|
ليست المرة الأولى التي لا يتفق فيها اللبنانيون على أمر بمستوى انتخاب رئيس للجمهورية ، فقد اعتاد أغلبية اللبنانيين ، ربما معظمهم ، على انتظار الدخان الأبيض من أكثر من مصدر خارجي ، فالأطراف جميعاً ترتبط بشكل من الأشكال بإرادة خارجية تمسك بالقرار النهائي وبما يخدم أصحاب هذه الإرادات على اختلاف توجهاتها ، فمنها ما هو في خدمة مصالح دولية ، ومنها ما هو في خدمة مصالح عربية ، وقليل منها ما يأخذ المصلحة الوطنية بعين الاعتبار .
ما من شك في أن لبنان الوطن بحاجة لرئيس جديد في المرحلة الحالية من عمر الجمهورية - إن بقيت - في كل المرات السابقة كان التوافق هو الشعار السائد حتى ولو جاء التوافق بين الجهات الخارجية الدولية ، والجهات المحلية ، بعبارة أدق بين الأطراف التي تعتبر نفسها معنية بالشأن الداخلي اللبناني ، كالدولة الفرنسية في كل المرات ، والدولة الأمريكية أحيانا في الزمن الحديث ، وبين الطرف الذي يفرضه منطق التاريخ والجغرافيا .. الطرف الذي لا يمكن للبنان أن ينسلخ عنه بشكل تام ومغاير للمنطق ، وفي قليل من المرات عندما أراد بعض الأطراف اللبنانية النأي بأنفسهم ولبنان عن عمقه وامتداده ودورة حياته الطبيعية عن طريق الارتباط بمشاريع وحلقات خارجية تتناقض مع الحلقة الحقيقية لدورة حياته ، كانت النتائج تأتي وخيمة وتهدد ليس استقرار هذا الوطن الصغير ، بل تهدد وجوده ككل ، ويبقى أن العقلاء فيه ، يدركون - بغض النظر عن العلاقات الشخصانية - أن لا مناص من إعطاء أولوية للعلاقة المحكومة بالتاريخ والجغرافيا ، وفصل العلاقة السياسية المحكومة بالمرحلية ، عن العلاقة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحكومين بكثير من العناصر الواقعية ، ويرسخ هذه العناصر تاريخ طويل ، وجغرافيا لا مناص للخروج منها إلا بما هو أشبه بالموت ، وهنا يمكن لهؤلاء العقلاء أن يكون لهم خطاب مغاير للبعض من المرتبطين أو المرتهنين لإرادة خارجية توظف مواقفهم في عمليات مساومة تجري تحت الطاولة في غفلة عنهم ، ثم يتفاجأون بانقلاب يسقطهم من الحساب فيكونوا وحدهم الضحية وقد تعودنا ، وتعود شعب لبنان على وقائع كثيرة بهذا المعنى ، والذين سقطوا طواهم عالم النسيان على الطرفين .
أن يقف فيلتمان وكوندي في طريق تحقيق توافق ما بين اللبنانيين للوصول إلى حل ، إنما هو أمر طبيعي يندرج في لعبة المساومات السرية لتحقيق مكاسب في مكان آخر ، وما أكثر الأمكنة التي تحتاج فيها الإدارة الأمريكية لأوراق جديدة تلعبها ..!! ، وواضح أنه ليس مهماً لهذه الإدارة أن يتحقق استقرار أو تسوية من نوع ما تحفظ الكيان اللبناني ، أو سياسييه أو طوائفه ، ويدرك اللبنانيون جميعاً هذه الحقيقة التي يتعامى عنها بعض السياسيين من فريق 14 شباط وليس جميعهم ، ونرى أن هذا الإدراك يسبب إرباكاً في داخل الفريق ظهر قليل منه إلى العلن برغم الجهود المبذولة أمريكياً ، وهي جهود مدعومة عربياً للحفاظ على أن تكون اللوحة بمظهر المترابطة للموقف الحكومي غير الشرعي للفريق الشباطي ، ويبقى أن حقيقة المصالح اللبنانية الوطنية ستفرض نفسها وسيظهر إلى العلن موقف مغاير لما هو مطروح إن توفرت العقلانية والإرادة لدى بعض الفريق ، ويدعم هذا التوجه الخطاب الواعي للصرح البطريركي الذي لا بد سيلقى أيضاً الكثير من التجاوب ، وبالتالي هذا يثبت ، ويدعم الموقف العقلاني للعماد ميشال عون الذي لا يمكن لأحد أن يتهمه بعمالة من أي نوع لا لدمشق ولا لطهران ، في الوقت الذي يطرح فيه رؤيته لقاعدة علاقات متكافئة ومتوازنة مبنية على الاحترام وتحقيق مصالح الطرفين التي لا يحكمها ، أو يتحكم فيها أفراد وتنظيمات ، بل يحكمها ما هو أكبر بكثير ... يحكمها تاريخ طويل ، وعلاقات متشابكة ، وجغرافيا هي القادرة على فرض الكلمة الفصل .
