بيروت ـ حاوراه طارق ترشيشي ووفاء عواد
يصرّ الأمين علي قانصو، الوزير «الدولتيّ» الحالي في الحكومة الأولى للعهد الجديد في لبنان، والرئيس السابق للحزب السوري القومي الاجتماعي، على وضع الزوبعة «الهيصة» التي رافقت توزيره، والتي أحالته إلى «نجم» الإعلام، على مدى أيام سبقت الإعلان عن التشكيلة الوزارية، في «ذمّة» الماضي و«أدراجه»، منعا لـ «تعكير» أجواء الوحدة الوطنيّة.
وجلّ ما يهمّ الوزير «العنيد»، الذي لم يتراجع أمام الحملة التي استهدفته، هو أنه تسلّم موقعا سياسيّا لا خدماتيّا، ويأمل في أن تكون الحكومة الحاليّة «اسما على مسمّى».
ومن بوّابة انتمائه إلى حزب مقاوم لا طائفي، يشير إلى أن القيد الذي كان يكبّل توزير حلفاء سورية، غير الممثلين للطوائف، قد «انكسر»، بعد «ترنّح» المشروع الأميركي، الذي كان يضع القيود بمساعدة «حلفائه» في لبنان، مشدّدا على أن «المقاومة تبقى مقاومة، حتى ينتهي دورها في تحرير كل الأراضي اللبنانيّة المحتلّة».
وإذ ينفي قانصو كل التهم التي تطول «القومي»، حيال أي عملية اغتيال أو تفجير، مستندا إلى نتائج التحقيقات في جريمة «عين علق»، التي أثبتت مسؤولية «فتح الإسلام» عن تنفيذها، بعدما كانت أصابع الاتهام موجّهة إلى حزبه، يستشرف خريطة المشهد السياسي المقبل في لبنان، بعد الانتخابات النيابيّة ربيع الـ2009، بالقول «المعارضة الحاليّة ستكون هي الأكثرية».
وفي انتظار الآتي، كان لـ «أوان» حوار مع الوزير قانصو، الذي ما يزال في مرحلة «ترحال»، قبل أن يتسلّم مكتبه في السراي الحكومي الكبير.
{ لماذا كان ذلك «الفيتو» الكبير على توزيرك قبل العودة عنه؟
ـ أنا أعتبر أن هذه الصفحة أصبحت في أدراج الماضي، بعد تشكيل الحكومة وتوزيري فيها. لذلك، لا أرغب في الحديث كثيرا عن هذا الموضوع، منعا لـ «تعكير» الأجواء، في الوقت الذي تحتاج فيه الحكومة إلى أن تكون اسما على مسمّى: حكومة الوحدة الوطنيّة.
وإذا كان لا بدّ من استرجاع ما حصل، فأول ما أشير إليه هو أننا كحزب، لم يردنا أي كلام صادر عن لسان رئيس الحكومة المكلّف، حينذاك، فؤاد السنيورة، مباشرة في شأن الاعتراض على توزيري، وأن كل ما وردنا في هذا الشأن كان على لسان المصادر. ولذلك، اتخذنا قرارا بعدم الردّ على كل ما أذيع وأشيع.
أما لماذا افتُعلت «الهيصة» على توزيري، فإن ذلك كان عائدا، ربما، إلى عدّة أسباب:
أولا: إخفاء جملة الإرباكات التي كان يتخبّط فيها فريق 14 آذار، لدى تشكيل الحكومة، وهذا الأمر ثبت بالملموس، بعدما تمّ الاتفاق على حصّة رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون. حينها، تواصلت اجتماعاتهم على مدى يومين، ليرتّبوا توزير مرشّحيهم. وقبل تشكيل الحكومة بنصف ساعة، لم تكن قصة التوزير منتهية عندهم؛ فنهاد المشنوق وغطّاس خوري وسمير الجسر، طارت أسماؤهم في اللحظات الأخيرة.
ثانيا: أسباب سياسيّة مرتبطة بكون الحزب الذي أنتمي إليه هو حزب غير طائفي، وبالتالي فإن خرقه للوحة الطائفيّة المكوّنة لمجلس الوزراء كان مسألة غير سهلة، وما دخوله إلى الحكومة إلا بمثابة خلق صوت مختلف، على مستوى أطروحاته الإصلاحيّة، وكثيرون لا «يهضمون» هذا الأمر.
