منذ أيام، بثّت احدى الفضائيات اللبنانية برنامجاً وثائقياً تمحور على سعيد تقي الدين وسعيد فريحة. فهل يكمن سرّ وضع "السعيدين" ضمن سلة واحدة في التشابه في الاسم الصغير، إضافة الى شهر أيار الذي تُسجَّل في أحد أيامه ذكرى مرور 108 سنوات على ولادة تقي الدين و30 سنة على وفاة فريحة؟ قد لا "يُفتضح" السرّ اذا لم يُنوَّه بالسبب الثالث أو بالأحرى الأول وهو: السخرية التي دفعت بسعيد تقي الدين الى التبرع بعشرات المقالات ورفّات الأجنحة (أقوال مأثورة) الى مجلة "الصياد" قبيل عودته من الفيليبين في غرة 1948، وقد أسست بين الرجلين صداقة عميقة لم تتمكن الجدية المتمثلة بانتمائه الى الحزب القومي في تشرين الاول 1951 الى فصل دبسها عن الطحينة. صحيح انها دامت ثلاث سنوات، ولكنها كانت تنتظر وسيطاً لعودتها ولو بوتيرة باهتة. فكان الوسيط "ممبا" احد زعماء حركة الماو ماو الكينية الثورية الذي زار السعيدين في بيروت، فاعتبره تقي الدين ثائراً عبر مقالة انكليزية نشرها في مجلة "Arab Week" البيروتية، وأكد فريحة في "الصيّاد" انه نصّاب. وردّ عليه ساخر بعقلين في "الصيّاد" معتبراً ان نصف الحق مع سميّه لأن يده لامست في العتمة عضوا في الفيل الافريقي ليس من الحكمة تسميته، في حين ان نصف الحق الباقي كان من نصيبه بسبب ان يده ارتطمت بعاج ذلك الفيل.
كانت السخرية عند سعيد تقي الدين الأديب هي الثابت. في حين تمثل المتحوّل في العديد من الألوان الأدبية التي خاض غمارها ولم يخل إنتاجه في كل لون منها من اللمعة الابداعية، بدءاً بالمسرحية والقصة القصيرة، مروراً بالخطب والرسائل والمقالات الأدبية والسياسية، وانتهاء بالمذكرات ورفّات الأجنحة. في المناسبة، فإن بعض أقواله المأثورة يرددها اللبنانيون وبخاصة السياسيين، بعد مرور 48 سنة على رحيله، ومنها رفة الجناح التي يقول فيها: "أفصح ما تكون القحباء حين تحاضر بالعفاف". الطريف ان السياسيين، الموالين منهم والمعارضين، بأدائهم وتصريحاتهم، هم الذين أوحوا لساخر بعقلين تلك الرفة. ذلك ان ساخرنا اعتبر في رفة جناح اخرى له ان "المعارض موالٍ فاته القطار".
ولأننا في صميم همروجة السياسة اللبنانية من جهة، ناهيك بأن القراء يستأهلون مادة جديدة أو مجهولة عن سعيد تقي الدين لمناسبة ذكرى ولادته الـ104، فلا بأس بإكمال هذه العجالة بإلقاء الضوء على جريدة ساخرة اشترك سعيد في تأسيسها وتحريرها، وصبّ فيها جام سخريته على العهد وسيّده وبعض فرسانه.
