|
الغرابة في مجتمعاتنا العربية ـ المشرقية منها والمغربية ـ أنها تفاضل بين الأشياء، حتى بين الأشياء والأمور التي لا تقبل التفاضل أو التجانس. كإعتبار أن الثقافة هي بالضرورة فكرة سياسية؛ والسياسة هي ـ حتماً ـ إقتصاد؛ والإقتصاد هو ـ طوعاً ـ شأن إجتماعي؛ والإجتماع ـ تأكيداً ـ هو حق الفئات؛ والفئات ـ قطعاًُ ـ هي حماية الطوائف؛ والطوائف ـ جزماً ـ هي صيرورة المذاهب؛ والمذاهب ـ حصراً ـ هي معايشة القطعان. فيصبح بمجمل الدورة الفكرية لنظام البيئة الطبيعية، أن الثقافة مجموع حالات أو توظيفات ديالكتيكية لتطور النشوء البشري (!!)
فإذا كان بعضنا قد نشأ على نظرية داروين في النشوء والإرتقاء، والبعض الآخر تلمّسها في سبيل تطوير وتحسين الجنس البشري. والبعض الآخر إقتنع بإمكانية توظيفها في خدمة الوجود الحي للإنتقال أو لمواجهة ما لم يُعلم وما لم يأتِ إطاره بعد ضمن حاجات الطبيعة البشرية ومتطلباتها لتحقيق الإرتقاء الأمثل والأغنى لحقيقة الكون.. وإذا.. وإذا.. الخ..فهذا لا يعني أبداً أن " تُروكِب" لدينا الجُمل والعبارات فنُطلق تسميات السياسة على كل شيء.
صحيح أن الإنسان كائن سياسي وفق طبيعته، لكنه إجتماعي وفق تصرفاته، وإنساني وفق نظرته. وإن كل ما يروق للمثقف والمفكر في نظامنا الشمسي الآن ونحن في الألف الثالث؛ أن يجمع ذخيرة جهده، وفكره ومحصوله العلمي، كي يجد في آخر النهار ما يسدّ به رمق حاجاته بدءاً من " براد" المنزل وصولاً إلى سرير " التوليد"!!
هنا، يبدأ المثقف بإنتاج العناوين النوعية للسياسة الثقافية وعلى مراحل متعدّدة، فيقوم بإنتاج شعارات جديدة لا تخدم مقاس فكره الأساسي الذي إنطلق منه، وتفرز ( الإشارات والتحولات البنيوية) بالإذن من الشاعر أدونيس، جملة حقائق رمزية تنتهي بنبش تاريخ عولمة الثقافة والإجتماع والإقتصاد والسياسة والجغرافيا والعلوم جميعها تحت خطة رفع سعر صرف العملات الأجنبية، وإنخفاض قيمة الإنتاج، وإرتفاع خدمة الدين العام، وتوزير الكيمياء في خدمة الفيزياء؛ وإستنواب الفيزياء مع الميتافيزيق، وتذويب سكر السياسة مع ملح النخاسة، وجرّ التاريخ إلى مسرح الفلسفة. وتمديد الغموض في خدمة اللاوعي، والتقليد..وترئيس فلسفة القوة على الأغراض الإنسانية النبيلة.. وتعظيم التعددية الثقافية و" الحضارية" من الفئوية والتبعية والإنتهازية ـ على حساب الإنصهار الوطني والقومي، وتعنيف الأخطبوط المجهول الذي نفهمه ولا ندركه على حساب مواجهته.. هذا الأخطبوط الذي نقرّ به جميعاً ونعترف به، نضمره ولا نعلنه.. إلى أن يصل بنا الأمر أخيراً إلى أن نجعله صديقاً وطنياً محباً غيوراً، قائداً أعلى للديمقراطية والحرية وبناء الإنسان.
والمثقف العربي عدو الذاكرة. فهو يقيم أشياءه وينقضها بسرعة هائلة، يبنيها ويهدمها بلمعة برق ـ فهو بذلك، لمّاح، برّاق، " مثقف إرتوازي" يحفظ الود والجميل، أديب، خياله مستمد من عظمة الكون الأبدي السرمدي الذي لا يزول.
