|
معن بشور جريدة السفير 09- 06- 2008
"رُب ضارة نافعة"، مثل عربي شائع يتبادر الى الأذهان هذه الأيام، ونحن نتابع أنباء الاعتراضات والمسيرات الشعبية العراقية احتجاجاً على ما يسمى «اتفاقية امنية اميركية ـ عراقية» وعلى نحو يشير الى بروز إجماع وطني عراقي مدرك لخطورة هذه الاتفاقية ومصمم على رفضها، خصوصاً انها باتت السهم الأخير في جعبة ادارة بوش التي تغادر البيت الابيض فيما الفشل يحاصرها، والارتباك يزعزع صورتها منذ ان اتخذت قرار الحرب على العراق فاحتلاله قبل خمس سنوات ونيّف، ليتصاعد بالمقابل الاعتراض الشعبي والسياسي الاميركي بوجهها مع تصاعد الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية الفادحة لتلك الحرب.
وعلى الرغم من المحاولات البائسة التي يبذلها الجانب العراقي المشارك في توقيع «إعلان المبادئ» في 26/11/2007 للتخفيف من مخاطر الاتفاقية على الصعيدين العراقي والإقليمي، فإن هذا الجانب لا يستطيع ان ينكر حجم المخادعة والمراوغة الهائل الذي تبذله الحكومة الاميركية للحيلولة دون عرض هذه «الاتفاقية» على الكونغرس الاميركي الذي لا يصادق الا على المعاهدات، وهذا ما يفسر التلاعب بالاسم (اتفاقية لا معاهدة) رغم ان المضمون هو مضمون معاهدات بالدرجة الاولى.
كما لا يستطيع احد ان ينكر الحرص الاميركي على إخفاء دور المتعاونين مع المحتلين والمحاصرين في «المنطقة الخضراء»، والذين يكتشف العراقيون كل يوم مدى ضلوعهم، لا في مشروع الحرب على بلادهم واحتلالها وتدمير وحدتها فحسب، بل ايضاً في مخطط إدامة هذا الاحتلال لبلادهم، ونهب خيراتها وتحويلها الى قاعدة عسكرية وسياسية ونفطية هائلة للمشروع الامبراطوري الاميركي المترنح تحت ضربات المقاومة العراقية الباسلة.
وإذا كانت خدعة «نقل السيادة» الى العراقيين والتي اشرفت على تمريرها الامم المتحدة في 30/6/2004 لم تنطل على العراقيين، ولم تنجح في تغطية الاحتلال وقواته بالمسميات الجديدة « قوات متعددة الجنسية»، ولم تغيّر من واقع الاحتلال ومن ممارساته الوحشية ضد شعب العراق بكل فئاته ومناطقه ومدنه، فإن مصير «الاتفاقية» التي يجري التفاوض عليها لإعلانها في 31/7/2008 لن يكون افضل من مصير الخدعة السابقة، خصوصاً مع شعب مجاهد ومجّرب وعريق في إسقاط كل المعاهدات الأجنبية والأحلاف الاستعمارية، كمعاهدة «بورتسموث» الشهيرة المعقودة مع سلطات الاستعمار الانكليزي عام ,1948 وكحلف بغداد السيئ الصيت الذي اسقطته ثورة 14 تموز قبل نصف قرن تماماً، وكشركة نفط العراق التي جرى تأميمها في 1/6/1972 ليستعيد العراق سيطرته على موارده النفطية والتي تحاول «الاتفاقية» الجديدة، و«قانون النفط» الموازي لها، وضع اليد الاميركية عليها.