ثالثا: التحالف القائم بيننا وبين الشام: أما بالنسبة إلى كل ما قيل في شأن «مناكفات»، كنت أقوم بها في عهد حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري، فهو كلام غير دقيق. كل ما كنت أقوم به لم يتعدّ التعبير عن وجهة نظر حزبي، في شأن الملفات التي كانت تطرح على طاولة البحث، كملفّ الضمان الاجتماعي مثلا، إذ لم أكن لأوافق على سياسات خصخصة هذا الملف، ولوضع نحو مليون ونصف المليون لبناني، يستفيدون من خدماته، تحت رحمة القطاع الخاص. لم أكن أرى مبرّرا لوجود مشروع الدولة، في حال لم تكن دولة راعية، وفي حال تعاطيها مع المواطنين كأرقام وكمصادر ضريبة. فإذا كان تميّز الحزب بمواقف معيّنة داخل الحكومة يسمّى «مناكفة»، فهذا ليس له سوى معنى واحد، وهو الافتئات على الحق الطبيعي لأي حزب موجود ضمن التركيبة الحكوميّة، والذي يجب عليه أن لا يكون تحت «إبط أحد».
{ ألم تكن أحداث 7 مايو (أيار) الفائت سببا في ما أثير حول توزيرك؟
ـ بعض المطابخ الإعلامية حمّلتني مسؤولية ما سمي بـ «اجتياح» بيروت، وأحداث الشمال، فضلا عن قول رئيس كتلة «المستقبل» النائب سعد الحريري بأنني هدّدته. تحميلي المسؤولية لم ولن ينطلي على أحد، فنحن حزب من أحزاب المعارضة التي دفعتها الحكومة بالقرارات التي اتخذتها، ولاسيما في ما يتعلّق بشبكة الاتصالات، إلى القيام بعمل دفاعي ووقائي للمقاومة.
نحن، كحزب مقاوم، شاركنا لكوننا معنيّين، كما «حزب الله»، بأمن المقاومة وسلامتها. وفي أحداث الشمال كنا الضحيّة، من خلال «مجزرة حلبا»، التي نفّذها عناصر من تيار «المستقبل»، إلى جانب آخرين منضوين تحت مظلّته، ما أسفر عن استشهاد 11 رفيقا، والتنكيل بجثثهم بطريقة بربريّة لم يعرفها التاريخ، وما مورست حتى على أيدي الإسرائيليين، فضلا عن جرح 7 آخرين، ورفاقنا كانوا موجودين في مركز الحزب في حلبا، ولم يعتدوا على أحد.
وحينما عقدت مؤتمري الصحافي، حمّلت الحريري المسؤولية السياسيّة عن المجزرة، وطالبته بـ «التنديد» بها، على أن يتمّ الاحتكام في هذا الملفّ إلى القضاء اللبناني. أنا لم أهدّد أحدا، لا سعد الحريري ولا غيره، لكنني أشرت إلى أهمية أن يقول القضاء كلمته، بما يجنّب منطقة عكار، بتركيبتها العائليّة، ردود الفعل التي ليس في استطاعة أحد ضبطها أو التحكّم فيها. وفي هذا الصدد، أؤكّد أن توزيري لم يكن مقايضة مع «مجزرة حلبا».
«لا شعرة.. ولا حتّى خيط»!
{ لماذا يرتبط اسم الحزب «القومي»، دوما، بالاغتيالات والحوادث الأمنية؟ ولماذا تقترن علاقته بسورية بكلمة «العمالة»؟
ـ خلال السنوات الثلاث الأخيرة، شهد لبنان حوادث أمنية كثيرة، بدءا من محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة، ومرورا باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ووصولا إلى التفجيرات الأمنية المتنقّلة، وقد وضعت لجنة التحقيق الدوليّة يدها على كل هذه الملفّات، كما الأجهزة الأمنية والقضائيّة اللبنانية التي هي ليست محسوبة علينا.
ولو أن هناك «شعرة، لا خيط» بحقّ الحزب القومي، لكانوا جعلوا منها «جَمَلاً».. وهنا، أذكّر بأنه يوم وقوع تفجير «عين علق»، حمّلت بعض وسائل الإعلام الحزب القومي المسؤوليّة، تماما كما كان الأمر يوم اغتيال الوزير بيار الجميّل. انجلت حقيقة «عين علق»، وكشف القضاء والأجهزة الأمنية هوية مرتكبيها، أي عناصر من تنظيم «فتح الإسلام».