الذين يطرحون غير ذلك إنما يغالطون أنفسهم ، ويضللون شعبهم ، وإذا كنا نقول بأن مصالح لبنان تفرض عليه حالة يسمونها : " السورنة " كما يقول البعض ، فإننا لا نقول بالتبعية ، ولا نقر الهيمنة والتسلط ، وأيضاً لا نلمس توجهاً لدى القيادة في الشام لتطبيق مثل هذه المفاهيم ، لكن أحداً لا يقبل بمقولة الأمركة ، ولا الفرنسة عدا عن المطروح وبشكل في غاية الفجاجة ألا وهو الأسرلة ... عن طريق اعتماد عقيدة جديدة لجيش لبنان ، بحيث يصبح الشقيق عدواً ، والعدو .... " صديقاً " لا خوف منه ، أو من علاقات طبيعية معه ، كمن ينتظر علاقات طبيعية بين الذئب والحمل ..!! آن لبعض قيادات لبنان أن تعي وتدرك الواقع ، فكثير من أبناء هذا الوطن الصغير لا يتحسسون من كلمة السورنة ، كما لا يتحسس الكثير من السوريين تطبيق عملية اللبننة بالمعنى الثقافي والمعيشي ، على وقائع الحياة في الشام ، ويرفضونها كوصفة لعملية تخريب على الطريقة الأمريكية ... أي نشر الفوضى الهدامة التي أجادها فيلتمان حتى اللحظة ، بتوجيهات من الآنسة رايس والإدارة التي تمثلها، ودعم الكثير من الدولارات ، وأصحابها حتى من ضمن البيت العربي .
إذا كنا لا نجد على الجانب اللبناني من يطالب بأن تتفوق المصالح الشامية على المصالح اللبنانية بأي شكل ، لكننا بالمقابل لا نجد من يطلب ذلك على الجانب الآخر في الشام ، وأعلن أكثر من مصدر على أعلى المستويات أن هذا الأمر ليس موضع نقاش ، بل يجب العودة إلى تجارب الماضي القريب لتجنب سلبياتها على أن يتم استكمال المشاريع والعقود ذات الفائدة للطرفين ، وخاصة لما فيه خير لبنان ، خير الصناعيين ، والتجار ، والمزارعين اللبنانيين ، ونعلم أن كثيراً من تلك المشاريع تم توقيفها ، ومن قبل القائمين على السلطة الحالية ، الذين لا يرون فيها ما يحقق لهم الفوائد والمكاسب الشخصية ، بل تتحقق الفائدة العامة لأصحاب المصالح الحقيقيين ، ولا ننسى أن هؤلاء - أنفسهم كانوا شركاء الفساد والفاسدين والمفسدين على الجانبين ، وقد آن أوان التخلص منهم ، من يقف في طريق ذلك هو الإدارة الأمريكية ممثلة بفيلتمان وإدارته ، وكنا نأمل أن تصل القيادة الفرنسية إلى قناعة تسمح لها بالكشف عن الحقيقة ، واتخاذ موقف يصب في خدمة المصالح اللبنانية ، ومستقبل علاقات فرنسا مع المنطقة ، فرنسا التي من الممكن لها امتلاك المقدرة على وضع خط فاصل بين مصالحها ومصالح الصهاينة ، وليس دمجها كما تفعل الإدارة الأمريكية ، وخاصة الحالية - إدارة عصابة المحافظين ... وليسوا بجدد .
محمد ح. الحاج
|