|
إن الفكر القومي الاجتماعي الذي دعا إلى إنشاء مجتمع جديد بإنسان جديد، متميز بأخلاقه وقيمه وفضائله، وعلاقاته، ليس في سورية فقط، إنما في المجتمعات الإنسانية كافة، مرتكزاً في دعوته إلى نظريته في فلسفة التفاعل في المجتمع الواحد، وما بين المجتمعات الإنسانية والتي تضع حداً للصراعات المهلكة بين المجتمعات الناتجة عن الفلسفات الجزئية، وإيجاد علاقات جديدة بين المجتمعات وفق المصالح المشتركة فيما بينها، وإلى حين إيجاد المجتمعات المتفاعلة، وإنهاء الصراع فيما بينها، فإن الفكر القومي الاجتماعي حدد موقفه من استمرار الصراع الدائر ما بين المجتمعات، ونظرته إلى السلام بين الأمم، والقواعد التي يرتكز إليها، وإن الواقع المعمول به الآن هو واقع صراع على المصالح بين الأمم، لن ينتهي إذا لم تعترف كل أمة بحق غيرها في مصالحها، ومواردها، واستقلالها وحريتها، وسيادتها، ووفق ما هو قائم لا بد للأمة من أن تهيئ نفسها للدفاع عن حقوقها ومصالحها، وسيادتها، ولا يمكن للسلام أن يتحقق إذا ما بني على قواعد الحرب، والقهر والتسلط، وهذا ما يوجب على الأمة أن تستعد لتحقق سلمها وأمنها وفق الصراع الدائر بين الأمم، ووفق هذا المفهوم يقول سعاده في مقالته (سياسة الحرب) في الجزء الرابع من آثاره: «كل سلم مبني على الحرب، لا يثبت إلاّ بالحرب، وكل أمة تريد ألاّ يموت حقها يجب أن تستعد للحرب».
وكما يحدد سعاده السياسة في الحرب، فإنه يحدد السياسة في السلم، ونحن كأمة تعي حقوقها تعرف ما يتوجب عليها في كل ظرف من الظروف، فهي تدرك ما يتوجب عليها في الحرب وما يتوجب عليها في السلم، فيقول في خطاب له (في منزل الرفقاء شاوي) في الجزء السادس عشر من آثاره: «إن لنا في الحرب سياسة واحدة هي سياسة القتال، هذه سياستنا في الحرب، أما سياستنا في السلم، فهي أن يسلم أعداء للأمة بحقها ونهضتها».
ويعتبر سعاده أن التنازل عن حق الأمة لا يحقق سلاماً، وإذا ارتضت بعض الأمم بالتنازل عن حقها بما يسمى سلماً، فإنها بذلك تخسر حقها وسيادتها، ونحن كأمة لن نرضى بمثل هذا السلم، فيقول في مقالته (سياسة الحرب): «إن النهضة القومية تعترف بأنه ليس أفضل من تنازل بعض الأمم عن حقها في الحياة لتوطيد سلام دائم، وبأن سورية ترفض، ولا تريد أن تكون من هذا البعض، هذه هي النظرية السورية الجديدة، وهي نظرة تضع سورية في مصاف الأمم الحية المدركة مبادئ الحياة والعاملة لها».
والحركة القومية الاجتماعية المدركة مفهوم الصراع وطبيعته، ليست مستعدة للاستسلام، ولا الاعتراف بسلام ينقص من حقوقها وسيادتها، وهكذا أعلن سعاده في مقالته (حق الصراع هو حق التقدم) في الجزء السادس عشر من آثاره، فقال: «إن الحركة القومية الاجتماعية هي حركة صراع وتقدم، لا حركة استسلام وقناعة، إنها ليست مستعدة للتنازل، بل للانتصار».
وبما أن وجود الصراع يعني، ويحتم وجود خسارة وربح، فإن سعاده حدد مفهومه وموقفه من الخسارة في الصراع، أوجد حافزاً مستمراً لمتابعة الصراع لتحقيقه الانتصار، فقال في (المحاضرة التاسعة) من كتاب (المحاضرات العشر): «الذي يسقط في الصراع غير مستسلم يكون قد غلب لكنه لم يقهر، يقهر قهراً الذي يستسلم ويخنع»، وكذلك يقول عن توقف الصراع بين قوتين، أو عقيدتين، بأنه توقف مؤقت لا يحقق سلماً، إذ يقول في خطابه (في جل الديب) في الجزء الخامس عشر من آثاره: «كل سلم بين عقيدتين أو قوتين أساسيتين لا يكون نتيجة انتصار فاصل لأحدهما، هو هدنة، هو مجرد هدنة».
كذلك يحدد سعاده موقفه، ومفهومه لفكرة السلام العالمي، التي تعني للقوى الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، السيطرة على العالم، من خلال تنازل الأمم عن حقوقها لصالح القوى الكبرى المتصارعة، والذي تخسر بموجبه حريتها وسيادتها، هذه القوى الكبرى الداعية للسلام وفق نظرتها الجزئية التي تعطيها الحق في التحكم بالأمم واستعبادها، هي نفسها التي تتنافس لامتلاك آلة الحرب التي تمكنها من فرض السلام الذي تريد، فيقول في مقالته (حق الصراع هو حق التقدم): «إن الاستسلام لفكرة الوحدة العالمية والسلام العالمي الدائم، يعني التنازل عن الصراع والحرية، وعن الانتصار والحق، والأمة التي تتنازل عن الصراع تتنازل عن الحرية لأن الحرية صراع» ويتابع في المقالة نفسها فيقول: «حق الصراع هو حق التقدم، فلسنا بمتنازلين عن هذا الحق للذين يبشرون بالسلام ويهيئون للحرب».
ونبه سعاده الأمة إلى ضرورة إدراك مصالحها ومطالبها العليا، ووحدة حياتها، لأن الأمم الطامعة في السيطرة ستبقى ساعية إليها، وستستغل ضعفها للانقضاض عليها، فقال في مقالته (سياسة الحرب): «إن مبدأ حياة الأمم هو أن تنظر كل أمة في مصالح حياتها بالنسبة لمصالح حياة الأمم الأخرى ولمطالبها العليا، وكل أمة لا تنظر في وحدة مصالحها وتسمح لهذه المصالح بالتفكك والانقسام بعضها على بعض في تحزبات طبقية لا تعاونية أمة يأكل بعضها بعضاً بينما الأمم الأخرى تنتظر ضعفها لتلتهمها جملة، وما دام العالم عالم تنازع مصالح الأمم فسياسة الحرب ركن أساسي من أركان السياسة القومية كسياسة السلم».
وما رآه سعاده هو ما نراه بوضوح الآن في العراق، وفلسطين ولبنان، وهو ناتج عن الأطماع الدولية في الأمة، والمتمثلة حالياً في هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، وعن تفكك الأمة في وحدتها، وتفكك كل كيان من كياناتها نتيجة انقساماته الداخلية، وصراعاته الجزئية، التي جميعها أبقت الكيان والأمة كلها في حالة ضعف، هيأت للدولة المعتدية أسباب اعتدائها.
البناء الدمشقية العدد380
|