لعلّ أطرف ما في الجريدة التي صدرت في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، انها كانت جريدة في جريدة أو الأحرى في جريدتين. فقد صدرت في الوقت نفسه، داخل جريدة "النهار" باسم "نهارك سعيد"، وضمن جريدة "الصفاء" بعنوان "صفاء الخاطر". نقر أ في ترويسة "نهارك سعيد" الشعار والتعريف الآتيين: "ضد كل ما هو مع، مع كل ما هو ضد... جريدة رصينة مستقلة تصدر باللغة التي تفهمها... مؤسسها: طغيان. رئيس التحرير: ارهاب. المدير المسؤول: تنكيل. الادارة: في كل مكان. التلفون: معطّل. الاشتراك: نقطة عرق جبين". وفي حين بقي شعار "صفاء الخاطر" وهويتها، على حالهما، استبدلت العبارات المختصرة بعبارتين كبيرتين، أولاهما: "الادارة: من الصعب الدخول اليها لأنها في شارع تعمل المحافظة على اصلاحه. أما مركز الادارة الجديدة، فلن ننتقل اليه لأنه داخل ضمن مشروع إيكوشار. أما المدير المسؤول، فقد دوّنّا إسمه في سجل المطبوعات، فانتظر لنسألهم عنه"، والعبارة الثانية: "التلفون: تلفون "صفاء الخاطر" أوتوماتيكي. فقد قررت "صفاء الخاطر" ان تكون مخابرتها تلفونيا قبل ثماني سنوات. وتشعر "صفاء الخاطر" انها بذلك لم تحرك أحداً من مخابرتها. وذلك لأن مخابرة بالتلفون العادي تحتاج الى ثماني سنوات على الأقل". وإذا علمنا ان الجريدة - الملحق، صدرت في أواخر عهد بشارة الخوري وإبان انتماء سعيد الى الحزب القومي، أدركنا من الترويسة انها كانت معارضة من العيار الثقيل.
ولكن "نهارك سعيد" أو "صفاء الخاطر" قد خلت من أيّ توقيع صريح. فكيف يمكن اعتبار سعيد تقي الدين من مؤسسيها ناهيك بمحررها الأول؟ هذا السؤال طرحته على الشاعر أنسي الحاج ولكن بالصيغة الآتية: عثرت في أعداد "النهار" لعام 1952 على أعداد عدة لملحق ساخر بعنوان "نهارك سعيد" وجدت فيها بصمات لسعيد تقي الدين من مثل الباب المعنون "صرعزوا". وهذا العنوان نحته سعيد من عبارة "صرّح عزام" باشا الأمين العام للجامعة العربية سابقاً الذي اشتهر بكثرة تصريحاته العنترية. وكان جوابه الفوري ان الملحق الساخر كان من نظم لويس الحاج وسعيد تقي الدين وفؤاد حداد (أبو الحن) وتلحينهم. أضف الى شهادة رئيس تحرير "النهار" السابق والعناوين السعتقية، الاسلوب الذي صيغت بموجبه بعض مقالات "نهارك سعيد" وأخبارها، وبخاصة موضوعات "الغلاف"، المتماهي وأسلوب ساخر بعقلين والعصيّ على التقليد. على سبيل المثال، نقرأ في عدد 24 آب 1952 موضوع "الغلاف" المتوّج بالمانشيت الآتية: "مهرجان الموالين يثبت فساد مزاعم المعارضة الهدّامة". وفي سياق تغطية كلمات الخطباء، قال الكاتب: "وبعد ذلك، وقف سعادة المير مجيد (ارسلان) والقى مشط رصاصات تأهيلاً وترحيباً، فكان لهذه النيران الصادرة من القلب أثر رائع". ومن الخطيب الحربجي انتقل الى خطيب نسونجي هو حبيب ابو شهلا، استعاض عن خطابه ببرقية قال فيها: "الجهاد من أجل الوطن أخّرني من الحضور بجسمي. روحي معكم وفكري. زيزي وزازا وزوزو يشاركنني