اجرى الحوار: نبيل المقدم.
كيف يفكر التركمان القومية الثالثة في العراق؟ «الكفاح العربي» التقت في بيروت زعيم «حزب الاخوة العراقي» الحزب الديمقراطي التركماني سابقا، وهو اكبر الاحزاب التركمانية في العراق وحاورته حول معركة البصرة ومعركة كركوك ومصير التركمان في المعادلة العراقية الجديدة. كيف يقرأ مجيد شوكت البياتي الوضع؟
ما هو الواقع السياسي الذي تعيشه منطقة كركوك في ظل وجود عناصر كردية وعربية وتركمانية متضاربة الأهداف؟
قبل الحديث عن الوضع في كركوك دعنا نعرج على الوضع في العراق بشكل عام. لقد اصبح الوضع في العراق اسوأ بكثير مما كان عليه قبل سقوط بغداد. لقد استشهد مئات الالوف من الابرياء العراقيين وتدهور الوضع الامني بشكل مريع وتزايدت البطالة بشكل كبير, وارتفعت اسعار المواد الغذائية وازداد الفساد في الادارات, وتحولت بغداد والمحافظات الاخرى الى خربة, اضف الى ذلك عدم قدرة الحكومة على السيطرة على الحدود وما لذلك من تأثير كبير في الوضع الداخلي.
اما عن كركوك, فكركوك في الدرجة الاولى مدينة تركمانية لكن نتيجة الظروف الحالية يعتبر التركمان الفئة المغلوبة على امرها, وتسعى اميركا وبريطانيا الى المساومة على مصيرهم ضمن المعادلة الانسب والاربح. هم اضعف الحلقات في لعبة الداخل العراقي عرقياً ودينياً. وورقة التركمان موزعة بين الاتراك والشيعة والاكراد والايرانيين, وهم لا يرون حلا وانقاذا سوى في نظام ديمقراطي يحمي حقوقهم ضمن دستور متمسك بوحدة العراق ارضا وشعبا ومؤسسات.
هل اقتربت معركة كركوك وما هي ابعاد هذه المعركة في العمق؟
في حال نشبت هذه المعركة لا سمح الله فإنها لن تنتهي في سنوات لأنها معركة بين عشائر, ولن يستفيد منها سوى الاسرائيليين الذين يوجدون بكثرة في هذه الفترة في محافظتي السليمانية واربيل. وكما هو معروف ان اسرائيل هي صاحبة المصلحة الاولى في ان يظل العراق مقسماً وضعيفاً, اما ابعاد تلك المعركة فهي تأتي من ضمن المخطط الاميركي المعد للعراق والمنطقة, وهو السيطرة على النفط العراقي لتأمين حاجة الولايات المتحدة من هذه المادة مع قرب نضوب الاحتياطات النفطية. كما ان السيطرة على نفط العراق وتحديدا نفط كركوك يمكن الولايات المتحدة من تخفيف الاعتماد على النفط السعودي خصوصا مع سعي الولايات المتحدة لإيجاد قواعد عسكرية دائمة لها في العراق حتى في حال انسحبت من هناك, لأن بناء قواعد عسكرية قرب منابع النفط من شأنه ان يسمح للولايات المتحدة التحكم في القرار السياسي العراقي وممارسة الضغوط السياسية عليه, والسيطرة على آبار النفط عند الحاجة. لذلك نحن نرى ان الولايات المتحدة عندما غزت العراق استباحت كل شيء ودمرت كل بناه التحتية ولم توفر الا وزارة النفط اذ حافظت على هذه الغنيمة بكل امكاناتها, لأن الولايات المتحدة تريد رفع انتاج النفط العراقي الى إضعاف ما كان عليه قبل الاجتياح وإبان الحصار, ومن شأن ذلك إضعاف منظمة «أوبك» والسماح للشركات النفطية الاميركية بالتحكم بأسعار النفط. ومن المعروف ان هذه الشركات هي صاحبة تأثير كبير في اي رئيس اميركي وفريقه الحاكم. كما ان معركة كركوك ستؤدي الى اذكاء التناقضات الاتنية والطائفية والقبلية لان من شأن ذلك تغليب التناقض الاساسي مع اسرائيل واميركا ليسود بعد ذلك مفهوم النمو والامن في احضان الولايات المتحدة في ظل حماية الكيان الصهيوني.
هل هي معركة انفصال اقليم كردستان عن العراق؟
بعد سقوط بغداد اقتحم الاكراد «البشمركة» مدينة كركوك والتي يعتبرها الاكراد قلب ارضهم التاريخية حيث انتخب كردي رئيسا للبلدية الامر الذي جعل العرب والتركمان يتوجسون من سيطرة كردية سياسية. ومن المعروف ان الزعماء الاكراد طلبوا من الادارة المدنية إزالة كل آثار التعريب الذي اجراه صدام حسين في منطقتهم, ومن هنا يأتي الدعم الكردي لسياسة اميركا في العراق والتحدي العلني لسياسة تركيا ومصالحها هناك, اضافة الى حركتهم العلنية ضد التركمان. والواضح هو ان الاكراد يستعجلون ازالة التركمان من هناك وذلك للتفرد برسم خريطة الشمال العراقي لأن التركمان هم العقبة الاساسية في طريق الاستقلال والانفصال لاقليم كردستان.
التركمان اين هم في معادلة ما بعد الحرب؟
التركمان مظلومون وهم ليسوا ممثلين في الحكومة بأي وزير, لذلك مصلحتهم تكمن في انقاذ العراق من التفكك وهاجس التنازع على الحصص في التركيبة المقبلة, وهذا يتطلب تبادل التنازلات من اجل التوصل الى صيغة تحفظ الوحدة وتحترم الاختلافات وتعالج المخاوف وتوفر الضمانات للجميع, ويمكن القول ان هناك اتفاقاً بين جميع المرجعيات الدينية للمحافظة على الوحدة الوطنية واتخاذ موقف موحد يحول دون تفاقم المأساة.
