عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

مـاردين، القدس الثانية بقلم الامينة ماري شهرستان طباعة ارسال لصديق
السبت, 21 حزيران 2008
Image  

تحتل مدينة ماردين موقعاً متميزاً جداً,  فهي مبنية على منحدرات هضبة صخرية معلقة على السفح الجنوبي لجبل "ماسيوس" الذي يبلغ ارتفاعه 1100 متر, مستندة إلى جبال طوروس, ومشرفة على امتداد شاسع من السهول الخصبة المنفتحة باتجاه الرافدين. 

مناخها ألطف بكثير من مناخ دياربكر لأنها محاطة من جميع جهاتها بتلال خضراء  وحدائق مثمرة ومنحدرات مغطاة بكروم العنب,  مما يجعل الإقامة فيها ممتعة للغاية.   ويعود نقاء وسلامة مناخها إلى غزارة المياه فيها, وهي مياه ذات صحة  وسلامة كاملة.[1] 

امتد  نفوذ ماردين بشكل ٍ كبير باتجاه السهول الجنوبية وصولاً إلى الحدود الشرقية التي يكونها نهر دجلة.[2]   البيوت فيها مبنية بأحجار  رملية اللون, تتدرج بشكل شرفات متتالية الواحدة فوق الأخرى تجاه المنحدر الصخري, حيث تنتصب في قمته" قلعة"  مشهورة منذ زمن بعيد على انها منيعة جداً, لكنها هُدِّمَت في القرن التاسع عشر.[3]  اما سور ماردين فهو على عكس سور دياربكر, لم يعد يحيط بها بشكل ٍ محكم, لأنه قد تهدم في معظم أجزائه.[4]

 كان اول انطباع لـ "بادجير" عن ماردين سلبياً جداً.  لكن بعد ان دخل إليها,  إضطر للتأكدِ  بان المدينة غير مهجورة, لشدة الخراب الذي وجده فيها. 

لم يبقَ الشيء الكثير من الأبهة والغنى القديم, "فصناعة ماردين التي كانت مزدهرة بشكل ٍ رائع جداً على مدى العصور الوسطى والفترة الأولى من العصور الحديثة, لم تعد إلا ظل ٍ شاحب لما كانت عليه.[5]"  يبدو ان الأسباب الكامنة  وراء ذلك  هي مماثلة للأسباب الحاصلة في المناطق الأخرى:  نقص في وسائل المواصلات, ونقص في الطرقات, وانغلاق, ومنافسة المدن الأخرى الأكثر نشاطاً مثل أورفا, وخصوصاً انعدام الأمن.

كانت ماردين مدينة رئيسية, عاصمة إدارية لسنجق, وهو محافظة يقع فيها  جغرافياً طورعابدين أيضاً, وبالتالي فهو يضم أقوى تمركز للسكان السريان. تتجه  ماردين ً بشكل ٍ طبيعي نحو العالم العربي والكردي,   وكانت اللغة العربية واللغة الكردية هما السائدتين في المدينة.

وماردين كانت  نقطة مرور اجبارية لكل المسافرين.  وهناك عدد وفير من الكتابات التي تصفها,  مع اجماع على  طابع المدينة المنفتح بشكل ٍ خاص وعلى انفتاح سكانها, إذ  كانت عادات وتقاليد ماردين اكثر تسامحاً من  دياربكر التي كانت بعيدة كل البعد عن هذا الانفتاح  بشدتها وقساوتها. 

"للمسيحيين حق امتطاء الخيل, وهذه حظوة لم تكن مسموحة حتى للفرنجة  في عهد المماليك في مصر. في ماردين, كان البطريرك يمتلك لحصانه لجاماً وسرجاً أخضراً".

ينحدر غنى هذه المدينة الانساني من مزيج الثقافات القديمة, السورية والعربية واليونانية والرومانية والفارسية والتركية والكردية, مع المذاهب المختلفة التي عاشت دوما مع بعضها ً في تفاهم  ممتاز.  وقد نجم عن هذا التعايش القسري, والذي ظل سلمياً لفترة طويلة جداً, نوع من التسامح قاوَمَ لمدة اطول بكثير من المدن الأُخرى.