وفي كل مرة نسأل عن الثقافة، والحرية، فندركها بأجل جنون العظمة، بريبة تخيف ملائكة الجن. نعصر عنبها. نقطّر زادها. نروي ظمأنا بها. ثم نرشف آخر جرعة منها. " بلعقة إستفراغ" على وجهها وقفاها معاً.
لهذا، نحن شعب يحرّر إرادته الذاتية بعقل لذيذ، عقل يكبر على الجراح.. يداوي الكرامة بخسّة الشعب العنيد.. شعب " قيدوم" يعلن أنه منبطح دائماً إلى الوراء بإسم الحفاظ على الجاهلية وقيم الغيب..
ولأننا كذلك، فنحن مستمرون في الرهان على الآخرين.. الغير بمفهومنا ضرورة إحتماء لا ضرورة إغتناء.. ومفهوم الدولة يجب أن ينبثق من أنها تكوّن المجتمع السياسي، لأن المجتمع ليس بمقدوره أن يصنع دولة بإعتباره ليس عقلاً، لذا، يجب أن يتعدى إطار الدولة عن مفهوم السلطة كنظام سياسي.
فالنظام السياسي طبقات، والطبقات تنتج مفهوم الصراع بين الأفراد والجماعات على حد السواء. مما يتناقض مع مفهوم الدولة كمتحد إجتماعي قابل لحياة شعب واحد على إختلاف مشاربه وإحتوائه ومعتقداته وإنتماءاته.
فالدولة هي صناعة المواطن، المتساوي مع عقلها.. المتصالحة مع نفسها والآخر؛ فهي إذاً، فعل معرفي وتطابق مادي ـ روحي ـ ووعيها مستمد من حقيقة مجتمعها، فتكون الإرادة العامة هي الممثل الحقيقي لسلطتها وشكلها..أي ثقافة الدولة...
فالمأساة في الحياة العربية لا تنبع من النخب السياسية الحاكمة فحسب بقدر ما تكمن في مثقفيها، ( الحاشية والمساعدون والخبراء والمستشارون) والذين يفترض أن يكونوا أصحاب الرأي. فيعملون على إلغاء إنجازات الذي سبقهم في السلطة، ويدفعون بمؤسستهم إلى الهلاك مقابل الولاء لمن عيّنهم في الوظيفة؛ والرقابة الذاتية معدومة إلاّ في مواجهة الإبداع، وصاحب السلطة لا يحترم مَن دونه في العمل ولو كان مخلصاُ وأعلى ثقافة. ولا يقوم بعمل إلاً إذا كان له منفعة شخصية أو فائدة مادية، ويفتخر بمظاهر الأشياء ولا يقبل إلاّ بأفخم الأشياء وأرقاها شأناً. وإشباع حسّ حاجة الناس الماسة إليه.
إضافة إلى أن المثقف العربي لا يقبل الحوار ولا يصغي للرأي الآخر فينصر أخاه ظالماً كان أم مظلوماً، يغلّب قبيلته وعشيرته وطائفته وأصدقاءه على ما سواهم، ومساعدوه هامشيون منتقصة كرامتهم وحسّهم الفني والإبداعي ومستواهم الفكري. لأن كرسته أعلى من كراسيهم، وموقفه أعلى من مواقفهم. والويل والثبور لمن يقف في وجهه!؟!!
الثقافة هي سلطة الذين لا سلطة لهم، وهي القدرة على المواجهة..
ولكي نقف في وجه الطغاة والمستبدّين، الذين ننعتهم كل يوم بأنهم " قاتلو الحرية والديمقراطية والإنسان" على شاشات إعلامنا المرئي والمسموع والمكتوب، علينا أن نقبل بأن نشتم أنفسنا ألف مرة في اليوم كي نستيقظ من صحوة " جنون العظمة" التي تقضّ مضاجعنا، وتستهلك منّا قدرتنا على التغيير نحو الافضل.
البريد الإلكتروني :
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|