كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً عندما وصلت آخر سيارات الأجرة العائدة من بيروت إلى عين عنوب، ذلك السبت الحزيراني سنة 1949. تقدمت من السيارة لملاقاة والدي الذي يعود كل سبت من بيروت لتمضية عطلة آخر الأسبوع مع عائلته.
لم أجده بين الركاب، وقبل أن أسأل السائق عنه بادرني بالقول: "التقيت والدك في بيروت وهو بخير ويهديكم سلامه، ولكن يبدو أنه لن يغادر العمل لأن الحكومة أعلنت حالة الطوارئ بعد الحوادث بين الحزب القومي وحزب الكتائب، وألغيت كل المأذونيات للشرطة والدرك والجيش".
عدت إلى البيت خائباً وأخبرت والدتي بالأمر، فأجابت: "سمعنا أخبار الإذاعة وعرفنا أنه لن يأتي اليوم. إجلس وتناول عشاءك".
كنت في الثانية عشر من عمري، وأعرف ما تيسر عن الحزب القومي، فأكثر الشباب المثقفين في البلدة ينتمون إليه. ولقد رأيت زعيمه أنطون سعادة مرتين. عندما زار الرفقاء في عين عنوب في آذار سنة 1947 ونزل في دار الشيخ رافع حمدان والد الرفقاء عباس وعادل وتوفيق. وعندما توقف في طريقه إلى بشامون سنة 1948، رافقت الشباب الذين مشوا خلفه وسمعته يخطب بالآلاف من على شرفة بيت الرفيقين سعيد وعادل مسعود.
بين التاسع من حزيران والحادي والعشرين من تموز 1949 توالت الأحداث بسرعة. وكان أبرزها مهاجمة المئات من عناصر حزب الكتائب لمكاتب جريدة الحزب القومي (الجيل الجديد) في منطقة الجميزة أثناء وجود الزعيم سعادة هناك يكتب الافتتاحية، حيث انتظروا خروجه فعادوا واعتدوا بالضرب والسلاح على الموظفين وأحرقوا الآلات والأثاث. لم تكلف الحكومة الكتائب بأكثر من أسئلة صورية، وبدأت على الفور باعتقال القوميين في مناطق لبنان وداهمت منزل سعادة في رأس بيروت لاعتقاله ولم تجده، فتابعت حملة الاعتقالات والمضايقات لأعضاء الحزب وعائلاتهم مما أعاد إلى الذاكرة خيالات عهود الاحتلالات الأجنبية. وكان للمؤامرة امتداداتها في دمشق والقاهرة ولندن وواشنطن.
انتقل سعادة إلى دمشق رغم عيون الحكومة ومخبريها. وفي دمشق رغم الإيحاءات الأولية بمساندة الحزب إلا أن نظام حسني الزعيم كان يخدع سعادة ويغريه ويستدرجه لإعلان ثورة على نظام الحكم في لبنان. وعندما فعل سحب كل مساندة له وسلمه إلى الحكومة اللبنانية.
هنا لا بد من تسجيل تقصير قيادة الحزب المحلية وفشلها في توفير المعلومات اللازمة لسعادة عن فريق النظام الذي كان يتعامل معه.
حسني الزعيم الضابط السكير الخليع، قام بالانقلاب بإيعاز من مايلز كوبلاند مسؤول المخابرات الأميركية في الكيانين السوري واللبناني الذي شرح بالتفصيل علاقة وكالة المخابرات بحسني الزعيم وغيره في كتابه الشهير "لعبة الأمم".
رئيس وزراء النظام محسن البرازي العدو اللدود للحزب.
وزير خارجية النظام عادل أرسلان عدو الحزب والمؤمن بالمعادلات الطائفية، لعب دوراً كبيراً في تحالف بيار الجميّل وعدنان الحكيم رئيسي حزبي الكتائب والنجادة الطائفيين ضد أنطون سعادة وحزبه وفكره اللاطائفي.
ظهرت أيضاً أدلة ووثائق عديدة لارتباط مدير الأمن العام في النظام بالمخابرات الإسرائيلية.
لم تقم قيادة الحزب في دمشق بأي دور يحصّن سعادة من الخديعة والمؤامرة التي كانت تحاك ضدّه وفشلت في حمايته الشخصية.
في لبنان تابعت الحكومة ملاحقتها واضطهادها لأعضاء الحزب القومي - الفئة اللاطائفية والأكثر ثقافة ووعياً. اعتقلتهم وشردتهم في البراري والجرود ظلماً وبهتاناً.
لهذا عندما سمع القوميون نداء زعيمهم للثورة على هذا النظام الفاسد دفاعاً عن النفس وقيم الشرف والكرامة والعزة، هبّ من استطاع منهم في مشغرة وسرحمول والمتين وبرج البراجنة وأثبتوا بالفعل أن الدماء التي تجري في عروقهم ليست ملكهم بل وديعة الأمة فيهم متى طلبتها وجدتها.
