عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

على حـرمون وقف17 سورياً قومياً اجتماعياً وأيديهم مرتفعة وهتفوا ليحيي سعاده- الأمين نواف حردان طباعة ارسال لصديق
الاثنين, 07 تموز 2008
saadeh_new_2.jpg  

في مذكراته "على دروب النهضة"، يورد الامين نواف حردان عن مشاركته في الثورة القومية الاجتماعية الأولى، وقد قلّده زعيم الحزب رتبة نائب في المليشيا، واسند اليه قيادة القوميين الاجتماعيين في منطقة مرجعيون. فيه معلومات عديدة جديرة بأن تقرأ.

في أحد فصول الكتاب يتحدث الأمين نواف عن اعتصامه ورفقاء في جبل الشيخ، ثم عن تلقيهم خبر استشهاد سعادة، وكيف وقف الرفقاء "كتماثيل الآلهة وايديهم مرتفعة بالتحية السورية القومية الاجتماعية تشق الفضاء"...

مثلهم يقف القوميون الاجتماعيون في كل محنة، ولسعادة يهتفون ايماناً بتعاليمه، وتصميماً مستمراً على مواصلة الجهاد.. الى ان ينتصروا.

القبض على الامين عجاج المهتار

بعد ان عدت من الكمين الذي نصبناه للجنود على جانبي الوادي، كما ذكرت سابقاً، ولم أجد أثراً للرفيق زيد الأطرش، في المكان الذي كنا قد جعلناه مقراً لنا.

قررت بعد تفكير قليل، ان اكتب تقريراً مفصّلاً للزعيم في دمشق، أشرح له فيه ما جرى معي، وأطلب تعليمات جديدة.

جلست وكتبت التقرير ثم ناديت الرفيق يوسف الصبّاغ، وطلبت منه ان يحمله لمدير مديرية عرنة، الرفيق رشيد مجاعص(1)، ويطلب منه ان يرسله لقيادة الحزب في دمشق، فسار على الفور ينفذ ما طلبته منه.

في صباح اليوم التالي عاد، وعلى وجهه تبدو مظاهر الخيبة فقال لي:

•-       اعتذر الرفيق رشيد مجاعص عن تسليم الرسالة، وقال لي ان "عرنة" تعج برجال الجيش الشامي، مما يدل على ان حسني الزعيم انقلب علينا.. فلا فائدة من ارسال التقرير.. وقل للرفيق نواف ان يكون شديد الحذر.

حرت بأمري.. وجلست أفكر بما يجب عليّ اقيام به، وقد انسدت أمامي جميع الطرق..

وطال جلوسي وتفكيري.. الى ان اقترب مني الأمين عجاج، الذي كان قد عرف ما أجاب به الرفيق رشيد مجاعص في عرنة، وقال لي:

•-       ليس من مخرج امامنا، سوى ان اذهب بنفسي الى دمشق أحمل التقرير للزعيم، ثم اعود بالتعليمات اللازمة منه، وببعض المعلبات والمأكولات والألبسة والأحذية للرفقاء، لأن الزاد الذي لدينا يكاد ينفذ، وألبسة الرفقاء وأحذيتهم أصبحت في حالة يرثى لها.

وافقت رأساً على اقتراحه، وناديت أخي حليم(2)، وطلبت منه ان يرافق الامين عجاج الى عرنة، لكي يتابع طريقه منها بالسيارة الى دمشق.

وعاد اخي حليم مساء فقال لي انه أوصل الامين عجاج الى ما فوق عرنة.. وظل يراقبه الى ان رآه يدخل البلدة.

ولبثت بعد ذلك انتظر عودة الامين عجاج، بفارغ صبر وأعصاب متوترة.

في صباح اليوم التالي رأيت رجلاً ينحدر من المقلب الثاني للجبل قادماً نحونا فاشتبهت به، وأمسكت كرّاري وأطلقت منه رصاصتين نحوه، فرأيته يرفع كوفيته البيضاء ويلوح بها إشارة بأنه من أصدقائنا.

وصل بعد قليل وقال لي:

•-       أنا رفيق لكم من مديرية عرنة، رأيت الجنود الشاميين المرابطين في البلدة، يلقون القبض على الامين عجاج المهتار عندما وصلها أمس، وقد دعاني فيما بعد في غفلة من الجنود وقال لي: اذهب الى سهل "جنعم" في جبل الشيخ، وقل للرفيق نواف حردان الذي ستجده مرابطاً هناك، ان رجال الجيش الشامي قد ألقوا القبض عليّ عندما وصلت عرنة، مما يدل على ان حسني الزعيم قد انقلب علينا.. فليحذر شديد الحذر وليدبر حاله.

أدركت عندئذٍ ان حسني الزعيم قد انقلب علينا فعلاً، والا ما معنى القبض على الامين عجاج؟ كما ادركت اننا أصبحنا بين نارين.. من الغرب تلاحقنا الحكومة اللبنانية.. ومن الشرق الحكومة الشامية.

