|
محاضرة للرفيق غسان القدور، باحث في جمعية العاديات ،السلمية، حماه
نشوء العمران وفجر التاريخ ثقافة الوركاء ( أوروك )
تقع الوركاء ( أوروك ) في القسم الغربي من سهل شنعار في جنوبي بلاد الرافدين حيث ظهرت المعابد العديدة الرائعة ، والمدن الكبيرة المسورة والاختام الاسطوانية . وتقدمت الفنون وبخاصة نحت التماثيل وحصل تحول شامل في مجال الزراعة والحرف والتجارة .
استمر هناك اختلاط بين عصري العبيد الرابع والوركاء التي دلت عليها الطبقات 1 - 5 في اريدو حيث يعتقد ان موجات عربية انطلقت من شبه الجزيرة الى هذه المنطقة سميت خطأ بالشعوب السامية وهي تسمية توراتية والاصح ان نطلق عليها شعوب الجزيرة العربية القديمة ، حيث اختلطت هذه الشعوب بالسومريين حلفاء العبيديين بل نستطيع ان نقول ان العبيديين هم اساس السومريين وقد سبقت هذه الحضارة المختلفة بزمن باكر قيام الدولة الآكادية .
تعتبر الوركاء ( أوروك التاريخية ) خير ما يمثل مجمل هذه التطورات الجديدة ومنها استمد هذا العصر اسمه ثقافة الوركاء او عصر الوركاء .
ورغم ان هذه العصر لم يدرس الدراسة الكافية اذ اقتصرت معاول الباحثين الاركيولوجيين على الناحية الدينية من منطقة الوركاء ولم تدخل الى التجمعات السكنية او تتطرق للنواحي الاقتصادرية وتبسيطا للموضوع نرى تقسيمه الى عصرين الوركاء الباكر يليه الوركاء المتأخر .
أ - عصر الوركاء الباكر : وهو يعادل السويات 7 - 14 ويؤرخ على 3600 - 3300 ق.م.
- صناعة الفخار : حصل تغيير اساسي غاب منه المزخرف والملون الذي عرف في العبيد الرابع وظهر آخر رمادي اللون ذو نوعية أدنى . زخارف نفذت اما بالضغط او بالتمشيط .
اهم منتجاته ما صار يدعى الاوعية الناقوسية Bevel Rimmed Bowl من الطين الخشن مخروطية ، ويعتقد انها كانت تستخدم كمكيال للحبوب وهذا ان صح هذا الاستنتاج فنحن امام نظام اقتصادي مركزي موحد يجمع الحبوب ثم يوزعها .
- المعابد : بنيت على الطراز العبيدي (ثلاثي العناصر ) نفسه .
ب - عصر الوركاء المتأخر : وهو الذي يمثل ثقافة الوركاء الحقيقية التي ظهرت في الطبقات 4 - 7 ويؤرخ على 3100 - 3300 ق.م. حيث كبرت المدينة مساحة وقدر عدد سكانها بأكثر من عشرة الاف انسان .
- العمارة الدينية : تقف على رأس انجازات هذا العصر فقد عثر في هذه المدينة على عدد من المعابد التي تراكمت فوق بعضها اكثرها سلامة المعبد الابيض White Temple ( صورة زقورة آنو D - 1 ) والمعبد الابيض D2 + D3 بني من قوالب الطوب وطليت جدرانه باللون الابيض وواجهته وصحنه في الوسط قد زخرفا باتقان واحكام بركائز ، وهناك ممران في نهاية جناح المعبد أحدهما يواجه الهيكل ذو الادراج والاخر يقابل المذبح وتنتصب وسط هذا الجناح منضدة للقرابين المحروقة والغرف الواسعة على جانبي صحن المعبد ومن المؤكد ان الكهنة كانوا يستعملونها لكنز وتخزين معدات الاحتفالات الدينية وقد بني المعبد الابيض في فترة ( جمدة نصر ) اي نستطيع ان نحدد تاريخ تشييده بين تاريخ 3100 - 3200 ق.م.
ثم المعبد ذي الاعمدة PELLAR TEMPLE او معبد الموزاييك الذي بلغ قطر عموده 60,2 م وله مسامير طينية ملونة بالاسود والاحمر .
- التماثيل : التي غالبا ما كانت تجسد آلهة او متعبدين خاشعين .
- الاختام : لاول مرة تصنع الاختام الاسطوانية ، التي ترتبط الى حد كبير بتقدم التجارة وتزايد الانتاج الزراعي والحيواني والحرفي والحاجة الى تصدير البضائع ودمغها بأختام اصحابها توجت هذه الانجازات العظيمة بخطوة عملاقة تجلت باختراع الكتابة .
- اختراع الكتابة : وجدت دلائلها الاولى في الوركاء الطبقة 4B بالعراق وفي تل براك في سورية وحبوبة وعروة السوريتين حيث نلحظ هنا نقوشا على لوحات طينية تمثل الكتابة التصويرية Pictographs وهي مرحلة الباكرة في نشوء الكتابة وتطورها وتؤرخ على الربع الاخير من الالف الرابع ق.م.
ويقع في نهاية عصر الوركاء الاخير وبداية العصور التاريخية عصر ( جمدة نصر ) المنسوب الى موقع بهذا الاسم في العراق المؤرخ على 2900 - 3100 ق.م. ويمثل هذا العصر الصفحة الاخيرة من الزمن الانتقالي ومنه ثبتت كل ابتكارات الوركاء .