بإرسال التأييد التام لمختلف مقرراتكم. قبلات. لا تنسوا الاهتمام بالبيسّين". وأنشد المهرجانيون في الختام "أغنية عاللوما، اللوما، ملاّ حلوي الحكوما". وفي عدد 7 أيلول 1952، وتحت عنوان "إلى الامام ارجع"، نشرت صورة لرئيس مجلس النواب سابقاً أحمد الأسعد، فوق الخبر الآتي: "رُوّعت الخواطر للتصريح الذي أدلى به عطوفة الملفان للمشترع الأول آية الله أحمد بك السعد، مؤكداً انه لن يرشّح نفسه لرئاسة الهيئة التشريعية. واعتبرت جميع الأوساط انها طعنة تصيب التشريع التقدمي في لبنان إذ سيحرم من مواهب ركنه الأول. ولكن فهمنا ان آية الله الأسعد اضطر إلى ذلك بناء على إلحاح منظمة الأمم التي استدعته لالقاء محاضرات عدة عن فلسفة التشريع، وسلسلة دراسات عن حقوق الانسان. وهكذا يستمر لبنان بلد الاشعاع". واستشرف سعيد أفول نجم بشارة الخوري كما افل نجم الملك فاروق، فكتب في عدد 14 أيلول 1952 خبراً مقتضباً تحت عنوان "اليخت يعود" قال فيه: "اتصل بمندوبنا ان مخابرات تجري مع آل عريضة لاسترجاع يخت هتلر الذي اشتروه ثم باعوه. وان هناك مخابرات مع السلطات المصرية للوقوف على الشروط التي قيّد بها اليخت "محروسة" يوم انطلق من الاسكندرية مقلاً الملك السابق فاروق". في العدد نفسه، وتحت عنوان "حكاية صيد"، عاد الكاتب في مقال إلى بشارة الخوري عبر أبرز معارضيه، استهله بالقول ان كميل شمعون الهاوي الصيد "أقام في منطقة ضهر البيدر حفلة صيد دعا اليها أركان المعارضة. ولكن المناورات التي قام بها الجيش في تلك المنطقة جعلت طيور الحجل تهجر المكان". طبعاً لم تلغ الحفلة أو تؤجل. ذلك ان الصيادين "جلسوا تحت شجرة تين وأخذوا يصطادون الطير المعروف باسم "الخوري". وكان الأستاذ حميد فرنجية أول من أطلق النار وأصاب خورياً سميناً وكبيراً، ففرح رجال المعارضة وقالوا انها بشارة لا بأس بها. وتلاه الأستاذ كمال جنبلاط الذي أسقط خورياً تبيّن له عندما التقطه انه لا يزال سليماً. وجاء دور ريمون إده الذي أطلق النار على خوريين معاً، فسقط أحدهما وقد تبيّن انهما أنثى وخليلها، وان الذي أصيب هو الخليل". ولا بد من إيضاح لمن لم يعش تلك المرحلة او قرأ عنها. فالخوري السمين والكبير الذي أسقطه حميد فرنجية هو رئيس الجمهورية بشارة الخوري الضخم الجثة. والخوري السليم ليس سوى شقيق الرئيس سليم الخوري الملقب بـ"السلطان سليم" وقد اشتهر بفساده وبطشه بمعارضي العهد. أما الخوري الخليل فهو نجل الرئيس، خليل الذي كان يتنافس مع حبيب أبو شهلا في اصطياد الحسنوات.
ولنقلب الصفحة على "صفاء الخاطر".
كان سعيد تقي الدين قد أصبح معارضاً وعضواً في الحزب القومي حين اشترك في تأسيس "نهارك سعيد" وتحريرها. لذلك كان من الطبيعي أن يؤسّس، في الوقت نفسه، ملحقاً ساخراً، لجريدة "الصفاء" الناطقة باسم الحزب القومي، ويتولى تحرير مادته الأساسية، ويصعّد من عيار سخريته، وخصوصاً ان بشارة الخوري كان المتهم الأول في إجراء محاكمة أنطون سعادة الصُورية وإعدامه.