أصبح موقفنا حرجاً جداً.. وزاد الطين بلة نفاذ المؤونة والزاد معنا.. وسوف يعضنا الجوع حتماً في ذلك المكان المقفر بعد قليل.. إذا لم نتخذ تدبيراً عاجلاً يقينا ذلك.

ناديت الرفقاء يوسف الصباغ وسالم صليبا ومعروف قيس، وطلبت منهم ان يتوجهوا الى عرنة، لكي يشتروا كمية من الخبز تكفي لسد جوع الرفقاء يومين أو ثلاثة، لبينما نتخذ تدابير أخرى.

ولبى الرفقاء الثلاثة طلبي وساروا قاصدين عرنة، بعد أن أوصيتهم أن يدخلوها من الجهة الشمالية، حيث لا ينتظر أن يكون الجيش الشامي مرابطاً، كما طلبت من الرفيق يوسف الصباغ أن يتابع الى دمشق يحمل رسالة مني لقيادة الحزب.

بعد أن سار الرفقاء بساعتين، وصل سبعة رفقاء من راشيا الفخار بطريق الجبل، فارين من ملاحقة الجيش اللبناني لهم.. فأدركت ان الكماشة سوف تحكم أطباقها علينا قريباً.

وكانت تبدو على وجوه الرفقاء مظاهر الحزن والاسى.

وعندما سألتهم عن سبب حزنهم، أجابوني بأن شائعة سرت تقول بأن الزعيم قد أعتقل.

لم أصدق الشائعة.. لأن حصول اي ضرر او مكروه للزعيم لم أكن أتوقعه على الإطلاق.

تلقيت خبر تراجع الرفيق زيد الأطرش برباطة جأش وهدوء أعصاب.. كما كنت قد عرفت باستشهاد الرفيق عساف كرم قرب مشغره.. فلم يفاجئني ذلك، لأنني كنت في حالة تنبه واستعداد، لتقبل أخبار المفاجآت وأي خبر مهما كان سيئاً.

خبر استشهاد الزعيم      

خبر واحد لم أكن أتوقعه.. هو إعتقال الزعيم، أو غيابه عن الساحة وعن قيادة الحزب.

ليبقى الزعيم على رأس قيادة الحزب، وكل شيء يهون..

ليبقى حياً.. وبصحة جيدة وأمان يعطي النهضة والأمة من معين عبقريته، ما لم يعطها بعد.. فما زال عنده الكثير الكثير ليعطي.

لا بأس.. أن نشرد وننكب ونلاحق وندخل السجون، وتصيبنا الهزائم ويتساقط شهداؤنا.. شرط ان يبقى الزعيم حياً، يغذينا بفكره وقدوته وحكمته.

لا تزال نهضتنا بعمر الورود.. تحتاج للزعيم كي يتعهدها، لتقوى وتنمو وتشتد، وتقدر على الثبات في وجه العواصف والأعاصير.

وانقضى ذلك اليوم.. وأنا أنتظر عودة الرفقاء الثلاثة، الذين أرسلتهم الى عرنة، على غير طائل.

وحل اليوم الثاني.. وطال انتظاري الى الظهر دون ان يعودوا.. فبدأ القلق يساورني.. والتساؤلات تنتصب أمامي:

هل ألقى القبض عليهم الجيش الشامي؟ وهل يستبد الجوع بالرفقاء الذين ينتظرون عودتهم بفارغ صبر.

وتضاعف قلقي فقررت ان أتوجه الى عرنة بنفسي.

وحملت بندقيتي ورحت أنحدر في الجبل شرقاً، بعد أن طلبت من باقي الرفقاء انتظار عودتي.

لم ألجأ الى الطريق الجبلية المعروفة.. كي لا أصطدم برجال الجيش الشامي الذين قدرت بأنهم سيرابطون على تلك الطريق.   

اتخذت الشرق وجهة لي ورحت اضرب في الجبل.. تارة هبوطاً وصعوداً بين الوديان والمرتفعات.. حيناً بين الثلوج وحيناً بين الصخور والأشواك، وأنا نهبة قلق عنيف وتوتر شديد.. وبينما انا أجتاز منخفضاً صغيراً تملأه الثلوج لأصل منه الى منخفض آخر تحته.. سمعت همساً فتوقفت حذراً متنبهاً لحظات قليلة.. ثم مشيت وإصبعي على زناد بندقيتي.. ثم توقفت مرة ثانية أصغي فسمعت ما يشبه البكاء.

يا للعجب؟ من يبكي في هذا المكان البعيد المقفر من الجبل.

ازداد في صدري اضطرام نار قوية من الغضب والنخوة والحماس والتحدي، وأسرعت الخطى الى ان أشرفت على المنخفض، مصدر الهمس والبكاء، فرأيت الرفقاء الثلاثة الذين كنت قد أرسلتهم الى عرنة، جالسين على الأرض، أحدهم يبكي، وبين أيديهم جريدة يبحلقون فيها بحزن وقلق ولهفة.

لا أذكر كيف قفزت اليهم وماذا قلت لهم، أذكر فقط انني انقضيت على الجريدة انتزعها من بين أيديهم لألتهم سطورها بعيوني، فقرأت، ويا ليتني لم أقرأ، ليت عيني أغلقتا تلك اللحظة قب ان تقعا على الخبر الكارثة الرهيبة.