وهنا اريد ان أضيف شيئاً وهو ان الاكراد وحدهم هم المطمئنون الى مستقبلهم في اي تركيبة مقبلة في العراق, لانهم ممثلون جيداً في الحكم بحكم الوعود المقطوعة لهم من الطرف الاميركي, وهم قادرون على توجيه مسار الامور لمصلحة تصميمهم على اقامة نظام حكم فدرالي يسمح لهم بإقامة كيان شبه مستقل, لان حلم الاكراد في الوصول الى كردستان المستقلة تماماً تبين فيه ان معظم الناطقين باسم الاكراد يفضلون في الفترة المقبلة, ضمان فترة من الحكم الذاتي في دولة فدرالية محصنة ضد غزوات تركية لشمال العراق, بعدما بدا ان الامل في جعل كركوك وحقولها النفطية ارضا كردية الى الابد امراً بعيد المنال.
حكومة المالكي, كيف ترى مستقبلها هل يعاد ترميمها ام ان حكومة جديدة سيعاد تشكيلها ام ان الوزراء المستقيلين قد يعودون عن استقالتهم؟
لا يمكن الحديث عن حكومة نوري المالكي كحكومة مستقلة تمارس سيادتها على كامل الاراضي العراقية من دون ان نتحدث عن الظروف التي تشكلت فيها هذه الحكومة. انها حكومة واقعة تحت الاحتلال, وهي تمارس سلطاتها من ضمن هذا الافراز, لذلك فإن ظروفها مرتبطة دائما بحركة هذا الاحتلال وتطورات اوضاعه السياسية والامنية على الارض العراقية. والولايات المتحدة أساساً لم تكن راغبة في نقل السلطات في العراق الى هيئات منتخبة, ولكن تحت ضغط الهجمات المتواصلة للمقاومة العراقية على قوات التحالف غيرت الولايات المتحدة استراتيجيتها فأعلنت انها تريد ان يتسلم العراقيون ادارة شؤونهم, حيث جرت انتخابات ادت الى تشكيل برلمان جديد ومن ثم حكومة موقتة كلفت اعداد دستور جديد وتنظيم انتخابات جديدة لاقامة سلطة نهائية. واليوم المالكي, كما قلنا, رهن بظروف جديدة. الحقيقة ان العراق واقعاً من دون حكم او حكومة فعلية. العراق اليوم من دون دولة ومن دون سلام اجتماعي. هناك فقر وحرمان وشلل في المؤسسات وفساد اداري مخيف. المطلوب اليوم انهاء الاحتلال الاميركي قبل الحديث عن الوضع الحكومي, لأن أي حكومة جديدة ستأتي لن تكون افضل حالاً لأن الاحتلال الاميركي تقع عليه مسؤولية الوضع الحكومي في العراق.
من يريد رأس مقتدى الصدر, طهران أم أن الصراع محصور بينه وبين حكومة المالكي؟
المالكي يريد ما تريده الولايات المتحدة اما ايران فليس في مصلحتها التفريط بمقتدى الصدر.
الحرب ضد مقتدى الصدر هل هي لتسهيل انفصال المناطق الشيعية عن الوطن الام؟
الشيعة هم الفئة الاكثر عددا في العراق, مع ذلك لا اعتقد انهم في صدد الانفصال عن الوطن الام واقامة حالة خاصة بهم مهما اشتدت الضغوط عليهم, لأن العراق في رأيهم دولة تتسم بالتعددية الثقافية وتضم الشيعة والسنة والمسيحيين والاكراد والتركمان, وهم يريدون دولة ديمقراطية تحترم الاسلام كدين لغالبية السكان. اعتقد ان ما يريده الشيعة هو القيام بدور رئيسي في حكم العراق بعد سنوات من الاضطهاد عانوه ايام صدام حسين. الولايات المتحدة تصعد حربها ضد مقتدى الصدر لانه يطالب بخروج هذه القوات من العراق وهو منذ العام 2004 يقود مواجهات مسلحة ضد هذه القوات, فيما تعتبر اميركا ومن ورائها حكومة المالكي ان هذا الامر ليس انتفاضة ضد الاحتلال بل حركة ميليشيا غير شرعية. والولايات المتحدة تقصد من وراء ذلك من جملة ما تقصده تبرير زيادة عدد قواتها في العراق. لا شك في ان المواجهات مع مقتدى الصدر فتحت صفحة جديدة في تاريخ العراق وهي ستدفع الاميركيين الى اعادة درس مخططاتهم بشأن الوضع الداخلي العراقي. وقد تكون حكومة المالكي من ضمن برنامج الاعادة هذا. كما ان الولايات المتحدة أيضاً ليس من مصلحتها تسهيل انفصال المناطق الشيعية وقيام دولة في جنوب العراق ذات غالبية شيعية, لأن ذلك من شأنه تقوية نفوذ ايران في العراق وان ايران لم تقدم بعد قاعدة مقبولة من الولايات المتحدة للعلاقات معها, كما ان انفصال المناطق الشيعية جنوب العراق سيؤدي الى تسهيل انفصال المناطق الكردية في شمال العراق, مما يعني أيضا تأسيس حركة انفصالية جنوب شرق تركيا حيث توجد المجموعات الكردية, الامر الذي لن تسمح به تركيا الحليفة الاستراتيجية للولايات المتحدة. والولايات المتحدة لا تريد ان تعقد علاقتها مع تركيا اقله في الوقت الحاضر, لأن مشروعها يعاني عثرات عدة في المنطقة.
|