قد يكون من المفيد تبيان مخاطر ما تتضمنه الاتفاقية المزمع إعلانها في نهاية تموز (يوليو) القادم، سواء لجهة تقديمها «ضمانات امنية اميركية للعراق»، و«تسليح وتدريب قوات الامن العراقية»، و«مجابهة تنظيمات المقاومة»، بذريعة مقاومة ما يسمى الارهاب «الذي منحت الاتفاقية الجانب الاميركي « حق احتكار تفسير «الارهاب» ليطال كل مناهض للاحتلال»، وصولاً الى احتفاظ الجانب الاميركي «بحق السيطرة على الأجواء العراقية حتى ارتفاع 29 الف قدم»، كما احتفاظه «بحق اعتقال وسجن اي عراقي يعتقد الجيش الاميركي انه يشكل تهديداً لأمنه» و«بحق شن أعمال حربية لملاحقة الارهاب من دون الرجوع الى الحكومة العراقية»، و«بحصانة قانونية للجنود الاميركيين تحول دون ملاحقتهم بغض النظر عن الجرائم التي يرتكبونها»، و»بحصانة قضائية مشابهة للعاملين في الشركات الامنية الاميركية»، بالإضافة الى ما تردد من ان الجانب الاميركي يسعى في بعض الملاحق السرية الى حيازة «حق إنشاء سلسلة من القواعد العسكرية الاميركية الدائمة، (وقد بدأ إنشاء بعضها بالفعل) وهي قواعد لا تحتاج ـ حسب النص المقترح ـ الى تجديد الموافقة على وجودها لأنها مرتبطة بالاتفاقية التي يمتد عمرها الى 99 عاماً.
ومن المفيد كذلك ان يقوم خبراء القانون الدولي بإبراز مدى انتهاك هذه الاتفاقية المعقودة بين محتل (بكسر التاء) ومحتل (بفتح التاء) للاتفاقيات الدولية ذات الصلة والتي لا تسمح لمن كان يحتل بلداً آخر ان يفرض على هذا البلد اتفاقات جائرة تمس سيادته الوطنية وأبسط مقومات استقلاله.
ومن المفيد ايضاً التذكير بأن وظيفة هذه الاتفاقيات لا تنحصر بإدامة الاحتلال الاميركي للعراق، بل وتحويله الى استعمار دائم، فحسب، ولا تسعى فقط الى إخراج العراق من انتمائه القومي ودوره الحضاري كما حاولت اتفاقيات (كمب ديفيد) ان تخرج مصر من دورها القومي في صراع الأمة مع أعدائها، بل إن وظيفة هذا الاتفاق أيضاً هي في تحقيق الهدفين اللذين وقفا وراء حرب بوش على العراق وهما: اولاً تأمين السيطرة على موارد النفط العراقي (وقد بلغت أسعاره أرقاماً قياسية، فيما المخاوف تتصاعد من احتمالات نضوبه مما يعطي للاحتياطي النفطي العراقي اهمية خاصة)، وثانياً ضمان امن الكيان الصهيوني وقد بدا اكثر اهتزازاً وتصدعا مع تصاعد المقاومة الفلسطينية، ومع انتصارات المقاومة اللبنانية، ومع احتدام الصراعات الحزبية والسياسية داخله.
لكن الفائدة الأكبر المرجوة من مواجهة هذه الاتفاقية تكمن في قدرة العراقيين (وقد توحدوا على مختلف مشاربهم وتياراتهم ومكوناتهم الاجتماعية على رفضها)، على ترجمة هذا الرفض الى تحالف وطني عراقي عريض عابر لكل ألوان الطيف العراقي وقادر على الخروج من حساسيات الماضي وجراحه، وحسابات الحاضر ومصالحه الضيقة، الى رحاب مشروع الاستقلال الوطني الناجز، والنظام الديموقراطي التعددي الذي لا إقصاء فيه ولا استئثار، لا احتكار فيه ولا استبعاد، لا إنكار فيه لحق الآخر ولا إغفال.
