إنه أكثر من عادة وليس طقساً بل هو شحذٌ للهمم وتجديد للعزائم يمارسة القوميون الاجتماعيون كل عام في زيارة ضريح أنطون سعاده في منطقة مارالياس بطينا في بيروت يسبقهم الايمان العظيم بالحقيقة التي شرّعها امامهم شهيد الثامن من تموز يؤكدون فيه انه في كل يوم ينتصرون جيلاً بعد جيل على الجلاد وعلى الموت ويثبتون أنهم أبناء حياة بامتياز.
اليوم 7 تموز هو مرور قرابة ستة عقود على يوم المحاكمة الاغتيال. فجر الثامن من تموز العام 1949. يوم سًُخر القضاء لخدمة الجريمة يوم أطلقت رصاصة الرحمة على رأس "القضاء" في لبنان قبل ان تطلق رصاصة الغدر على سعاده الزعيم الاستثنائي والعقل الذي فجّر أنوار هدايه في الفكر ليغمر هذه الامة التواقة لما هو أفضل. ومع اعلان عقارب الساعة تمام السادسة من بعد ظهر امس حتى بدأ القوميون الاجتماعيون بالتوافد جماعات جماعات وفي تمام الساعة السابعة بدأت الايعازات الحزبية تعلو معلنةً وصول القيادة الحزبية، رئيس الحزب الامين أسعد حردان يترأس موكب القيادة يحيط به رئيس المجلس الاعلى الامين محمود عبد الخالق ورئيس الحزب الاسبق الامين علي قانصو واعضاء المجلس الاعلى والعمد والامناء والمسؤولين والمنفذين العامين وعند وصولهم الضريح تم وضع الاكاليل الاربعة ممثلة المؤسسات الحزبية العليا: رئاسة الحزب- المجلس الاعلى- ومجلس العُمُد- والمكتب السياسي ثم ادى الجميع التحية وكان للمناسبة كلمة القاها عميد الاذاعة والاعلام الامين جمال فاخوري، ونثبت فيما يلي نصها والصور:
أيها الزعيم المعلم والمؤسس والقائد،
أيها الزعيم الفادي والخالد،
ها نحن كعادتنا على إمتداد ما يناهز عقوداً ستة نأتي إليك عشية كل ثامن من تموز، أمينات وأمناء، رفيقات ورفقاء، مواطنات ومواطنين، ننهَلُ من أمثولتك أبلغ معاني الرسوخ في الإيمان بالقضية السورية الجامعة وصلابة الإرادة في تنكّب أعبائها وموجباتها ومضاء العزيمة في العمل لها بلا وجَل أو كَلل أو تراجع.
نشخص إليك عشية الثامن من تموز، وبعد جريمة الإغتيال القضائية والسياسية النكراء التي إستهدفت حياتك واهمة أنها تجهز على الوعي الذي نشرته في الأمة وتقضي على حركة نهوضها وتدّمر صفوف العاملين لها وتلغي بزوغ فجرها الجديد فنراك في مثل هذه العشية قبل تسعة وخمسين عاماً قائداً تعاظم إيمانه بأمته الزاخرة نفسها بقيّم الحق والخير والجمال، ثابت الجنان، هادىء الأعصاب، واثقاً بأن الطريق الذي يسير فيه سيبلغه حتماً المرامي والأهداف التي كرّس لها كلّ وجدانه وجهوده وإمكاناته على إمتداد عمره منذ كان بَعد فتىً يافعاً وحتى مماته المبكر وهو لم يتعدَّ الخامسة والأربعين.
ثم نلتفت الى سجّانيكَ والكاهن الذي جاء ليعرّفكَ، فإذا وجوههم لوحات من قسمات الدهشة وعلامات الحيرة وأمارات الإعجاب أمام هامتكَ الأبية وملامحكَ المطمئنة وتصرفاتك التي لا تنبىء بأنكَ تستعدّ للرحيل مع بزوغ الفجر الطالع، بل إنها تشي بما يشبه الزهو بأنكَ المنتصر حقاً على قاتليكَ وبأنهم هُم الزائلون الى دياجير الفناء المظلم وبأنكَ السائر لا الى خشبة الإعدام بل الى سدّة الحياة الخالدة في أمتكَ الهادية وحزبكَ المجاهد.
كنتَ أيها المعلم الفادي تعرفُ منذ البدايات الأولى لوعيكَ القومي أن أعمار الأفراد ودماءهم وآلامهم وأحلامهم وتضحياتهم هي أثمانٌ قليلة إذا ما بُذلت لدفع الويلات التي حلّت بالأمة لأنها تشتري بها مستقبلَ أجيالها وكرامة أبنائها وعزّتهم وشرفهم وحقهم في ردع الطامعين بأرضهم الخيّرة والمستهينين بإنسانها وحقوقه وبتاريخها الثقافي والحضاري المجيد.
