|
نصت المادة الأولى من دستور الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي وضعه سعاده عام 1934 على: «غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً، وتثبيت سيادتها، وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية».
فدعوة سعاده لإنشاء جبهة عربية، لم تكن شعاراً، فهي تشكل تتمة لغاية الحرب، وضمن مادة دستورية، وتعبر عن اتجاه للسياسة الخارجية في الفكر القومي الاجتماعي المتعلقة بمحيط سورية الجغرافي، إضافة إلى أن سعاده من خلال معالجته لموضوع العروبة والعلاقات مع العالم العربي فإنه كوّن رؤية، وحدد وسائل التوصل إلى هذه الجبهة، من ضمن تحديده لمفهوم الأمة والقضايا المتعلقة بها، وفي شرحه لغاية الحزب في (المحاضرة العاشرة) من كتابه (المحاضرات العشر) يقول: «إن إيجاد جبهة من أمم العالم العربي تكون سداً منيعاً ضد المطامع الأجنبية الاستعمارية، وقوة يكون لها وزن كبير في إقرار المسائل السياسية، هو جزء متمم لغاية الحزب السياسية من الوجهة الخارجية». ومفهوم سعاده للجبهة العربية، بأنها مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية يرتكز إلى مفهومه للأمة وتعريفه لها، كما حدده في كتابه (نشوء الأمم) الذي نص على أن: «الأمة جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح، موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية - المادية في قطر معين يكسبها تفاعلها معه في مجرى التطور خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الجماعات».
ووفق هذا المفهوم حدد الأمة السورية التي هي إحدى أمم العالم العربي، في المبدأ الرابع من المبادئ الأساسية للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أنشأه لتحقيق نهضة الأمة السورية، ونصه «الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي» وكذلك حدد حدوث الوطن (البيئة الجغرافية) التي تعيش فيه الأمة السورية في المبدأ الخامس من مبادئ الحزب، الذي نص على أن «الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميزها عن سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي، وجبال البختياري في الشمال الشرقي، إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق، وتوصف (بالهلال السوري الخصيب، ونجمته جزيرة قبرص)، مرتكزاً إلى قاعدة «إن الأمة التي هي مجتمع واحد، تتشكل من تفاعل الإنسان مع البيئة التي يقطنها، وتفاعل الجماعات المكونة له مع بعضها البعض ضمن هذه البيئة، في دورة حياة اجتماعية - اقتصادية متكاملة».. ووفق هذه المفاهيم حدد سعاده الأمم المكونة للعالم العربي وفق البيئات الطبيعية التي يشتمل عليها، وهي (سورية الطبيعية، الجزيرة العربية، وادي النيل، المغرب العربي) تجمع ما بينها جبهة عربية، دعا إليها في نص غاية الحزب مع احتفاظ كل أمة باستقلالها وسيادتها وإدارة شؤونها الداخلية، والعمل لقضاياها القومية، فيقول في شرحه (للمبدأ الأساسي الرابع): «لا ينافي هذا المبدأ مطلقاً أن تكون الأمة السورية إحدى أمم العالم العربي، أو إحدى الأمم العربية، كما أن كون الأمة السورية أمة عربية لا ينافي أنها أمة تامة لها حق السيادة المطلقة على نفسها ووطنها، ولها، بالتالي، قضية أخرى». وهذا المفهوم ينطبق على كل أمة من أمم العالم العربي، لها وطنها وحدودها الجغرافية، ولها حق السيادة على نفسها ووطنها، ولها قضاياها القومية، والداخلية التي تعمل لها، ولقد شكل مفهوم سعاده للأمة، وللعالم العربي وللجبهة العربية اتهاماً له، وللفكر القومي الاجتماعي، من قبل بعض المفكرين السوريين بأنه معاد للعروبة.. مع أن سعاده كان واضحاً في تحديد موقفه من القضايا العربية، في شرحه لغاية الحزب في كتاب (المبادئ) والذي جاء فيه: «إن القومية السورية هي الطريقة العملية الوحيدة والشرط الأول لنهضة الأمة السورية وتمكنها من الاشتغال في القضية العربية» وتابع شرحه، فقال: «إن الذين يعتقدون أن الحزب السوري القومي الاجتماعي يقول بتخلي سورية عن القضية العربية لأنهم لا يفهمون الفرق بين النهضة السورية القومية الاجتماعية والقضية العربية، ضلوا ضلالاً بعيداً... إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي، ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي، ولكننا نريد قبل كل شيء أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا، يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية الاجتماعية لتستطيع القيام بمهمتها الكبرى»، وفي رسالة إلى صديق له يجيبه فيها عن موقفه من العالم العربي عام 1935، ومنشورة في الجزء الثاني من آثاره، يوضح سعاده انصرافه لإنشاء نهضة في الأمة السورية أولاً، تكون قادرة على الاشتغال بقضايا العالم العربي الذي تشكل إحدى أممه، فيقول: «إذا كنت أصرف همي وكل عنايتي إلى خدمة أمة واحدة من أمم العالم العربي، أعني أمتي السورية فذلك لأن أمتي أحوج إلى عملي، ولأن لها الحق الأول علي، ولأن الاشتغال في قضايا هذه الأمم، بينما أمتي جسم مشلول، يزيد بلبلة قضايا العالم العربي بلبلة، فأنا لا أؤمن بالتضخم ولا أجد له حسنة».