كان في المدينة حوالي عشرون جامع, وتسعة كنائس وثلاث أديرة.

كنيستان للسريان الأورثودوكس, مار شمعون ومار بهنام, وكانت هذه الكنيسة الأخيرة هي الأهم, إذ فيها خمس هياكل على الأقل, مع هيكل مخصص للنساء.  كان للكنائس السريانية بشكل ٍ عام ثلاث هياكل. وقد بُنيت كنيسة ثالثة بشكل ٍ بسيط خارج الأسوار, على المنحدر الجنوبي وسميت "مار ميخائيل.

 كل الكنائس كانت قديمة جداً:  يعود تأسيسها إلى القرون الأولى للمسيحية. ويوجد ثلاثة أديرة سريانية هامة جداً وهي مجاورة لماردين, منها مقر الكرسي البطريركي وهو "دير الزعفران" ويقع على بعد خمسة كم عن المدينة. هذه الكثافة القوية في المباني الدينية أعطتها أهمية كبيرة في الشرق المسيحي. فكانوا يتحدثون غالباً عن "القدس الثانية".

في عام 1827, قدَّر "بوكينكهام عدد السكان بـ20.000 نسمة,. كل منزل يجمع عائلة.  اما في القرى البعيدة فكانوا يتحدثون عن بيوت ومقرّات.

لكن أصبح السريان في ماردين اقلية بين الأقليات, حيث  يعود سبب هذا التدهور جزئياً إلى الصراع الناجم في المنطقة, وإلى انعدام الأمن الذي دفع بالعديد من أهم العائلات   للهجرة إلى أوروبا او إلى الولايات المتحدة منذ عام 1850.

اما الضواحي القريبة من المدينة فقد  استمر فيها نمو القرى.  ويذكر "ميشيل شوفالييه"عدة قرى منها: "المنصورية وبني بيل وقللث والقصور", إلخ. 

وقد ذكر الكاهن الكلداني الأب "تفنكجي" في مقال له  نشِرَ عام 1914, أن هناك أكثر من 800 قرية مرتبطة بماردين, منوهاً بالتأكيد إلى القرى المحسوبة في التقسيم الإداري  لسنجق ماردين والذي يتضمَّن طورعابدين. وهناك حوالي عشرون قرية مذكورة في محيط 70 كم  من ماردين.

في نهايات القرن التاسع عشر, زار ويليام إينسورث ماردين وافتُتِنَ بها خصوصاً لاكتشافه عاصمة اليعاقبة, باعتبارها حاضرة حدود الرافدين . لكن ماردين قد تحولت رويداً رويداً وأُفرِغَت من مضمونها, مثل طورعابدين, فاصبحت رمزاً لهوية اكثر منها واقعاً سريانياً.

المراجع:

- سيباستان دو كورتوا: رئيس معهد الدراسات العليا في باريس, في كتابه الاراميون في الشرق.

-  "فيتال كوينه"  op. cit.  صفحة 524 وصفحة 525.

-  "الأب سيمون (كاهن)   "ماردين المدينة البطلة"  وثيقة (يمكن مراجعتها في أرشيفات الآباء الدومينيكان في باريس, مركز سولشوار) فصل 2 صفحة13.

-   "ج. بادجير," صفحة 49.

-   Idem  صفحة 48.

نشر في العدد 395 من جريدة "البناء" الدمشقية.



[1]   "فيتال كوينه"  op. cit.  صفحة 524.

[2]    "الأب سيمون (كاهن)   "ماردين المدينة البطلة"  وثيقة (يمكن مراجعتها في أرشيفات الآباء الدومينيكان في باريس, مركز سولشوار) فصل 2 صفحة13.

[3]    "ج. بادجير," صفحة 49.

[4]    Idem  صفحة 48.

[5]    "فيتال كوينه"  op. cit.  صفحة 525.

Image

 
< السابق   التالى >