لم يعد المؤرخ في وقتنا الحاضر يكتب سيرة الملوك والرؤساء ، بل أصبح يتعامل مع المجتمع بكل تنوعاته ، ناقلا خصائصه وسماته بكل أمانة . فكتابة التاريخ اليوم ، أضحت كتابة تاريخ الشعوب وليس الأفراد . إنه العمل الجامع المفصّل ، لأحوال مجتمع معيّن بكل ما فيه من خصائص وسمات . إنه مؤرخ الحياة والموت في المجتمع .
وبمناسبة ذكرى استشهاد أنطون سعادة ، كتب بعض معاصريه ، وبخاصة من لم يتقبّل أفكاره ، منتقدين مسرحية محاكمته وإعدامه .
يقول سامي الصلح في " احتكام الى التاريخ " لسليم واكيم : " حصلت مؤامرة انتهت بحل الحزب السوري القومي الاجتماعي ، واعدام سبعة من أعضائه بمن فيهم زعيمه أنطون سعادة. أثارت هذه القضية غضبي ، فقابلت على الفور رئيس الجمهورية للحؤول دون إعدام سعادة ، فقال لي : اذهب وأقنع ابن عمك رياض بالأمر " ؛ فكنت من شدة تأثري أن فاتحته بالأمر . وإزاء تمسكه بالقانون قلت له : حرام لا تتورط . هذا رجل خطر وأتباعه خطرون " . وأضفت " من الناحية الانسانية لا يجوز...ثم إن الجرم سياسي ، ويوجب الأسباب التخفيفية
ويقول عبد الله المشنوق لمجلة " صباح الخير في 7/11/1979 : " عندما نريد أن نتحدّث أو نتكلم عن الحزب السوري القومي الاجتماعي ومؤسسه الزعيم أنطون سعادة ، لا بد لنا من وقفة تأمل كبيرة أمام عظمة هذا الحزب وشخصية زعيمه الفذّة . هذا الانسان الذي كتب اسمه بأحرف من نور ، في صفحاته البيضاء الى الأبد .
" لست بحاجة الى تعدادهم ، فمعظمهم زملائي أو تلاميذي وأنا أفتخر بهم ، وهؤلاء أمثال صلاح لبكي وفؤاد سليمان وسعيد تقي الدين وأدونيس وغيرهم ، لو لم يكونوا عباقرة لما كانوا أعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي ، فهم مفخرة للأدب وللوطنية وللعقيدة الصادقة
ويقول غسان تويني في افتتاحية " النهار " الصادرة في 9 تموز 1949 ، التي سجن على أثرها : " اني فخور بهذا الحكم ، لأنه شهادة للصحافة الجريئة التي لا تخاف شيئا ، وتدافع عن العقائد والحريات . إن المستقبل للشباب ، وليس للذين يريدون ترويع الأحرار .
"نقول هذا ، ونحن على يقين أن أنطون سعادة كان قد حكم على نفسه بالاعدام قبل أن تحكم عليه المحكمة العسكرية ، بل إننا على يقين أن أنطون سعادة قد ضحّى بنفسه ، بنبوغه وعبقريته وبالحزب الذي أنشأ ، لأسباب تتعدى النطاق الذي جرت ضمنه المحاكمة .
"وليس ما يجعل هذه الأجيال تحيد عن أنطون سعادة الميت كما حاد عنه أكثرها وهو حي ، الا ارتياحها الى الدولة التي قتلت أنطون سعادة .فهل تقدّر هذه الدولة لشبابها أن يرتاح اليها؟"
وكتب سعيد تقي الدين بمناسبة 8 تموز:
" إن الذين اغتالوك عرفوك ، وفهموك ، وأدركوا أي خطر كنت عليهم . ولقد اتهموك أمس بما هم يتهمون به تلامذتك اليوم ، فقالوا إنك عدو لبنان . أنت الذي استشهد ليحرر لبنان من اوهام الخرافات ، واستبداد الاقطاعية ، وعاهة الطائفية . ومن تلاميذك كان سعيد فخر الدين شهيد الاستقلال . قالوا إنك عدو لبنان أولئك الذين خربوا لبنان ، ونهبوا كنوزه ، واسعبدوا مواطنيه ، ومجّدوا السخف والشعوذة . اتهمك بالخيانة أولئك الذين أثروا على حساب لبنان ، ووصلوا الى مراكز النفوذ ، وكانوا أبدا عمّالاً للدول الأجنبية يحملون أرقاما في دوائر استخباراتها ، ويتربعون على أرائك سفاراتها ومفوضياتها .
" أحس القوة في عز الحرمان ، في جمال التضحية ، في الثقافة ، أتلقاها من تلاميذ لك حرمهم المجتمع الدراسة . في مبادىء العقيدة التي اعتنقت ، يؤيدها العلم وتذكيها الوقائع في كل يوم . رفقاؤك اليوم ، هم أصفى لبنانية ، وأصدق عروبة ، وأعمق إنسانية ، لأنهم يمارسون عقيدتك ".