التقى في سرحمول حفنة من الرفقاء على رأسهم الرفيقين جورج عبد المسيح ويوسف قائد بيه، هؤلاء الرفقاء لم يعتدوا ولا هاجموا أحداً. فقط تلاقوا في التلال بانتظار هدوء العاصفة. وصل خبر وجودهم في سرحمول إلى وزير الدفاع مجيد أرسلان، فأرسل المئات من جنود الجيش لتطويق المنطقة وقتل القوميين أو أسرهم رغم أنهم لا يرغبون في قتال أبناء شعبهم ولكنهم أصبحوا أمام خيارين، الدفاع عن النفس أو الهلاك، فدافعوا ومن نتائج القتال سقوط قائد الحملة العقيد توفيق بو شمعون قتيلاً مما جعل وزير الدفاع يغلي ويزيد ويكيل الشتائم للقوميين وزعيمهم في ساحة بشامون.
في مشغرة سقط عساف كرم شهيداً بعد أن قاتل وحفنة من رفاقه فرقة من الجيش لساعات وأطلق الرصاصة الأخيرة من مدفعه الرشاش..
استلمت الحكومة اللبنانية أنطون سعادة من حسني الزعيم ليل السابع من تموز وأعدمته فجر الثامن منه.
وحده كمال جنبلاط أثبت وجود شرفاء في أمة أنطون سعادة، ولكن جهوده لوقف القتل عنه فشلت لأنه رغم جهله بالأمر في حينه فهو أيضاً كان مستهدفاً لأنه يمقت الطائفية ويؤمن بالعلمانية ويعمل لها.
بعد أن أعدمت الحكومة أنطون سعادة فجر الثامن من تموز وستة من رفاقه فجر الحادي والعشرين منه ألغت حالة الطوارئ.
كنت بانتظار والدي في ساحة العين مساء السبت الأخير من تموز 1949، مشينا إلى البيت معاً بعد أن قبّل رأسي وسألني عن الوالدة والأخوة.
في السهرة كان متجّهم الوجه وعندما سأله الأقارب والأصدقاء عن الأخبار، أعطى وجهة النظر الرسمية وأرفقها بما يُهمس به من أن الحادث كان مدبّراً بين الحكومة والكتائب، ثم انتقل إلى فصل إعدام الستة من القوميين فجر الحادي والعشرين فقال:
"اتصل بي ضابط كبير من الجيش تربطني به صداقة وطلب مني أن أحضر إلى وزارة الدفاع لشأن هام. في مكتبه أبلغني أنه أوكل إليه تنفيد حكم الإعدام بستة قوميين، بينهم درزي ويريدني أن أحضر بهذه الصفة كما يقضي العرف. سألته عن اسم الدرزي لأنني لا أريد أن أحضر إعدام ابن عين عنوب يوسف قائد بيه. فتح ملفاً كان على الطاولة وقال: "قائد بيه شمله العفو".
"فجر الحادي والعشرين في سجن الرمل، طرقت باب زنزانة يوسف وهنأته (والحديث لا يزال لوالدي)، فلم يظهر أية مشاعر بل سأل عن عدد وأسماء الذين سيعدمون فأجبته بأنني لا أعرف عن الآخرين وانصرفت".
أضاف، "الشباب من خيرة فئات شعبنا، شجاعتهم كانت مذهلة، تصرفوا وكأنهم في مناسبة اجتماعية. فوجئت عندما تقدم مني أحدهم قائلاً صباح الخير عم أبو سعيد. لاحظ أنني لم أتذكره فتابع أنا معروف موفق من دير قوبل وكنت أتردد على عين عنوب". بعد صمت تابع والدي، "صدر حكم الإعدام بإثني عشر منهم، أعفوا عن ستة وأعدموا ستة حسب التوزيع الطائفي، وهكذا بعد أن تخلصوا من أنطون سعادة أمل الشعب في الخلاص من الطائفية البغيضة، عادوا وأهانوه بتكريس الطائفية في إعدام رفاقه".
حفنة من الصغار ضربوا ضربة الخائف الجبان.
وكانت المرة الأولى والأخيرة عندما رأيت دمعتين على خدّي والدي.
كنت في الثانية عشر من عمري، رافقني وجهه وكلماته حتى الآن.
بين سنتي 1932 و1938 كان المعاون المفوض سليمان سعد رئيساً لمخفر حبيش في رأس بيروت محيط الجامعة الأميركية حيث كان يقيم أنطون سعادة في نفس الفترة.
توفي المفوض سليمان سعد رئيس دائرة الأخلاق والآداب العامة في أيلول 1951 عن ستة وأربعين عاما ًوأمضى السنة الأخيرة بالأوجاع. لم تتح لي الفرصة لأسأله عن مدى معرفته بأنطون سعادة.
*الكاتب يقيم في تورنتو- كندا
|