فالعراقيون الذين نجحوا خلال خمس سنوات ونيف ان يثبتوا للعالم بأسره، وللأميركيين بشكل خاص، أنهم باتوا بمقاومتهم وجهادهم وصمودهم، الرقم الأصعب في المعادلة الأميركية الداخلية والخارجية، والبند الاول في جدول اعمال استحقاقاتهم الانتخابية، التشريعية والرئاسية، مدعوون اليوم الى استكمال الانجازات التي حققوها عبر المقاومة بإنجازات ملموسة على طريق تحرير بلدهم والتعجيل بإجلاء المحتل عن ارضهم، وهي انجازات يدرك كل عراقي، بالبداهة، ان تحقيقها مرهون بتلاقي القوى الوطنية العراقية، قومية وإسلامية ويسارية وليبرالية، عربية وكردية وتركمانية، حول برنامج المقاومة المرتكز على وحدة وطنية داخلية والمتطلع الى عراق عربي ديموقراطي موحد.
إن هذه الدعوة الواضحة التي حملها المخلصون للعراق قبل العدوان، وبعده، وطيلة سنوات الاحتلال، لا تنكر بالطبع حجم الجراح المتبادلة بين فئات عراقية متعددة، ولا تقفز فوق أخطاء وخطايا وقعت قبل الاحتلال وبعده، ولا تغفل وجود حواجز، بل سدود، دموية ونفسية وسياسية، قامت بين العراقيين على مدى خمسين عاماً، لكن هذه الدعوة تدرك في الوقت ذاته ان دروس الماضي هي عبر نستفيد منها وليست سجوناً نبقى اسرى جدرانها، وانه اذا كانت حكايات التاريخ البعيد والقريب، وأساطيره احياناً، تفرق بين العراقيين، فإن ضرورات المستقبل توحد بينهم، وأي ضرورة اهم من رؤية العراق محرراً موحداً، عربياً ديموقراطياً، قادراً على صون موارده وتطوير طاقاته وإمكاناته.
أما تجارة الإيقاع بين العراقيين فهي بلا شك تجارة رائجة يجيدها منتفعون كثر بمحنة العراق من داخل ارض الرافدين وخارجها، وهي قادرة بوسائل متعددة، ان تحاصر اي تحرك يريد توحيد الطاقات والجهود، وتضع بين دواليبه العصي، وعلى طرقه الألغام المتفجرة، ويجهل اصحاب هذه التجارة قوله تعالى في كتابه العزيز «أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين».
فأبناء العراق مدعوون الى التوحّد في مواجهة الاحتلال وإفرازاته وفي مقدمها «اتفاقية التعاون والصداقة بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الاميركية» كما جاء في «إعلان المبادئ» الذي صدر في الخريف الفائت متناسياً ان التعاون والصداقة تقوم بين دولة مستقلة وحرة وذات سيادة لا بين خاضعين لإملاءات المحتل وبين أسيادهم المحتلين...
أما أبناء الأمة وأحرار العالم فمدعوون اليوم اكثر من اي وقت مضى الى الالتفاف حول مقاومة العراقيين ونضالهم والامتناع عن إعطاء إشارات مؤذية وخاطئة يستخدمها المحتل وأدواته للإيحاء «بسلامة وضعهم»، و»قوة موقفهم»، و»شرعية منظومتهم»، وبأن اعترافاً عربياً وإسلامياً يتصاعد «بحكومة» لا تجرؤ ان تقيم خارج تحصينات المنطقة الخضراء، بل إن سفارات عربية تفتح من جديد في بغداد المحتلة إذعاناً لأوامر بوش في زياراته الاخيرة، فيما كان ينتظر العراقيون ومعهم أحرار الأمة ان تفتح عواصم أشقائهم العرب ذراعيها لرجال المقاومة العراقية وممثليها.
والمفارقة في هذا كله انه يجري فيما الدول المتحالفة مع واشنطن تسحب جنودها من العراق، الواحدة تلو الأخرى (وآخرهم بولندا)، وفيما الناخب الاميركي يتجه لانتخاب مرشح رصيده الأكبر في بلاده انه كان وحيداً في الكونغرس ضد الحرب على العراق قبل إعلانها، ووحيداً بالدعوة منذ سنوات الى سحب قوات بلاده من بلاد الرافدين.
|