أما بهيج تقي الدين فيقول :
" لقد كانت جريمة أنطون سعادة في نظر المتجنّين عليه ، أنه فتح الأعين يوم كنا جميعا في غفلة عما يبيته لنا الاستعمار ، يوم كان اليهود في موسكو وباريس وواشنطن ولندن يساومون على أرضنا وأرواحنا .
" كانت جريمته الكبرى أنه تنبه الى خطر الصهيونية المحدق بنا ، بينما كان غيره من القادة يزحفون في سبيل عرش أو منصب أو جاه . ويوم كانت الصهيونية تقاتل أمثال هذه الفئة ، ولقد كانت النتيجة ما عرفتم من تمركز الصهيونية في قلب هذا العالم العربي ، تمركزا نبّه اليه أنطون سعادة .
" حين كان الاستعمار يلهينا بصغائر الأمور ، كان أنطون سعادة ينذر بسوء المصير ، متسلحا بوعي قومي لا يرضى مساومة على أرض ، هي ميراث هذه الأمة الطبيعي " .
أما سعيد فريحة فقال فيه :
" ارتجل دفاعا استغرق ساعة ونصف دون أن يتلعثم لسانه ، أو يعثر بكلمة نابية .
" وتلقى حكم الموت وكأنه تلقى دعوة الى غداء ...
" وذهب بعد الحكم الى السجن ، فإذا به ينام ملء جفنيه ... وكأنه حكم عليه بالنوم لا بالموت !! ولما أيقظوه سألوه : ماذا تطلب قبل تنفيذ الاعدام ؟ ... طلب فنجان قهوة .
" انتهى بعد أن أثبت في أحرج اللحظات أنه لا يصطنع الرجولة ، ولا يتكلّف التهذيب ورباطة الجأش ... بل أن هذه الصفات طبيعية في الرجل الذي لا تنقصه العبقرية " .
وقال جبران مسّوح ، تحت عنوان " أضاعوه وأي فتى أضاعوا " :
" أنطون سعادة سبق عصره بمئة سنة على الأقل ، ولو عاش لسار بأمته كلها هذه المسافة الشاسعة .
" أنطون سعادة أوجد قضية وطنية من صميم الشعب ، لا علاقة لها بالخارج ، وجمع تحت لوائها المسلم والمسيحي ، ليموتا في سبيلها برضاهما واختيارهما ، وهي معجزة لم يستطعها أحد قبله .
" إن البطون الشرقية يجب أن تستريح ألف سنة ، لعلها تستطيع بعد ذلك أن تحمل مثل أنطون سعادة .
" ... ولكن فخارنا في هذه الحرب ، أن سعادة كان من أعظم قوادها على الاطلاق ، الى أن وقع في الميدان ، أعظم شهدائها على الاطلاق " .
وشهد المير فريد شهاب ، في مجلة " صباح الخير ، العدد 256 ، تاريخ 12/7/1980 ، الذي كلّف بنقل أنطون سعادة من دمشق الى بيروت ، يقول :
" كنت أحترمه كثيرا بل كنت معجبا به ، فلم أستطع التحدث اليه أو التعبير عن أي شيء ولم أتلفظ بأي كلمة . تسلمته من المخابرات السورية وسلمته مباشرة للضابط العسكري اللبناني .
" أنا لبناني قبل أي شيء آخر ، لكنني لو عرفت أن لبنان سيصل الى ما وصل اليه اليوم ، لحاربت مع أنطون سعادة "
أما خاتمة هذه المقالة ، فبعض مما جاء في استجواب الزعيم كمال جنبلاط للحكومة في مجلس النواب بتاريخ 16 آب 1949 :
" ... الآن ، وقد تم للحاكمين سعيدا في ربوعنا ما شاؤوا من تنكيل وتشريد واغتيال ، فليتحصّنوا جميعا داخل بيوتهم ليحولوها لترسانات حربية يحيط بها العديد من زلمهم ورجالهم وقبضياتهم ، تحميهم شر الاغتيالات ، فإنهم قد حكموا على أنفسهم بالقلق المستمر ، وبالتخوّف الدائم وبالشك الذي يتآكل الحس ويهشّم الضمير . فسبحان الله ، كيف أن الثأر يشعر وكأنه طليق حتى في أعماق السجون ، وفي وحشة القفر وانفراد العزلة ، وهم يشعرون وكأنهم في سجن تتلوى على نفوسهم فيه قضبان الحديد ، وهم في الواقع ضمن جدران منازلهم المحصنة .
" ... حرصنا طيلة هذه النبذة أن نستشهد ما أمكن بأقوال الأستاذ أنطون سعادة ، للتدليل على قيمة الرجل الفكرية ، وعلى قيمة الخدمة الفكرية التي أداها لجيل أدرك الوعي القومي على يده . وسعادة في الواقع كما أشرنا ، رجل عقيدة ومؤسس مدرسة فكرية كبرى ، وباعث نهضة في أنحاء الشرق ، قد يندر لها مثيل " .
فهذا رجل من بلادي ، استشهدت بما تيسّر من أقوال ومواقف ، لأشخاص عارضوا طريقة محاكمته والحكم عليه وتنفيذ هذا الحكم . لم يكونوا كلهم قوميين سوريين ، بل وقفوا منتصبين مدافعين، عن هذا الرجل ، الذي كان علماً من أعلام بلادي .
|