ولأنكَ أدركتَ أيضاً أن مصالح الأمم العليا ومصائرها في عالم صراع الأمم والمجتمعات لا تتحقق بالتمني ولا بالركون الى الإرادات والحمايات الخارجية بل بوحدة الإرادة الشعبية العامة وإستقلالها المبني على المعرفة والوعي وعلى القوة الذاتية المادية والمعنوية التي تنشأ عنهما وبالإيمان العميق والجهاد المتواصل والإقدام والبطولة والتضحية حتى الشهادة بالدم، أزكى الشهادات،
ولأنكَ بالتالي أطلقت في شعبكَ روح المقاومة والفداء في خطة نظامية بديعة الأسس والصفوف،
ولأنكَ كنتَ تسارع الزمن في التصدّي للغزوة اليهوديةـ الصهيونية الإجرامية لبلادنا بدءاً من فلسطين فأعلنت في الأول من حزيران من العام 1949 عن خطتكَ العملية لمواجهتها بالقوة المشروعة،
لذلك سارَعت القوى المعادية في الخارج وأعوانها وأدواتها في الداخل الى إستهداف حياتكَ ودوركَ ومشروعكَ وقضيتكَ:
فمقاومة القدر الذي رسموه لأمتنا كلّها يجب في نظرهم حظرها والقضاء عليها في كلّ جبهة ومستوى وزمان.
إن أمتكَ أيها المعلم والقائد والقدوة ما زالت هدفاً لأطماع غزوة العدو "الإسرائيلي" وحلفائه وإعتداءاتهم من فلسطين الى لبنان والشام والعراق، وما زالت مواقع القوة والمقاومة فيها تُحاصرُ وتُستهدفُ وتُرتكبُ ضدّها الجرائم وأفعال الإضطهاد والتشريد والقتل الوحشية والموصوفة بهدف إخضاعها تمهيداً للقضاء عليها.
ولكن المقاومة المؤسسة على صحة العقيدة والبطولة والخطة النظامية والمناقب والأخلاق التي إفتتحتَ عهدها في أمتنا قد إمتدّ فعلها فيها وأخذ يتحول الى ثقافة جامعة لأجيالها الشابة وأبنائها الأبرار وهي أخذت تحرز الإنتصارات في المواجهات مع العدو "الإسرائيلي" ومع جحافل قوات حلفائه من الأمم الكواسر.
وإنّ النصر الذي قلتَ إننا لو شئنا أن نفرّ منه لَما وجدنا الى ذلكَ سبيلاً، باتَ أقرب منالاً على الرغم من تفاقم التألب المعادي علينا ومن إيقادهِ الصراع المذهبي بيننا الذي لم ينّفك العدو وحلفاؤه عن إشعاله وإستعماله أداةً سهلةً وجاهزة للمشروع المعادي منذ مطالع القرن الماضي وحتى اليوم.
وإنّ حزبكَ ما زالَ حاضراً في الصراع ضدّ قوى المشروع الذاتية وأدواته التفتيتية وعاملاً بنظاميّ الفكر والنهج عينهما اللذينِ وضعتهما كضامنيّن لإستمرار كفاحه ولإنتصار قضيته، قضية الأمة كلها.
وهو على الرغم من إنخراطهِ في الصراع الدائر مع هذا المشروع في كلِّ مراحله ومستوياته وفي كلّ ساحةٍ يتمّكنُ من الحضور فيها، فإنه ما زالَ حريصاً على قيمة النظام العليا التي أسستهُ عليها.
وهو على الرغمِ من شدّة الظروف الأمنية التي حصلت في لبنان مؤخراً، حرِصَ على أن يكرّسَ قاعدة إحترام مبدأ تداول السلطة فيه، في المواعيد ووفق الشروط الدستورية المنصوص عليها.
ولقد نجح الحزب في تحقيق عقد مؤتمره العام وإنتخاب هيئة مجلسه الأعلى الجديدة ومن ثم إنتخاب رئيس جديد للحزب تسلّم المشعل من سلفهِ بأبهى أشكال الديموقراطية والتضامن والوحدة.
ونستطيعُ أيها المعلم الفادي أن نبلغكَ قرب عودتكَ وحزبكَ الى بيتكَ في الشوير إذ كان استردادهُ أول أعمال رئيس الحزب الجديد في يوم تسلم مسؤولياته.
أيها المعلم الهادي والفادي،
إننا نعاهدُكَ في ذكرى فدائكُ هذه أن لا ننثني عن متابعة مسيرتكَ وخطتكَ النظامية ومقاومتكَ وهدفكَ القومي النهضوي والحضاري والإنساني مهما إشتدّت الصعاب والمحن ومهما غلت التضحيات حتى إبلاغ شعبنا نصرهُ المنشود على عدّوه الأوحد الذي يقاتله في دينه ووطنه، العدو "الإسرائيلي"، وحتى تنهضَ الأمة كلها الى مراقي العز والمنعة والكرامة والفِلاح وتحتلّ مكانتها السامية تحت الشمس وبين الأمم.
وإن حزبكَ يعاهدكَ أيضاً في الثامن من تموز بأنه سيستمر في مكافحة عوامل التخلف والجهل والرجعة التي ما زال بعض الأمة يتخبط فيها، وبأنه، عملاً بتعاليمكَ، لا يَعتدي على أحد ولكنه لا يسمح بأن يُعتدى عليه.
أيها المعلم الفادي،
نوجه تحية سورية قومية إجتماعية الى دمِكَ الذي غار في رمال بيروت ليمتدّ في كل أرض الوطن، فيحّولها الى رواسي من الصمود والى براكين شمخاء من لهيب الإيمان وحِمَم القوة.
ولتحي يا سعاده العظيم
ما حيّيت سورياكَ العظيمة
والمجد والخلود لشهدائنا
وشهداء المقاومة والأمة الأبرار
المركز في 07 تموز 2008
عميد الإذاعة والإعلام
الأمين جمال فاخوري
        
|