ويتابع في الإجابة نفسها فيقول: «أعترف أنني أغرقت في سوريتي حتى نسيت العالم العربي ومشاكله، ولكن مهما بالغت بالنسيان، ومهما طال أمره، فذلك لن يبعدنا عن العالم العربي، بل هو سيقربنا إليه».
وفي عام 1936 أجرت عدة صحف لقاءات مع سعاده تستوضح فيما تستوضحه موقف الحزب من العروبة والعالم العربي، ومنها صحيفة الأيام الدمشقية التي أجابها على سؤال حول الموقف العملي من مشاكل العالم العربي، فقال: «إن مشاكل العالم العربي من وجهة النظر المستقلة لا يمكن أخذها مجموعة إلاّ من نقطة واحدة هي مواجهة الأمر الاستعماري الواقع، وعلى ما سوى هذه النقطة فلكل مجتمع في العالم العربي مشاكله القومية الخاصة التي يعالجها على نسبة ما اكتسب من اختبارات خاصة به ضمن حدوده، وسورية تقوم الآن بواسطة الحزب السوري القومي بمعالجة شؤونها ومشاكلها القومية الخاصة، وهي في الوقت نفسه تعد نفسها للاشتراك في نقطة المصلحة المشتركة بينها وبين شقيقاتها البلدان العربية، وكلما قويت معنويات الأمة السورية كلما ازداد فعلها في حل مشكلة سياسية أو حربية مشتركة»، وأجاب الصحيفة نفسها عن سؤالها حول إمكانية إنشاء دولة عربية متحدة، فقال: «أعتقد أن الحلف العربي هو الأمر المقبول والوضع الممكن بحثه عملياً، ومسألته أيضاً هي مسألة وقت وظروف منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، وهو في كل حال أمر محبذ»، كما أجاب على أسئلة الصحف الأخرى بمضمون مشابه لإجاباته لصحيفة الأيام، ومن هذه الصحف كانت صحيفة الرائد، ومجلة المعرض، وفي عام 1947، وبعد عودته من مغتربه القسري، وإصدار مذكرة توقيف بحقه من قبل الحكومة في لبنان، أجرت معه صحف عدة، لقاءات استوضحت فيها موقف الحزب من العروبة والعالم العربي والجامعة العربية، وكانت إجابته لجريدة بيروت حول سؤالها، ما العروبة بالنسبة لكم؟. فقال: «هي جامعة للأهداف والمصالح التي هي فوق القومية، إذ هي جامعة مصالح عدة أمم، أي عدة قوميات متقاربة ويحسن تعاونها وتوثيق الروابط بينها».
وفي خطبة له في (كردبا - الأرجنتين) عام 1941. حدد موقع سورية المتقدم من قضايا العالم العربي، فقال: «إن الحزب السوري القومي الاجتماعي، يعد سورية أمة من أمم العالم العربي، وقد صرحت في أول آذار الماضي أنه متى كانت المسألة مسألة مكانة العالم العربي كله وكرامته، فنحن جبهة العالم العربي وسيفه وترسه ونحن حماة لغة الضاد، ورافعو لوائها».
وهكذا فإن الفكر القومي الاجتماعي من خلال مفهومه للمجتمع وتحديده للأمة كواقع اجتماعي، حدد علاقاته مع العالم العربي الذي يشمل بيئات متعددة، وبالتالي أمم ومجتمعات عددها عدد البيئات ويجمع بينها مصالح، تتقارب وتتكامل بتشكيل جبهة عربية تفعّل هذه المصالح المشتركة فيما بينها، وكذلك فإنه لم يحصر دعوته لنهضة قومية اجتماعية في الأمة السورية، إنما يرى أنها ضرورة أيضاً لأمم العالم العربي والتي يمكن تفعيلها من خلال التفاعل والتعاون، والتحالفات، والمؤتمرات، إذ يقول سعاده في شرحه غاية الحزب: «إن الفلسفة الشاملة التي أوجدها الحزب السوري القومي الاجتماعي تكون قضية مثالية في الحياة القومية، وليس يريد الحزب حصر هذه الفكرة السامية ونتائجها الخطرة في سورية، بل هو يريد حملها إلى الأمم العربية الشقيقة عن طريق العمل الثقافي وتبادل الآراء، والتفاهم، لا عن طريق إلغاء شخصيات الأمم العربية، وفرض النظريات عليها».
ويبدو أن العمل وفق نظرة سعاده أكثر إلحاحاً الآن، من خلال الظروف القائمة، والتحديات التي يواجهها العالم العربي، وإن المفهوم القومي الاجتماعي للعروبة، يبدو أنه أكثر قابلية للتطبيق لذلك فإنه يحتاج إلى توسع في بحثه، أكثر من الاستعراض المتقدم، ولا يمكن تسديد ذلك في هذه الزاوية، إذ إن سعاده عالج هذا الموضوع في أكثر من مقالة وخطاب، ولقاء صحفي وأوضح مفهومه للعروبة والعالم العربي، والموقف من القضايا العربية، مرتكزاً إلى القواعد الفكرية التي وضعها لمفهوم الأمة، ونشوء المجتمعات البشرية.
البناء الدمشقية العدد 385
|