عن اليوم الاخير لسعادة في دمشق قبل ان يسلمه الخائن حسني الزعيم ، كتب الامين الدكتور سامي خوري في مذكراته " امل لا يغيب " هذا المقطع ادناه الذي ورد ضمن فصل الثورة القومية الاجتماعية الاولى .
الرفيق صبحي فرحات رفيق سوري قومي اجتماعي نشيط كان سعادة يستخدم سيارته في دمشق . روى لي يوم خروجه من السجن بعد استشهاد سعادة ما حدث يوم 6 تموز كما يلي : " في مساء 6 تموز ، طلب سعادة صبحي فرحات وسأله اذا كان لديه كمية كبيرة من البنزين في سيارته فأجاب صبحي بأنه يبقي خزان السيارة دائما مملوء بالبنزين فسأله سعادة : اذا كان يعرف طريق السويداء وأي طريق أفضل ؟ فاختار طريق ازرع درعا الذي يخرج من المدخل الجنوبي لمدينة دمشق فطلب سعادة من صبحي فرحات أن يسلكه".
لم يذكر صبحي فرحات أي مكان آخر بعد السويداء ، ولم يكن الاردن على ما يبدو ، وارداً في ذهن سعادة . أرسل سعادة هشام شرابي في تلك الفترة الى الاردن حاملا رسالة الى فريد ( المرحوم فريد عطايا احد المسؤولين الحزبيين في عمان ) تقول : " أكد لفريد أن عنصر الوقت مهم جدا . أي تأخير سيضر بنا ضررا كبيرا " ( هشام شرابي ، الجمر والرماد ص 229 ) .
وعند اصراري على هشام وأنا أكتب هذه الذكريات أنه الوحيد الذي يمكن أن يجلو موضوع فكرة اللجوء الى عمان ، قال بعد تردد ان موضوع اللجوء الى الاردن لم يرد في مهمته ( وكان سعادة يرفض ذلك باستمرار ) بل موضوع جمع المال لشراء السلاح .
يقول هشام شرابي ان ما جرى في تلك الليلة أخبره به سمير خوري شخصيا الذي كان مع سعادة وصبحي في السيارة حسب قوله : " ان الزعيم لم ينبس بكلمة الى أن وصلت السيارة الى مشارف درعا . فقال لصبحي : عد الى دمشق . وطلب من صبحي أن يتوجه الى قصر الرئاسة وطلب الى سمير قبل ان تصل السيارة الى القصر ان يترجل وودعه بلطف " ( المرجع السابق ، ص 228- 229 ) .
يكمل صبحي روايته بقوله : " كان سعادة جالسا في المقعد الخلفي وصبحي يقود السيارة . لم يفه سعادة بكلمة واحدة خلال هذه الرحلة . وبعد مرور حوالى ساعة طلب سعادة منه ان يعود ادراجه الى دمشق فسأله صبحي : " لماذا حضرة الزعيم " ؟ فأجابه : " لا تنس ان لدينا موعدا ولا اود ان اصل متأخرا".
من الممكن ان يكون سعادة وهو في سيارة صبحي فرحات قد استرجع في ذهنه استرجاعا سريعا جميع الاحداث التي مرت منذ قيام حسني الزعيم بانقلابه وعلاقته معه ، واستشعر ان حسني الزعيم قد انقلب عليه وان اجتماع حسني الزعيم ومحسن البرازي مع بشارة الخوري ورياض الصلح في شتورة في 24 حزيران 1949 لا بد وان يكون قد انتهى بالاتفاق على تخلي حسني الزعيم عن سعادة ومساعدة الحكومة اللبنانية في القضاء على الحزب السوري القومي الاجتماعي وتسليم سعادة الى لبنان .
كما انه لا بد وان يكون قد استذكر تشديد فارس الخوري على ان المغامر لا يؤتمن ، ووصيته له بأن يختفي فترة من الزمن وكذلك تخلي الذين كان يعلق عليهم آمالاً كبيرة في نجاح الثورة ، وليس مستبعدا ان يكون استشهاد عساف كرم في مشغرة وهو يقاتل رافضا الاستسلام عاملا اساسياً في التأثير على قرار سعادة في تلك اللحظة . ولا بد ان يكون سعادة قد استذكر قسم الزعامة الذي قال فيه : " أنا انطون سعادة أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي على اني اقف نفسي على أمتي السورية ووطني سوريا عاملا لحياتهما ورقيهما ...." ( راجع قسم الزعامة في المقدمة ) .
الزعيم قدوة للحزب وهذه القدوة لا يمكن ان تكون الا على مستوى قسم الزعامة الذي أداه سعادة ومناقب البطولة التي كانت شعاره الدائم ، فالزعيم المعلم القدوة لا يمكنه ان يتخلى عن الحزب ومناقبه في الوقت الذي أعلن هو فيه الثورة القومية الاجتماعية الاولى التي سوف تبقى مثلاً لاجيال الحزب القادمة . ان سلامة سعادة الجسدية كما ردد مراراً في تلك الفترة للامينة الاولى ومصطفى سليمان والياس جرجي ليست الهدف الاول في العمل الحزبي بل مناقب الزعامة وقدوة سلوك الزعيم .
ما دار في ذهن سعادة خلال هذه الساعة وهو في السيارة مع صبحي فرحات لم يكن سوى أمواج ثائرة تتلاطم متناقضة بين الاستمرار في التوجه نحو السويداء او العودة الى اجتماعه مع حسني الزعيم مع أنه كان شبه واثق من ان حسني الزعيم قد عقد صفقة على رأسه .
