|
باريس تبدو "مندفعة" لاستكمال انجازها بمسألة "ترسيم" الحدود بين سورية ولبنان، وبـ"فتح" السفارات معتبرة أن "الإرادة السياسية" باتت متوفرة عند كل الإطراف لاستكمال هذا الملف، والمسألة لا تتعلق بالرؤية الفرنسية فقط، لأن هذا الموضوع كان يطفو على سطح العلاقات السياسية في الشرق الأوسط عموما، وكأنه "التشكيل" الناقص في تكوين المنطقة منذ بداية القرن الماضي، لكنه اليوم على الأقل بالنسبة لفرنسا يبدو "حدثا" تستطيع دبلوماسية الإيليزية الدخول إليه للمنطقة من بوابتين على عكس ما كان يحدث دائما، فهي تملك خطين متوازيين باتجاه دمشق وبيروت.
ما طرح سابقا حول مسألة "ترسيم" الحدود كان ينطلق من سؤال واحد مرتبط بقبول دمشق لتلك الفكرة أو رفضها، وهو شأن ينسحب باتجاه "السفارات" رغم أن السؤال ربما لا يرتبط بالمواقف من هذا الموضوع بل من طبيعة الفكرة التي غيبت مسألة التمثيل الدبلوماسي بين سورية ولبنان، فالحديث الذي دار طوال العقود الثلاث الماضية متعلق أساسا بالتشابك الاجتماعي بين البلدين، وهو شأن لا يبرر بالنسبة للبعض حسم "الحدود" و "السفارات"، لكن البعد الاجتماعي يبدو أعمق مما تناوله الإعلام لأنه ينسحب بشكل مباشر على شبكة المصالح بين البلدين، فالأزمة تبدو في تحديد "نوعية" الارتباط وليس على"شكل" التمثيل بينهما، وهو أمر يبدو "عالقا" على مساحة التجاذب الذي أدى على سبيل المثال إلى الأزمة بين البلدين في خمسينيات القرن الماضي، ثم دفع إلى تدخل سوري خلال الحرب الأهلية وأخيرا الى الأزمة التي ظهرت بعد اغتيال رفيق الحريري.
ورغم الإقرار بالترابط الاجتماعي ما بين سورية ولبنان لكن الشأنين الأساسيين في مسألة "الترسيم" و "السفارات" يتعلقان:
- نوعية العلاقات يفرضها التوازن الدولي في المنطقة أكثر من كونها توافق إرادات بين الدول، وهذا الأمر يتعلق أساسا بوجود "إسرائيل" وبطبيعة الصراع على الشرق الأوسط عموما، فكل الأزمات التي ظهر فيها الحديث حول "الترسيم" و "السفارات" كانت تمثل "حقبة" دولية، وكان الصراع الحقيقي على سورية وليس على لبنان، ولكن مساحة هذا الصراع كانت في لبنان لأنه يحكم مصالح "أمنية" مرتبطة بالمنطقة عموما.
- شكل العلاقات الاجتماعية التي يتم الحديث عنها غالبا ما تؤدي إلى "انسياب" القضايا السياسية على طرفي الحدود بين الدولتين، فهذه العلاقات ليست عائلية بالمعنى التقليدي، لأن الترابط كان يؤدي دائما إلى "التداخل السياسي" فالحزب السوري القومي الاجتماعي على سبيل المثال انتقل ما بين دمشق وبيروت وفق ظروف علاقاته مع الحكومتين، وقبل الحرب الأهلية اللبنانية كانت الحركة السياسية تتجه من دمشق إلى بيروت لتعود مرة أخرى إلى سورية، هذا إضافة للمسألة الفلسطينية التي شكلت أيضا تداخلا معقدا بين البلدين، فالعلاقات كما تبدو ليست عائلية أو عشائرية بل حكمتها "جغرافية - سياسية" بين البلدين.
السؤال يبقى حتى اللحظة متعلق بنوعية المصالح التي سيضعها "الترسيم" و "السفارات"، وقدرة هذين الإجراءين على توليد استقرار، فهما وليدا الأزمات ومن الطبيعي دراستهما وفق العمق الحقيقي لهما وليس استخدام "الإرادة السياسية" الواضحة اليوم لخلق حدث يشبه "الاستعراض" السياسي الذي على ما يبدو تعشقه "الدبلوماسية الفرنسية" في زمن الرئيس نيكولا ساركوزي.
المصدر : سورية الغد
|