• التجمعات السكنية كبرت وازدادت تنظيما ونشأت مدن كبيرة ( توتوب - الخفاجية - شروباك - تل فارة ) العقير التي قامت فيها مؤسسات الدولة الاولى City State .
• العمارة : تطورت حيث بنيت في هذا الموقع الابنية الضخمة وتشكل نواة القصور الاولى .
• الاواني : صارت راقية ومنزلة بالاحجار الثمينة ومواد الزينة من الفضة والذهب .
• الاختام : طغت الاختام الاسطوانية بالكامل على المسطحة وتعددت مواضيعها .
• الاواني الخزفية : بلغت درجة راقية في الكمال .
واخيرا فقد تطورت الكتابة التصويرية الى كتابة صوتية مسمارية CUNEIFORM واضعة الحد لعصور ما قبل التاريخ لتبدأ العصور التاريخية القديمة .
- النحت : لقد اظهر فنانو أوروك جمدة نصر - مقدرة عظيمة في فن النحت ايضا وتصوير شكل الانسان . ان الانجاز الراقي لهذا الفن يمثله على اية حال الرأس الرخامي الابيض في أوروك او ما عرف بالقناع المرمري وقد جاء في شرح مرافق لصورة القناع كتبه البروفسور م.ي.ل. مالوان في مؤلفه Early Mesopotamia And Iran .
قناع امرأة محفور من المرمر وبحجم طبيعي ربما كان مثبتا فوق تمثال خشبي قديما ، وقد فقد هذا الوجه الرائق الشامخ قليلا ، عينيه اللتين من الممكن ان تكون صنعتا من اللؤلؤ والصدف ، كما فقد حاجبيه وجمّته وحلق أذنيه ، وهو منحوت بكثير من الواقعية والحسية ، يذكرنا بأعمال العصر الكلاسيكي الاغريقي ، ان جماله وحليه الثمينة تدفعنا الى الاعتقاد ان هذا الوجه القناعي الجميل قد صنع للربة المحبوبة ( انانا ) وانه هو هي بالذات .
كما جاء في شرح آخر من نفس المصدر : ان الانجاز الراقي لهذا الفن يمثله على اية حال الرأس الرخامي الابيض في أوروك والذي ببساطة معالجة سطوحه وبساطة شكله يظهر ان الاسلوب الذي اتبع في نحته هو نفس الاسلوب الذي اتبع في نحت الحجب الحيوانية بالضبط وكل هذه المنحوتات هي الوحيدة التي تتطابق مع المستوى الفني لفترة جمدت نصر ، ان الخدود والفم والذقن المصنوعة برقة واحساس امر يدعو للاعجاب وعلينا ان نمر عبر كثير من قرون فترة السلالات الملكية القديمة لنرى نفس المهارة في النحت مرة اخرى .
اما ما كتبه البرفسور سيتون لويد في مؤلفه The Art Of The Ancient Near East ص 42 : وجه امرأة من المرمر الابيض من الورقاء وهذا الجزء من التمثال قد يكون معظمه مصنوع من الخشب الشعر من الممكن ان يكون ضم اوراقا من الذهب المغموس بالزفت والعينان من اللؤلؤ الملون .
اما الاثر الثاني ، من أوروك ذا اهمية بالغة وهو مزهرية ثقيلة جدا ذات قاعدة مصنوعة من الرخام المعرق . كأس الورقاء الشكل L .
جاء في شرح مرافق للصورة مأخوذ من مؤلف البروفسور م.ي.ل. مالوان ص 58 .
قطعة من أسمى وأهم القطع من أوروك انها قطعة على شكل تمثال على هيئة مزهرية بارتفاع يزيد على ثلاثة اقدام ، التصاميم متحلقة حول المزهرية ، التصميم يرينا عرض اول فواكه الارض ، وحيوانات وخضروات ، للربة من المرجح ان تكون "انانا " .
يرى في القسم العلوي امامها رايتان على قصبتين ( في الوجه الاعلى اليميني ) وفي الوجه الآخر من المزهرية ( في الجانب الاعلى اليساري ) اثنان من الكهان يعتليان وعلى قاعدة تمثال ظهر عنزة . الكاهن بلباس طقسي عاري يقدم للآلهة سلة كبيرة من الفاكهة ، الشخص الذي يقف خلفه من الممكن ان يكون الملك فما تبقى من الكسرة تشرح فقط من خلال قدميه وسترته الطويلة ، وخلفه خادم في رداء كهنوني قصير حاملا رمز الحاشية / الموضوع في الوسط :
على المزهرية يرينا عددا من الكهان العراة برؤوس حليقه حاملين تقدمات من الطعام وزجاجات الخمر الموضوع الاخير في الاسفل : مزين بصور الماعز والشياه بحالة المشي وقمح وشجر نخيل نامية قرب مياه جارية المزهرية تعد من أثمن التحف الأثرية وكانت بنفس الوقت قد أصلحت بتباشيم نحاسية وقد اكتشفت في طبقة تعود لفترة جمدة نصر 3100 - 3200 ق.م. ويمكن ان تكون صنعت أبكر من ذلك .
بهذا الاثر الرائع ننهي هذا البحث المختصر عن حضارات شرقنا العربي القديم .
مصادر البحث 1
- د. سلطان محيسن - عصور ما قبل التاريخ ط 9 - منشورات جامعة دمشق 2001 - 2002 .
- Early Mesopotamia and Iran by professor . M.E.L. Malowan London 1965 .
- The Art of the Ancient Near East by : professor . Setonlloyd London 1961 .
|