لذلك طالبت، في إحدى المناسبات الحزبيّة، بالاعتذار من الحزب على اتهامه بارتكاب هذا التفجير، ومثلما ثبتت براءة الحزب من «عين علق»، ستثبت براءته من كل الاغتيالات والتفجيرات.
إن «النيشنة» على الحزب القومي لا تستهدف التصويب عليه فقط، بل لكي «يصيبوا» سورية، وحزبنا تربطه بها علاقة تحالف بدأت منذ السبعينيات، أيام الرئيس حافظ الأسد، بعيدا عن منطق «التابع والمتبوع».
نحن لسنا تابعين لسورية، فنحن موجودون في لبنان منذ العام 1932، وقبل وجود النظام السوري الحالي، وما تحالفنا معها إلا من باب كونها قاعدة ممانعة، في كيانات الهلال السوري الخصيب.
فإذا استثنينا سورية، لا بدّ من طرح مجموعة أسئلة: من هو الداعم للقضية القومية؟ من يقول «لا» للسياسات الأميركيّة ولإسرائيل؟ من يدعم مقاومة فلسطين ولبنان والعراق؟ من وقف مع إعادة السلام والاستقرار إلى لبنان، بعد «اتفاق الطائف»؟
ووفق هذه القواعد الإستراتيجيّة، كانت علاقتنا التي نعتزّ بها مع سورية، والتي لم تكن يوما على حساب تطلّعات اللبنانيين. أما تصنيفها بأنها علاقة «عمالة»، فإنه يصبّ في خانة وصفنا بما يمارسه مصنّفونا، فنحن لم نقم علاقة «تبعيّة» مع الإدارة الأميركيّة، ولا مع الحكومات العربية السائرة في ركب السياسات الأميركيّة، مثلما فعلوا هم، إلى حدّ جعل السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان «يديرهم»، وليس الرئيس الأميركي جورج بوش.
وفي النتيجة، فإن من يتعامل مع حليف العدو هو في موضع الملامة، وليس من يقيم تحالفا مع داعم كل مقاومات شعبنا، أي سورية، التي كانت وما تزال في موضع الاحترام لدى كل قوى التحرّر والأحزاب المقاومة في لبنان.
{ هل كان توزيرك كقومي، في حكومة العهد الجديد، بمثابة رفع «الفيتو» عن الحقبة السورية؟
ـ من حق الحزب القومي أن يكون ممثّلا في الحكومة، وهو الذي لديه كتلة نيابيّة، وليس خارج خريطة الواقع السياسي في لبنان، كما أنه شارك منذ «اتفاق الطائف»، في الحكومات المتعاقبة، باستثناء السنوات الثلاث الأخيرة التي شهدت حكم الأكثرية.
لهذا الحزب تاريخ من التضحيات «كرْمال لبنان»، بدءا من شهيد الاستقلال الوحيد سعيد فخر الدين، الذي سقط في مقارعة الانتداب الفرنسي، ومرورا بالريادة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، واستشهاد المئات من أعضائه، ووصولا إلى تقديمه كثيرا من الشهداء في مواجهة المشاريع التقسيميّة، فضلا عن كون الحزب منتشرا على امتداد مساحة لبنان، أكثر بكثير مما هو عليه حال أحزاب الموالاة.
أما بالنسبة لقراءة تمثيل الحزب القومي، على أنه علامة من علامات رفع «الفيتو» عن القوى الحليفة لسورية، فلا بدّ من التذكير بأن حركة «أمل» و«حزب الله» هما حزبان حليفان لسورية، وكانا ممثّلين في الحكومة السابقة، وفي ظل وجود الأكثرية.
من الممكن أن يكون للحزب القومي «نكهة خاصة»، لأنه ليس حزبا طائفيّا، فهل من الممكن أن يكون قد انكسر القيد على توزير حلفاء سورية غير الممثلين للطوائف؟ نعم، انكسر القيد، لأن المشروع الأميركي الذي كان يضع القيود، تعرّض للاهتزاز و«ترنّح»، كما أن قدرة حلفائه في لبنان لم تعد كما كانت في السابق، وذلك، من دون إغفال «اتفاق الدوحة»، الذي لم يقيّد اختيار 11 وزيرا من المعارضة، بأي قيد.
ولذلك، وقفت المعارضة بكل أطيافها، موقفا رافضا لأي «فيتو» على أي اسم مطروح للتوزير. وفي رأيي، كان ثبات موقف المعارضة متقدّما على ما عداه، في شأن توزيري.