في عدد 27 تموز 1952 من "صفاء الخاطر"، احتل خبر "استدعاء الدكتور شارل مالك ليؤلف وزارة إنقاذ" صدر الصفحة الأولى (والأخيرة)، تتوسطه صورة كاريكاتورية للرئيس العتيد وهو يعتلي منبر الخطابة. وفي التفاصيل ان الاستدعاء والتكليف تمّا "بالنظر الى تجاهل الشعب لما تبذله الحكومة في سبيل تنمية مداركه وإيقاظ وجدانه، وبالنظر لازدرائه بحقوق الانسان... وقد وصل الدكتور شارل مالك بطريق الجو، يصطحب حقائبه التي نسيها. ثم توجّه الى مجلس النواب حيث استقبله السادة أحمد الأسعد، صبري حماده، مجيد ارسلان. وكانوا جميعهم ينشدون تسابيح من فرجيل. وعندما كان الدكتور يصافح مستقبليه، وصل مارون كنعان وهتف: مبارك الآتي باسم أفلاطون". وختم سعيد الخبر الرئيسي بقوله: "تلقينا والجريدة غير ماثلة للطبع ان مرسوماً قد صدر بعزل الدكتور مالك واعتقاله لان اسم والده حبيب قريب من اسم نجيب".
يلمّح الكاتب إلى محمد نجيب الذي تولّى قيادة مصر اثر الانقلاب على الملك فاروق. وفي الصفحة نفسها، وتحت العنوان الدائم "صرعزوا"، استصرح سعيد "دولة الرئيس سامي بك الصلح" بما يأتي: "اغبط كل الاغتباط، زميلي العزيز علي ماهر. تأمّل بابا، علي ماهر رئيس وزارة لا ملك فوقه، ولا سلاطين حواليه، ولا خواجه، ولا مجلس. نعمه، بابا. ليس معه سوى ضابط لا يفهم سياسة. المهم ان يبقى رئيس وزارة زمان طويل، بدون أن ينكرز له أمثال عبدالله بك، وصائب بك وسعدي بك". الجدير ذكره ان سامي الصلح كان رئيساً للوزراء، وهو يتكلم العربية بلكنة اسطمبولية ربما لأن امه تركية. وكان ينافسه على الرئاسة البيروتيان عبدالله اليافي وصائب سلام، والطرابلسي سعدي المنلا. اما علي ماهر، فقد تولى رئاسة الحكومة المصرية، اثر سقوط الملك فاروق.
في عدد لاحق من "صفاء الخاطر" الاسبوعية، احتلت صورة كاريكاتورية كبيرة اعلى يسار الصفحة وظهر فيها "رئيس مجلس النواب احمد الاسعد وهو يحاضر في الاكاديمية الدولية للحقوق عن تطور اثنولوجية التشريع البراغماتيكية". وقال سعيد ان الدعوة تمت لأن "علاّمتنا يفضل بنوع خاص افلاطون في جمهوريته، كما يحب المدينة الفاضلة للفارابي، وقد استرشدهما في كل الاصلاحات والاجراءات التي يقوم فيها في مدينته الفاضلة: الطيبة".
وتغيّر العهد، فانتقل سيده من القنطاري الى الكسليك وتغيّر معه شعار "صفاء الخاطر" ليصبح: "جريدة جليلة غير مستقلة متعصبة رسمية مع او ضد من يقول نعم، ومع او ضد من يقول لا". ولكن سخرية سعيد لم تتغير، بدليل هذه البرقية المنشورة في اسفل صفحة عدد 27 تشرين الاول 1952: "بشارة الخوري - الكسليك، شرّفونا بزيارة. مشتاقون. انتظرناكم طويلا. الامضاء شكري القوتلي". ثمة دليل آخر على استمرار مساهمات سعيد وسخريته، وهو الخبر المنشور في عدد 3 تشرين الثاني من العام نفسه: "تلقينا ليلة امس الاحد، والجريدة على المطبعة، نبأ خطيراً اهتزت له الاوساط السياسية في انحاء العالم. انه لا يتعلق بطرد فاروق من مصر، ولا بالحركة الشعبية في ايران لخلع الشاه، ولا بالصلح في كوريا، ولا باختراع قنبلة جهنمية جديدة، بل بالمستر ونستون تشرشل. لقد شوهد رئيس الوزارة البريطانية في احدى المدن الفرنسية وهو يدخن الغليون بدلا من السيكار. واذا كان القراء لم يدركوا بعد خطورة هذا الخبر، فاننا ندعوهم الى ان يتصوروا احمد الاسعد بلا شاربين، وبشارة الخوري بلا شحم ولا لحم، وحبيب ابو شهلا بلا دولارات، وابراهيم حيدر بلا مسبحة، وفاروق بلا نظارات سوداء، والمير مجيد بلا بعكور، وكمال جنبلاط بلا مشاكل، وعبدالله الحاج بلا ضجيج، وعندئذ يدركون ان بادرة تشرشل تهدد بتغيير وجه التاريخ الحديث اذا وجد لها مقلدون في بلدان هذا الشرق". ومن المرجح ان الكاتب يغمز من قناة سيد العهد الجديد كميل شمعون بدليل الرسمين الكاريكاتوريين اللذين نشرا الى جانب الخبر، وقد كتب تحت الاول عبارة "يطردون صغار الموظفين" وتحت الثاني "ويغضون عن ناهبي الملايين".
