رغم رحيل ناجي العلي منذ عقدين من الزمان، الا انه لا يزال حاضراً بيننا في رسوماته وأفكاره وطروحاته المشاكسة سياسياً. والتي لا تزال تثير القلق والضجر في نفوس خصومه كافة.. فما من مناسبة فلسطينية تمر علينا الا ونراه حاضراً بقوة، بوصفه نموذجاً للمثقف المقاتل المؤمن بدور الثقافة والفن في معركة التحرير. ومثل هؤلاء المقاتلين بالطبع لا يموتون، ولا يسقطون. فهم خالدون في الذاكرة والتاريخ.
ان رسوم ناجي العلي الكاريكاتيرية لا تزال - حتى يومنا - تحتل مكانة متقدمة في صدر الصحافة العربية، ولا تزال معارض الفن التشكيلي والكاريكاتيري العربي تُقيم له وزناً. أمّا سيل الكتابات حوله وحول تجربته النضالية والفنية فانه لا يتوقف.
ليس من قبيل المبالغة في شيء إن قلنا: إنّ طرائق الاحتفاء به تتجدد في الثقافة العربية، وفي فن التشكيل، وفي الفكر السياسي مثلما تتجدد رسوماته الكاريكاتيرية من موقف الى موقف.
ودمشق التي تحتفل هذا العام باعلانها عاصمة للثقافة العربية (2008م) شهدت مؤخراً إطلاق كتاب (ناجي العلي.. 1985 - 1987) في طبعته الأولى التي صدرت عن دار (الفرات للنشر والتوزيع) ببيروت.
الكتاب يقع في 206 صفحات من القطع الكبير ويسجل بالتوثيق ما أنجزه ناجي العلي من رسوم كاريكاتيرية في آخر مرحلة عن حياته (1985 - 1987) حينما انتقل الى لندن للعمل في جريدة القبس الدولية. وهي مرحلة مهمة بلاشك، لخصت خلاصة فكرة ومواقفه من القضية الفلسطينية، ومواقفه من تجار الثورة، ومن راكبي الموجة الانتهازية.
يشتمل الكتاب على تمهيد بقلم خالد ناجي العلي، وتقديم بقلم الشاعر والروائي محمد الأسعد. وقد قام باخراج الكتاب وتصميم الغلاف الفنان التشكيلي هاني مظهر، الذي ارتبط بعلاقة صداقة حميمية مع ناجي العلي لفترة زمنية غير قصيرة. ومن المنتظر أن تصدر أجزاء أخرى من هذا الكتاب - حسب إفادة هاني مظهر - ترصد في مجملها مراحل سابقة من حياة ناجي وفنه على مرحلة (85 - 1987). وبخاصة أثناء اشتغاله في الكويت وبيروت، وتعاونه مع عدد من الصحف العربية.
قيمة خاصة
في تمهيد الكتاب يؤكد خالد ناجي العلي على قيمة الرسوم الكاريكاتيرية لوالده، وعلى المشروع الذي أشار اليه الفنان هاني مظهر، قائلاً:
«يضم هذا الكتاب مجموعة مختارة من أعمال الفنان الشهيد ناجي العلي التي رسمها خلال فترة اقامته في لندن ما بين وصوله في تشرين الاول/ اكتوبر 1985 ولحظة اغتياله في 22 تموز/ يوليو 1987، آملين ان يكون باكورة سلسلة كتب ستصدر تباعاً وستضم مختارات من أعماله الكاملة.
معظم هذه الرسوم نُشر إما في صحيفة القبس أو القبس الدولي في التواريخ المبينة اسفل كل رسم. أما الرسوم التي يضمها الكتاب دون تاريخ، فهي رسوم تنشر للمرة الأولى.
ان جميع رسوم ناجي العلي تحمل قيمة خاصة، ولكن للرسمين المنشورين على الصفحتين 195 و 196 قيمة استثنائية، فهما آخر ابداعاته التي كان يحملها اثناء توجهه الى عمله يوم اغتياله المشؤوم.
أخيراً، نود أن نتقدم بالشكر الجزيل من جميع المؤسسات والأفراد الذين قدموا لنا مساعدات ثمينة في تجميع أعمال الفنان الشهيد وتقديم النصح والمشورة للوصول بهذا الكتاب الى ما هو عليه».
سمات خاصة
وحول السمات الخاصة في رسوم ناجي العلي الكاريكاتيرية قال محمد الأسعد في تقديمه للكتاب:
«للوهلة الأولى، يبدو واضحاً ان رسوم ناجي حملت منذ البداية سمات خاصة، وبدأت هذه السمات في تكوين عالم الفنان، مثلما تكون المفردات عالم كاتب من الكتاب. المفردة التشكيلية مفردة لغوية بالطبع، وهذا هو امتيازها عن الكلام ربما. هذا امر لم يدركه كثير من فناني الكاريكاتير المشغولين بالكلام، وادركه ربما حدساً ناجي وهو يبدأ من ايقاع اجتماعي، من النص الأول والمشهد الأول السابق على الكلام من البشر ذوي الملامح الخاصة. لم يكن الطفل والرجل والمرأة، وكل الأوائل لديه، مجرد كائنات مطلقة، بل كانوا شخصيات محددة بنوازعها ومواقفها وأوضاعها الاجتماعية. الفن هنا يمسك بالملموس ولا يلتفت الى المجرد، وملموسية الصورة لا تعني انها قدمت كل شيء، فثمة مساحة تنتظر قارئاً ومشاهداً، تلك هي مساحة المفارقة، والمفارقة تقوم على الجمع بين النقائض على صعيد واحد، ولا تنتظر من القارئ أو المشاهد حلاً قائماً على التفكير، بل حلاً قائما على الحدس المباشر، وهذا هو ما يفسر الدهشة العصية على التعبير التي تنتاب المشاهد أمام رسوم ناجي. إنه يحدس فوراً بما يتضمنه الفراغ الذي تنشئه المفارقة، أي انه يشارك الفنان كما لو انه يقوم بالرسم معه. خصوصية هذا العالم قامت إذن على عكس ما قام عليه التراث الكاريكاتيري العربي الشائع، قامت على تجسيد الملموس الاجتماعي والثقافي والسياسي، وعلى منح الشخصيات هوية انسانية من عالمنا ذاته، من حددوه وعذاباته وألوانه، لا من أفكار عن هذا العالم، إنها منه، أو هي ذاته كما هو الفن حين يكون من التجربة لا عنها.
عن كنعان اونلاين

|