3 مرجعيات للبيان الوزاري
{ حاليا، وبعد أن تشكّلت الحكومة، تمّ الانتقال إلى إعداد البيان الوزاري. هل هناك خشية من أن تكون البلاد انتقلت من الخلاف على الحكومة، إلى الخلاف داخل الحكومة؟
ـ خلال انعقاد الجلسة الأولى لحكومة العهد الجديد، يوم الأربعاء الماضي، كانت الأجواء مريحة وإيجابيّة. وأُرجّح أن يتمّ التفاهم على البيان الوزاري، وتحديدا على الخيارات الوطنية، لأن هناك شبه توافق على اعتماد بعض المرجعيّات، لتحديد الموقف من هذه الخيارات، منها مرجعيّة «اتفاق الطائف»، والذي يتضمّن الحديث عن علاقات مميّزة مع سورية، وعن حق لبنان في اعتماد كل الوسائل، بما فيها المقاومة، لتحرير ما تبقّى من أرضه محتلاً.
أما المرجعية الثانية، فهي البيان الوزاري للحكومة السابقة، الذي أكّد على الموقف نفسه. وفي رأيي، سيشكّل كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان المرجعيّة الثالثة، ولاسيما ما قاله في باريس حول العلاقات اللبنانية- السوريّة، وما قاله عن المقاومة في مطار بيروت، عند استقبال الأسرى المحرّرين من السجون الإسرائيليّة، وتأكيده حق لبنان في اعتماد كل الوسائل المشروعة والمتاحة، لاستعادة سيادته على كل أرضه. وإذا اعتمدنا هذه المرجعيات الثلاث، لن يكون هناك خلاف حول الموقف من الخيارات.
أما الشقّ الثاني من البيان الوزاري، فيتعلّق بملفّات أخرى، ولا أعتقد أنه سيكون حولها خلاف كبير، بدءا من الملف الأمني الذي يتطلّب وفاقا سياسيّا، بعيدا عن معالجته بالأدوات الأمنيّة، ومرورا بالملفّ الاقتصادي- الاجتماعي، بعناوينه المتعدّدة، والذي سيستفيد كثيرا من الوفاق السياسي، ما سيضع حدّا لـ «جشع» التجّار المستفيدين من حال «التسيّب» الحاصلة، هذا فضلا عن ضرورة فتح ملفّ زيادة الأجور مجدّدا، وصولا إلى ملف التحضيرات للانتخابات النيابيّة، والتي تمّ الاتفاق في الدوحة، على اعتماد قانون الـ 1960 في إجرائها.
وفي هذا الإطار، أشير إلى أننا كحزب لسنا موافقين على هذه الصيغة، كونها تعزّز الخطاب المذهبي، وسلطة المال السياسي، وسلطة العائلات والعشائر، بينما نحن في أمسّ الحاجة إلى تطوير الحياة السياسيّة في اتجاه الوطن.
ولذلك، نقول بضرورة اعتماد تقسيمات «اتفاق الطائف»، التي هي المحافظات مع إقرانها بالنسبيّة، علما أننا قدّمنا العام 1997، مقترح قانون إلى مجلس النوّاب، يقضي باعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة مقرونة بالنسبيّة، بما يطوّر النظام في اتجاه لا طائفي، وإلا فسنبقى نشهد كل 10 سنوات حربا تنتهي بتسوية ما.
{ في يوم تحرير الأسرى، أشار الأمين العام لـ «حزب الله» إلى أن ما من أحد في الحكومة يريد «النكد أو الكيد». هل يعني ذلك تخليا عن طاولة الحوار المتفق عليه في الدوحة، على أن يدعو إليها رئيس الجمهورية، وتحصر بالحكومة؟
ـ لا، لأن السيّد حسن نصرالله أشار إلى جهوزيّة «حزب الله» للتحاور حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة، وهو لم يقل كلامه ليقطع الطريق على الحوار، الذي سيدعو إليه رئيس الجمهورية، وليس لدى أي أحد خشية من فتح هذا الملف.
ولكن، هل ستبنى هذه الاستراتيجيّة على قاعدة تحديد الخطر على لبنان؟ وكيف سيكون الدفاع في وجه إسرائيل؟ هل سيكون الجيش وحده هو المدافع؟ لو أن الجيش يمتلك القدرات، التقنيّة في الأقلّ، فسيكون موضوع قيامه بالدفاع ممكنا. جيشنا لا يمتلك الصواريخ ولا المدرّعات ولا الأجهزة التقنيّة الحديثة، لذا من سيكون قادرا على الدفاع في وجه أعتى عدوّ؟ ليس في مقدور الجيش وحده، أن يتولّى هذه المهمّة، فإذا لم تُبنَ الاستراتيجيّة وفق قاعدة التكامل الواضح والمدروس مع المقاومة، لا تكون استراتيجيّة دفاعيّة.