يبقى ان ما نشره سعيد في "نهارك سعيد" و"صفاء الخاطر"، بلا توقيع، نشر شبيها له، شكلاً ومضموناً، وبتوقيعه الصريح، في صحف بيروت ومنها "النهار"، ومن ذلك مقالة "اخبارية" المنشورة في كتابه "تبلّغوا وبلّغوا". ولكن اذا رغبنا في ابقاء المنهج نفسه لجهة الاضاءة على إنتاج سعيد غير المنشور في كتبه الـ22، والذي يُنشر قريباً في الكتاب الثالث والعشرين، ويتوزع مضمونه على السياسة والادب وبعض الالوان الأدبية التي كتب سعيد فيها كالمقالة والرسالة والمقابلة الصحافية ورفّة الجناح، ونظرا الى ضيق المكان، انتقيت قصيدة قصيرة نظمها عام 1924، واربعة اقوال مأثورة كتبها في كانون الاول 1947 قبيل عودته من مانيلا الى بعقلين، ومقالا سياسيا ادبيا بعنوان "الف موال" ظهر عام 1953، ومقابلة ادبية جرت معه في ربيع 1955.
قصيدة
عرفت خبايا الناس حين خبرتهم
فما فيهم من ليس بالسارق الجاني
مراحيض أطماع وبئر مفاسد
يحجبها المعطار من نبت ريحان
ارشيف سعيد تقي الدين (1924)
سعيد تقي الدين في سطور
• ولد في بعقلين في 15 ايار 1904.
• تخرج في الجامعة الاميركية في بيروت عام 1925.
• هاجر الى الفيليبين وعمل في التجارة طوال 23 سنة.
• اصبح قنصل لبنان في مانيلا عام 1946.
• عاد الى لبنان في اوائل 1948 وانتخب رئيسا لجمعية متخرجي الجامعة الاميركية.
• انتمى الى الحزب السوري القومي الاجتماعي في تشرين الاول 1951.
• اسس عام 1954 "لجنة كل مواطن خفير" لتعقّب جواسيس اسرائيل.
• حكم بالاعدام عام 1957 لاشتراكه في محاولة انقلابية في دمشق.
• هاجر في اواخر 1958 الى كولومبيا.
• توفى في 9 شباط 1960 وهو يسبح.
• تزوج من بياتريس جوزف ورزق بابنة وحيدة هي العازفة ديانا.
• صدر له 22 كتابا توزعت على المسرح والقصة القصيرة والمقالة والخطبة والرسالة والمذكرات والاقوال المأثورة، ويصدر له كتابان لاستكمال المجموعة العربية.
* يصدر له قريبا كتابان بالانكليزية.
رفّة جناح
لو ان في ليس الرأس اظهار الوطنية، لكنت اول من وضع على رأس ذلك الوطني الصحيح - جرن الكبة!
•••
ليت ألبيون روس الصحافي الاميركي كان صادقا حين قال اننا بغال. اذن لتناولنا فمه بلبطة.
•••
ارتطمت سيارة عزام باشا بالترامواي، فتحطم مقدمها. وحالاً صرّح رفعته ان المؤخرة لا تزال سالمة.
