|
الساعة السابعة والنصف من مساء الاحد اول حزيران تحدث الدكتور جورج جبور، بصفته مرشّحاً لتولي منصب المفوض السامي لحقوق الانسان في الامم المتحدة، عن مهام المفوض السامي الجديد، وذلك بدعوة من لجنة قاعات الصليب المقدس في قاعة محاضرات كنيسة الصليب في دمشق.
جاء الحديث بمناسبة الذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، والذكرى الثانية لبدء مجلس حقوق الإنسان أعماله في 19/6/2006. أما المناسبة الثالثة الأهم فهي قرب اختيار مفوض سام جديد لحقوق الإنسان للأمم المتحدة وهو المنصب المقرر أن تغادره آخر حزيران الجاري السيدة لويز آربور الكندية، وهي المفوض السامي الحالي وكانت أعربت عن رغبتها في عدم التقدم لشغل المنصب مرة ثانية، وعن إيمانها بأن المنصب ينبغي أن يكون من حصة أحد أبناء أفريقيا أو آسيا.
أول ما قاله الدكتور جبور أن هدف حديثه الأول والأهم والفوري الإقلاعُ بجهد دولي طليعته سورية لإقناع الأمين العام للأمم المتحدة خاصة، والمجتمع الدولي عامة، بتأجيل اختيار مفوض سام جديد إلى ما بعد مغادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش البيت الأبيض في كانون ثاني من العام القادم.
وبعد أن بيّن المتحدث أن الرئيس الأمريكي هو الناخب الأول في مناصب الأمم المتحدة العليا، لخص فكرته بقول كرره كما يلي: تؤمنون معي بأنه لا يحق للمنتهك الأكبر لحقوق الإنسان في العالم، أن يكون الناخب الأول للمحامي الأكبر عن حقوق الإنسان. فلتنتظر الأمم المتحدة إذن مجيء الرئيس الأمريكي الجديد الذي من المحتم أنه سيكون أقل سوءاً من بوش وهو من يُجْمِعُ الناس في العالم كله - حتى الأمريكيون منهم - أنه الرئيس الأسوأ في كل التاريخ الأمريكي.
وفي استعراض تاريخي شرح المحاضر تطور العناية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، مركزاً على إنشاء مجلس حقوق الإنسان الذي باشر عمله في 19/6/2006. وأعاد إلى الأذهان أن الولايات المتحدة صوتت ضد إنشاء المجلس، وأنها ليست عضواً فيه، إذ خشيت ألاّ يتم انتخابها إن رشحت نفسها. كذلك أعاد إلى الأذهان أن مجموعة الدول النامية أجمعت، ومنذ الجلسة الأولى، أن أهم ما ينبغي أن يشغل المجلس هو موضوع حقوق الفلسطينيين. ولاحظ أن قضية فلسطين - في كيفية تعامل الأمم المتحدة معها الآن - إنما هي موضع استقطاب بين مجلسين. مجلس الأمن من جهة، وتهيمن عليه واشنطن، ومجلس حقوق الإنسان وتغيب عنه واشنطن، بينما تهيمن عليه إلى حد لا بأس به قضية فلسطين بوصفها موضوعاً أساسياً على جدول أعمال كل مهتم بحقوق الإنسان في العالم.
وأوضح الدكتور جبور أن منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان إنما أنشئ عام 1993 وشغله حتى الآن أربعة أشخاص كان الأول والثالث منهما من أمريكا اللاتينية. أما المفوض السامي الثاني فكان رئيسة جمهورية إيرلندا السابقة، السيدة ميري روبنسون، التي اضطرتها مواقفها من قضية فلسطين إلى الاستقالة بضغط من أمريكا. أما المفوض السامي الحالي فهو السيدة لويز آربور الكندية، التي أعلنت في 7/3/2008 أنها لا تنوي تجديد ولايتها. وفي الأنباء المتداولة أنها ربما تكون قد اتخذت قرارها هذا نتيجة هجوم صهيوني عليها لأنها رحبت بدخول الميثاق العربي لحقوق الإنسان حيز النفاذ.
ويبدو أن الضغط عليها استمر رغم إصدارها، بعد ترحيبها بالميثاق العربي، بياناً ثانياً تحفظت فيه على بعض مواده، ولاسيما في مسألة الترابط بين الصهيونية والعنصرية. كذلك يقال بأن قرارها جاء نتيجة رغبة عدد كبير من الدول الغربية إحباط عملية هامة جداً يجري الإعداد لها حالياً ألا وهي عملية عقد مؤتمر متابعة دربان المقرر عقده عام /2009/. ومن المعلوم أن حكومة كندا أعلنت أنها لن تشارك في هذا المؤتمر.
