدمتهم المقاوم البطل سمير القنطار، الذي كان عميدا للأسرى والصامدين، وقدوة في النضال، ورمزا خالدا من رموز البطولة المؤيدة بصحة الصراع مع العدو اليهودي.

الديار09/07/2008

 
< السابق   التالى >