•••
بلغت البطالة في لبنان الى حد ان النملة لا تجد عملا على بيدر القمح.
بيروت المساء - 1947
سعيد تقي الدين يصرح لـ"الهدى" رأيه في الحركة الأدبية والفن المسرحي
وخصوصاً مسرحية "هيروديا" الجديدة ليوسف الخال
بيروت - 27 - من مكتب "الهدى"
الشيخ سعيد تقي الدين اديب ينهل أدبه من صميم الحياة فتراه حياً عفوياً رشيقاً لا تكلّف فيه ولا تقعّر وهذا الاديب الرصين لا يخلو من الفكاهة اللبقة واللذعة العميقة. أوليس الانشاء هو الرجل، على حد قول بوفون، وهل بين ادبائنا من هو أخف روحاً من سعيد تقي الدين وأعمق تهكماً واصرح طباعاً؟
طرحت عليه بعض الاسئلة فتلطف بالجواب عليها كما يأتي:
* ما رأيك في الحركة الادبية في لبنان؟
- لا يجب أن نتحدث بعد عن الحركة الادبية في لبنان فقد "فلقنا" القراء و"انفلقنا" تورماً بالاحاديث عن الادب. تصور مثلاً معمل فورد ترك صنع السيارات وقضى وقته في الحديث عنها! اني لا احترم الا الانتاج.
* وما رأيك في الانتاج الادبي الحديث وفي تصريح طه حسين بأن الحركة الادبية انتقلت من مصر الى لبنان؟
- ان رأي طه حسين غير صحيح لأن الحركة الادبية لم تنتقل من لبنان حتى ترجع اليه. اما الانتاج الادبي الحديث فلا احترم أكثره. وعندي انه يجب أن ننكب على الترجمة حتى تبلغ 95 في المئة من انتاجنا لأن المؤهلين للانتاج الاصيل بين الكتّاب لا يتجاوز 5 في المئة ولأن هنالك فرقاً كبيراً بين الانتاج والكتابة.
* ما هي مشاريعك الادبية؟
- مجموعة بعنوان "سيداتي سادتي" صدرت اليوم ومذكرات القاوقجي وهي سيرة على اساس جديد تقع في 5 اجزاء يظهر اولها في أواخر شباط وهي تتناول الحقبة التاريخية من حياتنا بين 1902 و1948.
* ما رأيك في الفن المسرحي وفي مسرحية "هيروديا"؟
- ان موقف الاستاذ يوسف الخال في مسرحيته هذه من القراء كموقف الشاعر الاميركي الكبير ايليوت. والفرق ان الجمهور في الغرب بلغ من الثقافة حداً حسب معه هذه القصيدة مسرحية الا ان ثقافة الجمهور عندنا لم تتهيأ بعد لتقرأ مثل هذه القصيدة وتحسبها مسرحية وأنا بعد لا اؤمن بمسرحيةٍ ما الا اذا مثلت بنجاح على المسرح فلننتظر تمثيلها.
والاستاذ سعيد تقي الدين مؤلف مسرحي معروف نجحت مسرحياته في التمثيل وأهمها "حفنة ريح"، "نخب العدو"، "لولا المحامي"، "المنبوذ".
الهدى - آذار 1955
سعيد تقي الدين يتحدث: ألف موال!
زحزح الحجر وتفضل اقعد. هاك مسبحتي تتسلى بها فيما أنت تستمع اليّ. لن تنعس، ولن تتثاءب فأخباري مثيرة وكثيرة.