وفي هذا السياق، يطرح البعض جعل المقاومة جزءا من الجيش، وهذه مسألة غير منطقيّة، لأن ما من مقاومة في العالم صارت جزءا من الجيش، لا في فرنسا ولا في فيتنام ولا في الجزائر. المقاومة تبقى مقاومة، حتى ينتهي دورها في التحرير الكامل للأرض.
منزلة بين الحرب والتسوية
{ ما هي قراءتك للمشهد الإقليمي؟ مفاوضات غير مباشرة سوريّة- إسرائيليّة، فشل المشروع الأميركي، حديث عن ضربة لإيران، تهدئة على الساحة الفلسطينيّة برعاية مصريّة. ما هي، في رأيك، عناوين المستقبل؟
ـ بعد حرب يوليو (تموز) 2006، انتقل الوضع الإقليمي إلى مرحلة جديدة، بعد الإخفاق الذي مُنيت به الإدارة الأميركيّة في العراق ولبنان وفلسطين، وهزيمة إسرائيل في لبنان. ولذلك، نستبعد أي حرب إسرائيليّة جديدة على لبنان أو سورية، أو حرب أميركية على إيران، لأن كلفة حروب كهذه باهظة التكاليف على الأميركيين والإسرائيليّين وعلى عرب الاعتدال في آن واحد، والنصر فيها مستحيل.
أما عن احتمال توجيه ضربة أميركيّة إلى إيران، فهذا معناه أن لا قاعدة أميركية في الخليج ستكون في منأى عن النيران الإيرانيّة، وأن مضيق «هرمز» سيقفل بالنار، بما سيركّع أوروبا، ويدفع بأميركا إلى أن ترفع صراخها.
أضف إلى ذلك أن أميركا عاجزة عن تحقيق نصر على إيران، وهي المتخبّطة في وحول العراق، فضلا عن الرأي العام الأميركي، الذي بات «كارها» أي حرب تقوم بها إدارته، بعد تجربتها في العراق.
ولذلك، لا تسويات بمعنى الحلول النهائيّة، حول الملف النووي الإيراني، ولا حول العلاقات السوريّة ـ الأميركيّة، ولا حول المسألتين الفلسطينيّة واللبنانيّة، لأن الثمن السياسي لتسويات كهذه، باهظ جدا على الأميركيين والإسرائيليّين، ولن يكون إلا إقرارا بالهزيمة.
وبناء على ما تقدّم، أرى أن كل الأمور مرهونة بالانتخابات الأميركية المقبلة، بما يبقيها في منزلة بين اثنتين: لا منزلة الحرب ولا منزلة التسويات. لذا، نشهد تحضير المسرح في المنطقة للحلول، بجعله هادئا بعيدا عن التوتّر، مع إبقاء أي اهتزاز أمني تحت السيطرة، والدليل على هذا الأمر تراجع العمليات في العراق، والتهدئة في غزّة بين «حماس» وإسرائيل برعاية مصريّة، فضلا عن المفاوضات غير المباشرة الإسرائيليّة- السوريّة، و«اتفاق الدوحة» الذي عُقد من أجل لبنان.
{ في ظل هذا الواقع الإقليمي، هل من الممكن أن يشهد لبنان تحالفات سياسيّة جديدة؟
ـ نتوقع أن تشهد الساحة اللبنانية عملية خلط أوراق، مشدودة إلى مصالح الأطراف، المرتبطة بالانتخابات النيابيّة المقبلة، وقد بدأت معالم هذا الخلط، بدءا من انسحاب حزب «الكتلة الوطنية» من فريق الموالاة، ومرورا بالكلام الصادر عن النائب السابق غطّاس خوري في حق «قرنة شهوان»، ربطا بموضوع تشكيل الحكومة، ووصولا إلى إشارة النائب بطرس حرب، في شأن وجود مسافة بينه وبين «فريق 14 شباط».
وأعتقد أن هذا الاتجاه سيقوى مع اقتراب موعد الانتخابات النيابيّة، وكلّي ثقة بأن الأغلبية الحاليّة لن تكون كذلك في الخريطة السياسيّة المقبلة، فالمعارضة الحاليّة هي التي ستصبح أكثريّة.
|