وأذكر للسيدة آربور مأثرة. في كلمة اعتزالها يوم 7/3/2008 كررت فكرة كنت قلتها لها لدى لقائي الأول معها . مؤدى الفكرة أن هذا المنصب ليس لها بل هو لأحد أبناء أفريقيا أو آسيا. من الجميل أنها كررت هذا القول حرفياً تقريباً يوم 7/3/2008 رغم أنها لم تنسبه إليّ وهو متداول منذ أن نشرته صحف عالمية كثيرة يوم 22/2/2004 (انظر مثلاً، مقتطفاً من جريدة الشرق الأوسط 22/2/2004 ص/7/، الوارد في الصفحة الأخيرة من هذا البيان).
وفي القسم الأساس من الحديث تعمّق الدكتور جبور في مهام المفوض السامي الجديد فشرحها بإسهاب، معدّداً ثمانية منها هي، بمعيار عاجلها، كما يلي:
1- إنهاء حصار غزة، 2- عقد مؤتمر دربان الثاني، 3- إغلاق معتقل غوانتانامو،
4- تأمين الحق في الغذاء، 5- الانفتاح على عالمية ثقافة حقوق الإنسان وذكّر هنا بأهمية إشادة المفوضية السامية لحقوق الإنسان في نشرتها هذا العام، إشادتها بحلف الفضول، 6- العناية بمعالجة المظالم التاريخية، 7- تمكين المفوضية السامية لكي تطيح في تقاريرها الدولية بمصداقية بعض تقارير الدول عن حال حقوق الإنسان، كما هو شأن التقرير الأمريكي سيء الصيت. 8- وأخيراً أعاد المتحدث إلى الأذهان أنه حين أنشئ المنصب عام 1994 وجه رسالة إلى شاغله الأول وحدد له مهمته الأعمق ألا وهي "دراسة الوثائق الأساسية لكل دولة من دول العالم لتقصي مدى انسجام هذه الوثائق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونشر تقرير سنوي بالنتائج" . ولاحظ أن الهدف من هذا النص كشف الطبيعة العنصرية لبعض القوانين الإسرائيلية الأساسية. كذلك لاحظ أن التوجه الفكري الراهن لمجلس الأمن قد أخذ باقتراحه، وهو ما ستذكره، دون الإشارة إلى صاحبه - صاحب رسالة عام 1994 - السيدة آربور في كلمتها التي تلقيها غداً.
وتساءل المتحدث في الختام عن هوية المفوض السامي الجديد، وكيف ستتم عملية الاختيار، فطالب الأمين العام للأمم المتحدة - علناً أثناء الحديث - بأن يكون شفافاً في عملية اختيار شخص يتم النظر إليه على أنه ضمير العالم.
وأماط اللثام أنه في صباح يوم الأحد وجّه رسالة إلى السيدة وزيرة خارجية سويسرا التي يتم تداول اسمها في الأنباء على أنها ذات الحظ الأوفر في شغل المنصب وتلا نص الرسالة، وهو كما يلي:
صاحبة المعالي السيدة الوزيرة ميشلين كالمي- ري المحترمة، وزيرة الشؤون الخارجية في الاتحاد السويسري.
تحية طيبة وبعد:
في الأنباء المتداولة أنك، يا صاحبة المعالي، المرشحة الأوفر حظاً بالفوز بمنصب المفوض السامي الخامس لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
لصالح عالمية حقوق الإنسان، ثقافةً وممارسة، وأنت، يا صاحبة المعالي، مؤمنة بهذه العالمية، أسألك التكرم بإعلان الانسحاب. إنها فضيحة عالمية لمبدأ عالمية حقوق الإنسان أن يتولى المنصب خمسة من أبناء الحضارة الغربية، وعلى التوالي.
ولك، يا صاحبة المعالي، أعمق التقدير.
وختم الدكتور جبور بالقول : ينبغي على الدول العربية والإسلامية، وهي التي برع الرئيس بوش - بسياسته - في إهانة قيمها، أن تقنع الأمين العام للأمم المتحدة بتأجيل عملية اختيار مفوض سام جديد إلى ما بعد مغادرة الرئيس الأمريكي الحالي البيت الأبيض، أو على الأقل إلى ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في خريف هذا العام. وأضاف أنه طلب ذلك في مراسلة له مع الأمين العام للأمم المتحدة وتلقى منه ما يفيد استلامه الرسالة.
|