نحن الآن تحت السنديانة، في الضيعة، وسنطوف الدنيا معاً. وننتقل من موضوع الى موضوع. اذكر انك قارئ وأنني كاتب. اذاً، فبحكم المنطق المغلوط، الحق دائماً معي... لا أنت ولا أنا سمعنا "بالبريمي"، قبل ان تنازع عليها السعوديون والبريطانيون. ما دخل بريطانيا ببلاد السعود؟ في بيروت من يقول ما دخلك ودخلي. المهم في هذا النزاع الذي يشتد هو انه قد يكون مجسداً للمشادة البريطانية الاميركية في هذا الشرق الذي يسمّونه اوسط. لا ينشغل بالك فسيصطلح الفريقان ويتصافيان في مصفاة او على الاقل في انابيب نفط. وسيكون حظك كبيراً من هذه المنطقة حين يظفر ابن عم صهر خالة جارك بعمل هناك... ولما كان الشيء بالشيء يذكر فأخبرك أن رئيس جمهورية المكسيك اكتشف ان سلفه غرف ثمانمئة مليون دولار وان الرئيس - رئيس المكسيك الجديد - اعترف انه كان شريكاً في مؤامرة الصمت ولكنه الآن تاب وسيحاكم سلفه، وأن رئيس جمهورية الارجنتين هدد بأنه سينفذ قانون تحديد الاسعار بأفواه البواريد. وان رئيس جمهورية لبنان صرح بأنه كان في دير القمر في يوم دير القمر... يهمك ان تعرف ان في الباكستان مجاعة وان هذا ليس بالخبر المهمٌ لأن المجاعة دائماً تركب الهند والباكستان والقوة الثالثة. وازمة الغذاء تركب القوة الثالثة معدتها، وتفكيرها... يا حسرتي فما أنا بشاعر. اذاً لنظمت اكبر ملحمة بجولييت خوري التي جاءت باسم اللاجئين الى قصر بسترس فمنعوها من الدخول. عندي 27 الف فكرة شعرية بهذا الموضوع ولا اقدر ان انظم بيتاً واحداً! يا شياطين الشعر! يا ملائكة! يا نازك ملائكته! هوذا موضوع... ولو، يا كامل مروه نسيت انك أنت وأنا وبالاصح أنا وأنت حبلنا بجريدة انكليزية معاً وكدنا أن نتشارك بـ"الكلية". راحوا بـ"الستار" ترجموا لي مقالة "نحن نخاف التاريخ يا سمو الامير" وحرقوا نصف تقي الدينها، وقالوا انني قلت ان هذه البلاد هي بعض بلاد السعود. اصحابك القوميون يا كامل مروه يعدمونني مرة كل خمس دقائق. كتبنا لكم التصحيح فما نشرتموه. أعدنا الكرة فأعدتم الإعراض. ارسلنا تلغرافاً. الظاهر انك لا تريد نشر رسالتي لأن الحق معي - قانونياً وأدبياً. طيّب. احسبني على ضلال وانشرها. والا. والا ماذا؟ والا سنترجمها الى الانكليزية وننشرها ملحقاً مع حكاية رفضكم. المسألة تكلف 120 ليرا و3 ساعات شغل. هذا كله موجود. انما تكلف كم مليون مسبّة. وهذه نبخل بها لاننا نحتاج إليها كل يوم. اردنا "الستار" يكشف آراءنا للاجانب فيجب أن لا يصبح مثل الستار الذي بعلمك منه. واذكر يا كامل، انه ليس بيننا خبز انما بيننا ملح... وعلى ذكر الستار فأسباب السلم الذي يوشك أن ينعقد في كوريا عديدة. منها ان ايزنهاور سحب فرده، ومنها ان الروس قضوا غرضهم بكوريا بعد ما صارت كومة رماد، ومنها انهم يريدون أن يتوجهوا بالخير نحو سنغافورة ومنها ان السلم المفاجئ يخلق ازمة اقتصادية في الدنيا... صاحبنا دالس صرح اننا هنا نبغض الانكليز والفرنساويين كثيراً ولحد ما الاميركان. الظاهر ان دالس لا يقرأ من جرائد بيروت الا "الستار" او لأن عبارة "نشر عرض" لا تترجم الى اللغة الاميركية... الدنيا بألف خير. طهران فيها قتلى وفي صيدا لا يوجد قتلى بل جياع... ارجع لي مسبحتي وناولني هذا الحجر فأنا متوجه الى كامل مروه. ان لم يرجع محمد بعلبكي الى بيروت غداً فسنرجع الى تحت هذه السنديانة ونغنّي العتابا... ه... و... ف!