كان سعادة في تلك الفترة يحمل كتاباً بالالمانية عن حيا' هاني بعل وعن معركة " كيني " التي انتصر فيها هاني بعل انتصارا ساحقا على جيوش روما التي تفوق جيوشه عددا ، ويقرأ فيه باستمرار وقال انه استفاد منه كثيرا ، ( نواف حردان ، على دروب النهضة ص 200 ) . فهل كان سعادة يظن ان هناك معركة حاسمة مثل تلك التي تكلم عنها في عرضه على الحكومة اللبنانية وانه سوف ينتصر فيها انتصاراً ساحقاً ؟ أم أنه تذكر نهاية هاني بعل المأساوية عندما وجد نفسه غير قادر على تجنب الاعتقال بعد أن خانه الملك الذي تحالف معه فانتحر بالسم ، رغم كل ما ردده سعادة على القوميين الاجتماعيين والامينة الاولى ان سلامته الشخصية ليست الهدف الاول ، ورفضه قبول فكرة التواري لفترة من الزمن الا انه عندما واجه نفسه منفرداً وهو يكتب رسالته الاخيرة للامينة الاولى بتاريخ 30 حزيران 1949 وهي رفيقته التي تعود ان يطلعها على أدق وأعمق ما يدور في ذاته من مشاعر وافكار لم يتردد أن يورد فكرة الانتقال السريع من دمشق ، دون تحديد الوجهة التي سوف يأخذها حين يشعر انه لم يعد فيها أمان عليه ، ومهما يكن من أمر ، فعندما استدارت السيارة عائدة الى دمشق كان انطون سعادة زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي قد انتصر انتصاراً تاريخياً نهائياً حاسماً على سعادة الانسان .
هناك رواية اخرى لذلك اليوم الاخير من وجود سعادة في دمشق رواها مصطفى سليمان ، الامين في الحزب وهي تقول : " ان سعادة بعد أن تلقى خبر المقابلة مع حسني الزعيم والتي حددت بتاريخ 6 تموز كان ينتظر ابراهيم الحسيني في منزل معروف صعب مع بعض القوميين الاجتماعيين ومنهم مصطفى سليمان ليرافقه الى مكان الاجتماع . وبعد ان وصل ابراهيم الحسيني لأخذه الى منزل حسني الزعيم تبعه مصطفى سليمان نزولاً على درج البيت . وعندما دخل سعادة الى السيارة همّ على صدر مصطفى سليمان مانعاً اياه من دخول السيارة فقال سعادة : " لا بأس رفيق مصطفى ، لا لزوم لذهابك معنا " . انطلقت السيارة ومعها حرس من الشرطة العسكرية وقد يكون صبحي فرحات اعتقل امام منزل معروف صعب حين ألقت الشرطة العسكرية القبض على جميع الرجال الموجودين في ذلك البيت وحوله .
كان مصطفى سليمان اثناء هذه الايام الاخيرة قد عرض على سعادة مرات عدة ان يرافقه الى الاردن ومنها الى قريته في الضفة الغربية حيث لا يمكن ان يعرف بوجوده احد ، ولكن سعادة كان يرفض هذه الفكرة باستمرار قائلا ان سلامة سعادة الجسدية ليست الهدف وان ما يقوم به سوف يؤثر على الحزب لاجيال مقبلة فاذا ترك ساحة المعركة في هذا الوقت فان الحزب سوف ينتهي . ولا يمكنه ان يقوم بمثل هذا العمل ( مقابلة شخصية مع مصطفى سليمان بتاريخ 9 آذار 2002 ) .
لم يرفض سعادة عرض مصطفى سليمان فقط بل انه لم يأخذ ايضا بنصيحة فارس الخوري ونصيحة العقيد توفيق بشور الضابط في الجيش السوري الموثوق من سعادة والمقرب من حسني الزعيم على مرتين متواليتين . الاولى حين اجتمع العقيد بشور مع سعادة منفردا في منزل نجيب الشويري وبعد الاجتماع خرج العقيد بشور وقال لمرافق سعادة نجيب بولص " أقنع الزعيم سعادة أن يغادر البلاد فان الخيانة قد اخرجت انيابها السامة " . ونقل نجيب بولص ذلك لسعادة فلم يكترث للتحذير الذي سمعه . بعد ذلك طلب سعادة الاجتماع بالعقيد بشور فحدد موعدا في منزل أهل زوجة العقيد وهو منزل الدكتور انسطاس شاهين . ذهب سعادة الى هذا الموعد مع كل من نجيب بولص الوسيط الدائم مع العقيد بشور وصبحي فرحات وبشير الموصلي . دخل سعادة مع العقيد بشور الى غرفة الاستقبال وبقي الآخرون ينتظرون في الخارج . وعند خروج سعادة برفقة العقيد بشور كان الاخير دامع العينين وقال بصوت متهدج : " أقنعوه بالهرب حرام تركه يموت . الخيانة وقعت بين محسن البرازي ورياض الصلح والملك فاروق " ( الدكتور حنا بشور ، من ذاكرة أبي - ذكريات العقيد توفيق بشور ص 141 ) .
وهناك تحذير آخر جاء من السفير عمر أبو ريشة بواسطة معروف صعب بأن هناك مؤامرة لتسليم سعادة الى لبنان والقضاء عليه ( انطون بطرس ، قصة محاكمة انطون سعادة واعدامه ص 81 ) ولكنه ليس من الثابت ان هذه الرسالة قد وصلت الى سعادة أم أنه لم يأخذ بها ، ولكن تحذير العقيد توفيق بشور كان أقوى تحذير وأكثر مصداقية ووصل الى سعادة مباشرة .
*هذا مقطع من الكتاب" أمل لا يغيب" للأمين سامي خوري
|