تختلف رجاء شاهين لدى كتابتها عن احد ما بالتأكيد ليس في ظاهر مفهومها للحدث او النص، بل في احساسها فيه وتشكله لديها ... ففي داخلها مفردة الحدس الذي يلقط الحروف ليحولها لغة مستعاضة عن فقد ما، عن عطش ما، لا تروي غليلها الا اذا صاحبت النص بمفهومها ومخزونها التلقائي.
ولكي يكون الاديب كاتباً عليه ان يتحلى بحس النقد المعرفي، وقد تتشاكل الاتجاهات في التدليل على هذا المعنى، فبعضهم يروح الى تثبيت ان الشاعر او الاديب خير ناقد لاعماله، ومن جانب اخر ان الناقد هو مشروع اديب لا يحظى بنعمة الانتساب الى الادب لكن المفيد ان نقرأ كي نفهم ان الشاعر والاديب هما اكثر غلاسة من الليل حين يتمكن من الصبح، بمعنى اصح،أن المبدع دائما بحاجة الى تبرير لنصه ولو كان مخطئاً. هذا قطعاً يدلنا على ان الناقدة رجاء شاهين تقفز الى النص لتحيطنا بما لا نعلمه او يخفى عنا، وهذا ارقى ما يكون حين تدخل الموضوعية ميدان الادب لتحقق في الشاعر ما لم يحققه لنفسه في خطواته واعماله اللاحقة.
لم احظ بعد بمعرفة الناقدة رجاء كامل شاهين سوى ساعة واحدة كان على اثرها، ان اجرت دراسة عاقلة على بعض اعمالي وجمعتها في كتاب. استفزني الحدث وجعلني ادرك ان عالمنا العربي مغبون لأن اشخاصا لم يدركها وهو بأمس الحاجة اليها على صعيد النقد الادبي والتناقض او التجاذب الفكري والسياسي، وقد استولدني الكتاب على معرفة ان البركان حين يفيض لا يشعر بانطلاقته مثلما يعيش انقباضاته لذا يجب ان يبقى هناك لغة تشهد تحرك الفيض لتشرح مدلول التحول وانعطافاته وارهاصاته. من هنا الحاجة الى عين مبصرة تدرك المشهد من بعيد، وهي في الحد الطبيعي الفاصل الذي تنكسر فيه نتوءات البركان وشظاياه، لتخلق مع الحالة ادوات التعبير الارقى والاسلم، وليشعر المبدع ان هناك عيناً عاقلة تجول وتصول لتنظر في ابعاد المشهد وبتلقائية ذكية وبنائية.
من خلال هذا النص الكتاب الذي تحفزنا رجاء شاهين اليوم على قراءته " ادباء من سوريا ولبنان"، لقطات تجعلنا نتحين الفرصة والوقت المناسبين لنستهل فيها ومعها حركة الانطلاق نحو ما يجب ان نراه في كل حركة عند المبدع، وقد يكون احد الجوانب مفتاحاً يضيء على جوانب اخرى، وتترك لنا في اماكن اخرى طريقة استجلاء المشهد، انها الكتابة التنويرية التي تحضّ على متابعة ورؤية ، وتفتح امام المبدع الافق ليتشاكل مع الحقيقة المعرفية لادواته المستعملة.
ويبقى ان نلحظ مدى جوانيّه الربط بين ادوات العلة واختلافات المعلول في سياق قراءتنا لنص ما، يكون العنصر الاهم في الموضوع دائماً هو ما يخفف من الاحاطة بتبريرات قد يسوقها الاديب او الشاعر نفسه للدخول الى أنسنة الفكرة.
فاذا كان الصحفي هو مؤرخ أللخطة كما يقول البر كامو، فان الناقد هو مجدد الفكرة، النقد الذي تتبعه رجاء شاهين صاف في تحولاته البنيوية، وهو غير مسبوق بهدف ما سوى النقد، وهذا ما يشعرنا بالارتياح لدى ملامستنا عناصر العمل المعرفي انطلاقاً من معرفة النص نفسه قبل معرفة صاحب النص، وهذا يتيح لنا فرصة اسكتناه الخفايا الجميلة باقل كلفة ممكنة وانه ما يحتاجه عالمنا العربي كي يخرج من الخرافة- الكذبة- المناورة الى العقل - الفعل - الحكمة ... فيكون حينها قد حصل التوازن بين ما هو كائن وما يجب ان يكون فعلاً.
انها فرصة ذهبية لاكثر من رجاء شاهين يمكن ان تصل الى متابعة اللغة كونها كائن يتحرك يخلق جديداً كل وقت... لا الى جماد او ثبات يتحول الى قداسة لا تستولد الحقائق المعرفية.
انها فرصة الناقد اللاقط للحدث، عبر معارفه، واستنساباته يكون ضمنها الاديب والشاعر تلميذاً على حائط المعرفة ينتظر قصاصه الرؤيوي.
|