"سعادة يقابل الموت بثبات"

"تفاصيل القبض على الزعيم سعادة ومحاكمته وإعدامه".

وتلا ذلك التفاصيل.. ورسوم للزعيم في المحكمة العسكرية اللبنانية، محاطاً بالجنود في أوضاع مختلفة.

أأعدم الزعيم حقاً؟؟ سعادة زعيمنا وباني نهضتنا ونبراس أمتنا؟ أأعدم حقاً؟ ولم أشأ ثانية أن أصدق ما رأته عيناي.

ولكن الرسوم.. هذه الرسوم على صفحات الجريدة؟ انها رسوم حقيقية للزعيم في قفص الاتهام في المحكمة العسكرية في بيروت.

هذا هو الزعيم أجل، وهذه وقفته.. وهذه طلعته.. ومن أين لسواه أن يجابه الموت بهذه الابتسامة وهذا الهدوء.. وهذه البطولة؟.

"لقد أعدم الزعيم نعم.. فيا لخيانة القدر ونذالة أحكامه، ويا لإنتصار الباطل على الحق في جولة الغدر، ويا للأمة السورية ما اسوأ طالعها بموت الزعيم العبقري.. وما افدح خسارتها بموت الفيلسوف القائد المصلح الفذ، الذي اراد ان ينقذها مما تتخبط فيه.. ويعطيها الخير كل الخير، والنور كل النور.

لقد مات نعم، مات جسده المادي.. وجرى دمه يروي به ارض بلاده التي أحبها حتى الموت  ..

لقد قال: "ان الحياة وقفة عز فقط" فما اروع ما قاله، وما اروع ما حقق.. ويا لروعة قرن القول الجميل بالتحقيق العظيم.

مات سعادة نعم.. ولكن موته لم يكن انتصار الباطل على الحق كما قلت سابقاً.. لأن جولة الباطل ساعة، أما جولة الحق فتستمر الى قيام الساعة، والى الأبد.

اننا لم نبك الزعيم سعادة ولن نبكيه.. لأن مصرعه كان عرساً لهذه الأمة، وسنفرح ونغتبط لأنه لم يمت على فراشه مريضاً عاجزاً.. ولأنه هكذا كان يعلمنا كلما سقط منا شهيد..

لقد مضى شهيداً، مات لأنه أراد ان يموت وهو القائل: "نحن جماعة لم تفضل في يوم من الأيام ان تتخلى عن عقيدتها وأخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له".

مات ليحيا وتحيا بموته الأمة التي مات من أجلها.. ونحن إذا كنا جنوداً وتلاميذ جديرين به.. فعلينا أن نجدد العهد والقسم، بأننا سنثأر له من قاتليه وجلادي الشعب بتعميم رسالته وانتصارها في صميم الشعب.. فنغير مجرى التاريخ، فيتمجد التاريخ بذكر النهضة السورية الاجتماعية وزعيمها سعادة".

هكذا خاطبت الرفقاء على إحدى قمم الجبل عندما عدت اليهم.. ثم طلبت منهم ان يقفوا ويؤدوا التحية الرسمية للحركة، ويقفوا دقيقة صمت احتراماً لذكرى الزعيم.. وتأملا بكيفية سيره الى ساحة الاعدام، وكيفية سقوطه شهيداً، عظيماً على ممر الأيام وتتابع الأجيال.

وهناك على تلك الذروة المشرئبة نحو بقايا هيكل الاله حرمون، في أعلى قمة من قممه، شهدت القمة وأطلال الهيكل مشهداً من أروع المشاهد الناطقة بالبطولة المجروحة المتألمة، المصممة اللامقهورة.

سبعة عشر سورياً قومياً اجتماعياً.. منتصبون كتماثيل الآلهة.. وأيديهم مرتفعة بالتحية السورية القومية الاجتماعية تشقّ الفضاء.. والسكون العميق الرهيب يلف المكان ويغمره بالجلال والخشوع والروعة، والقلوب تخفق بالألم والتصميم والجبروت والعز والرغبة بالثأر، والأبصار شاخصة الى فوق الأعالي، حيث كان الزعيم مربوطاً الى خشبة، معصوب العينين، مغلول اليدين، على ثغره ابتسامة أجمل من إطلالة الفجر.. ثم تطلق عليه إحدى عشرة رصاصة، فيسقط الزعيم صريعاً، ويتفجر دمه جارياً على الرمال العطشانة.

•1-               تقع بلدة عرنة في المقلب الشرقي من جبل الشيخ ومعروفة بوفرة مياهها. منها الرفيق نقولا صليبا، احد اشد رفقائنا صدقاً واخلاصاً الذين عرفتهم منفذية البرازيل والرفيق رشيد مجاعص من بلدة ضهور الشوير، وكان استقر في عرنة لعمله في مجال البناء.

•2-               الأمين حليم حردان، والد حضرة رئيس الحزب الامين اسعد حردان.

 
< السابق   التالى >