أعلن الزعيم الثورة القومية الاجتماعية الأولى نهار الاربعاء في الرابع من تموز 1949 فراح القوميون الاجتماعيون يتسابقون في تلبية الواجب وتنفيذ ما عهد به اليهم من أوامر وتعليمات إقتضتها عمليات الثورة القومية الاجتماعية . بينما كان هذا الحدث الكبير يحاول أن يتجسد أمراً واقعاً ، كانت تبدو في الأفق بوادر غيوم تثير الشك بنوايا حسني الزعيم تجاه الحزب بالرغم من استمراره العملي بدعم الثورة ومؤازرة الحزب في سائر مواقفه وحاجاته مجددا وعوده بقوة أكثر جلاءً واكثر إلحاحاً ومبالغة . ان هذا الشك بصدق موقف حسني الزعيم كان يساور الكثيرين منا بدرجات متفاوته دون أن يكون لدينا من الوقائع ما يدحض هذا الشك او يثبته .
وقد كنت ممن استبد بهم القلق وكبر في تصوراتهم الشك الى حد دفعني الى القيام بعمل ظننته لأول وهلة صالحاً لإنقاذ الوضع المشوب بالشكوك والهواجس الى جانب إنطلاق القوميين الاجتماعيين في ممارسة أروع الواجبات وأشدها صعوبة وخطورة . فأقدمت الى تجاوز صلاحياتي كمدير لمكتب الزعيم وناموسه الأول وارسلت الى الأمينة الأولى التي كانت قد غادرت بيروت الى اللاذقية اطلب منها موافاتي سريعاً بأوراق الزعيم الخاصة مثل جواز السفر وتوابعه من المعاملات الضرورية في حال الحاجة الى السفر . وقد وصلتني جميعها خلال أربع وعشرين ساعة الى دمشق حيث كان الزعيم وكان مركز الحزب أبان الفترة الأولى من بدء الثورة . إتخذت هذا التدبير دون علم أحد ودون إطلاع الزعيم نفسه عليه لأخذ موافقته . حتى إذا اصبحت بحوزتي جميع الأوراق اللازمة لمغادرة الزعيم الشام فاتحته بالأمر .
ما أن تسلمت الأوراق المتعلقة بمعاملات الزعيم للسفر ، حين يشاء السفر ، حتى سارعت أطلب الى الزعيم خلوة لمشاورته بأمر هام . ولما إنفردت بالزعيم في غرفة مكتبه بادرته بقولي وأنا شديد الإنهماك بما ينتابني من قلق ومن فرحة كبرى :
•- إني أرى ، يا حضرة الزعيم ، أن الشك بحسن نوايا حسني الزعيم يتزايد في نفسي حتى
غدوت أخشى أوخم العواقب من جراء بعض المؤشرات المريعة التي تبدر من قبل حسني الزعيم . وها اني - وقد رفعت الأوراق بيدي أمام الزعيم - قد أحضرت جميع الأوراق التي تسهل لكم مغادرة البلاد قبل أن تفاجئنا الأحداث بمكروه . وأرجو من حضرة الزعيم قبول إقتراحي بضرورة إتخاذه التدابير لمغادرة الشام قبل فوات الأوان . لأني اعتقد أن حياة الزعيم وسلامته هما الضمان لحياة النهضة وسلامتها وإستمرارها .
ما كدت اصل بحديثي الى هذا الحد حتى لاحظت في وجه الزعيم ما أوقفني عن متابعة الكلام. راح الزعيم يحدجني بنظرات حادة تعبر عن عميق ما كان يعانيه من ألم ومرارة وقد بدت على ملامحه علامات التهجم والتأثر المنفعل كان يصعب النظر اليها كما يتعذر علي إنتزاعها من مخيلتي وقد مر عليها ما يقارب الثلاثين سنة كأن هذا المشهد لم يمض عليه سوى لحظات قصيرة . ثم أخذ الزعيم يتكلم بتأن ظاهر وتمهل واضح كمن يملي على الحضور كلمات مأثورة أو عظة نادرة البلاغة يود من السامعين حفظها وإستيعاب جميع دقائقها لتغرس في أعمال الفكر والنفس .
- المسألة يا حضرة الأمين ، ليست مسألة شك أو توقعات لأسوأ الإحتمالات تأتينا ممن يؤكدون صداقتهم للنهضة ويعدون للوقوف الى جانبها ومؤازرتها في كل شأن : إنما المسألة الحقيقية هي أعمق بعداً في وجودنا مما خطر لك . فقد فاجأني تفكيرك المستغرب بقولك أن حياة الزعيم ضمان لحياة النهضة وإستمرارها بينما الحقيقة هي أن النهضة وحدها الضمانة لحياة الزعيم وحياة الأمة وكرامتها . هل بلغك مرة أن قائداً وهو في قيادة قواته الى ميادين القتال وساحات الدم يجعل همه الأول المحافظة على سلامته وإتخاذ الحيطة لتأمين هربه من المعركة ومن تحمله لمسؤولياته ؟ هل يصح أن يكون هاجس الزعيم التخلي عن أقدس واجباته من أجل سلامته الشخصية كأنها هي المطلب الأخير فوق كرامة الأمة وكيان النهضة في حين يضرب القوميون المناضلون أمام العالم والتاريخ الرقم القياسي بالصمود والبطولة . فمنذ ساعات سقط الصدر عساف كرم شهيد الحرية والواجب في موقف جبار متحدياً قوى الجيش اللبناني التي تألبت عليه وأحكمت من حوله الطوق فلم يستسلم ولم يتراجع مغلوباً على أمره وهو مصمم على خوض المعركة حتى النهاية المشرفة .
واني مع تفهمي للدوافع العاطفية التي حدت بك الى مثل هذا التفكير الإنفعالي وحملتك الى سلوك هذا النمط من التصرف فأني أرفض إقتراحك لي بإعداد العدة للهزيمة وأحسبه موقفاً خلوا من متانة الرؤية الى الحقيقة ومن بعد النظر وعمق التوازن بين معطيات العقل وجموح العاطفة وجنونها ايضاً التي من شأنها أن تحدد أفق التفكير للإنسان وتثبط عزيمته أمام الملمات .
ولم يشأ الزعيم أن يتناول مجموعة ما كنت قد أعددته له من أوراق خاصة تمكنه من محاولة السفر والإبتعاد عن قلب المعركة الناشبة . فألقيتها بهدوء من يتوارى عن العيان خشية إفتضاح أمره ، على طاولة أمام الزعيم ، وأنا شديد الارتباك عميق الشعور بخيبة الفشل غير المتوقعة . وكم كنت أعلل النفس بإمكان إقناع الزعيم بوجهة نظري تحقيقاً لسلامته الثمينة الغالية . هكذا بين مرارة ما أصبنا به من جسيم الخسارة وعظيم النكبة بفقدان الزعيم على يد الغدر والخيانة وبين الإعتزاز بقدوة الزعيم أمام الموت في سبيل ما أوقف نفسه له ، بين المرارة والإعتزاز نقف في الثامن من تموز لدى ذكرى الشهادة مجددين العهد لتصبح النهضة بالفعل أمل الأمة الوحيد وضمانة لحق سورية وخيرها وإزدهارها . ونحقق النصر الذي وعدنا به سعاده ....
|