صدى لبنان - 16 نيسان 1952
جان دايه
عن النهار
خمسة وأربعون عاماً على رحيل الأديب سعيد تقي الدين
«.. لنصرك يا سوريا هذا القليل» تلك كانت آخر الكلمات التي كتبها سعيد تقي الدين قبيل رحيله عام 1960، حيث قضى معدماً في جزيرة سان أندرس في كولومبيا، إثر نوبة قلبية أصابته وهو يسبح في البحر، وبين 1904 و1960 أمضى تقي الدين حياةً زاخرةً بالأحداث والإنجازات، كانت أبرز سماتها ريادته في كتابة المسرحية والقصة، والمقالات الساخرة التي عُرف من خلالها مدافعاً شرساً ومتهكماً لاذعاً يُحسب له ألف حساب.
كتب مسرحية (لولا المحامي) وقصة (كلانا في القمر) عام 1924، سبقتها عدة مقالات في جريدة (البرق) عام 1921 تناول فيها المسألة الفلسطينية، ومؤامرة سايكس بيكو التي أثارت سخطه، فالالتزام صفة لازمت أدب سعيد تقي الدين في مراحله كافة، تمحورت حول التخلف الاجتماعي ووباء التعصب الطائفي والدعوة إلى رفض الوطنية الرومانسية باعتماد نظرة جديدة للإنسان والكون والفن. ويجمع النقاد على أن الفترة التي تمتد بين 1928 ـ 1948 حفلت بإنتاج أدبي غزير أعطى التجربة الأدبية لسعيد ملامحها الأساسية فظهرت مملكته المسرحية والقصصية أقرب ما تكون إلى الاكتمال والنضوج، لذلك انصبت مختلف الدراسات حول أدبه خلال تلك الفترة التي قضاها في جزر الفلبين. تميز مسرحه باعتماد الأسلوب التراجيدي والكوميدي في آن معاً، وفي جميع الأماكن حرص تقي الدين على اللغة التمثيلية البسيطة التي لا يحتاج السامع إلى قاموس كي يفهمها. يقول الناقد والكاتب جان دايه عن أبطال مسرح سعيد تقي الدين إنهم إما شخصيات حقيقية موجودة في الواقع، أو لها مواصفات تنطبق على سعيد نفسه. في مسرحية «المنبوذ» و«نخب العدو» و«حفنة ريح» يسيطر الجو الريفي القروي بكل تفاصيله على أجواء العمل، وتنتشر فيها أبيات الزجل بمختلف أنواعه، كي تخدم متكاملةً حالة السخرية المرّة التي طبقت كل إنتاجه الأدبي. في رسالته إلى الدكتور سهيل إدريس، حاول تعريف القصة على أنها حادثة غير عادية، محتملة الوقوع، تسرد بأسلوب جذاب وسهل وتنتهي بمفاجأة حلوة، فقد خرج سعيد على كل النظريات الجاهزة وراح يبحث عن المختلف والجديد، وهذا يبدو واضحاً في مجموعته القصصية الكاملة التي تضم ثمان وثلاثين قصة. وابتداء من «الثلج الأسود» و«ربيع الخريف» و«غابة الكافور» يؤسس سعيد لمعالم القصة القصيرة كفن أدبي متميز راح يتطور مع اكتمال تجربته الإبداعية التي تركها مفتوحة على التجريب والاكتشاف. يتفق الجميع على أن سعيد تقي الدين لم يأخذ حقّه النقدي كرائد في القصة والمسرح، وربما تكون العوامل السياسية إحدى تلك الأسباب، مما يجدد الدعوى إلى إعادة قراءة شاملة تتناول أدبه ومقالاته المختلفة، ووضع الدراسات حولها، فحتّى الآن هناك من يتفاجأ باسم ذلك المبدع الذي قدّم الكثير من العمل الجميل ولم يقابل إلا بالكثير من الصمت.!!
عن سعيد تقي الدين في " تحولات"
العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005
|