|
فيما بدا واضحاً أن اللقاء الحواري الذي دعت اليه وزارة الخارجية الفرنسية، وعقد في قصر "لا سيل سان كلو" قرب باريس، إستثنى القوى السياسية العلمانية واللاطائفية، وقسَّم لبنان على أساسِ طائفي ومذهبي؛ إلا أن خطة تحرك المبعوث الفرنسي المكلَّف متابعة الأزمة السياسية اللبنانية "جان كلود كوسران"، أثارت الكثير من التجاذبات السياسية والإعلامية، وسط أجواء تشي بعدم رفع سقف التوقعات، وعدم إنتظار قرارات أساسية يمكنها حلّ كلّ المشكلات العالقة، خصوصاً وأن هذا اللقاء الحواري هدف الى إرساء الثقة بين اللبنانيين لإيجاد الحلول للأزمة الراهنة بدءاً من الحكومة ووصولاً الى الإستحقاق الرئاسي.
وفي هذا السياق... أبرزت الديبلوماسية الفرنسية إمكانية الإنفتاح على سوريا إنطلاقاً من ثوابت ترسي الإعتقاد بأن ترتيب العلاقة بين باريس ودمشق، والتي عرفت تدهوراً كبيراً خلال الأعوام القليلة الماضية، لا بد وأن توفر مناخات هادئة في لبنان؛ وتدفع بإتجاه كبح الهزات الأمنية والسياسية؛ وهي سعت للإنفتاح على المعارضة اللبنانية ممثلةً بحزب الله، الذي اجتمع وفده الى الرئيس نيكولا ساركوزي في مقر إجتماع الممثلين اللبنانيين في "سان كلو"، ما يؤشر الى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين فرنسا وحزب الله وأيضاً سوريا التي أكد رئيس الديبلوماسية الفرنسية "برنارد كوشنير" أن إرسال "جان كلود كوسران" اليها إنما يشكل بادرة حسن نية على طريق التهدئة معها، مشدداً على أن زيارة الموفد الفرنسي للعاصمة السورية جاءت إستجابةً لإشارات إيجابية أرسلتها دمشق الى بيروت.
رغم الإقرار بأنه من المبكر جداً القول إن العلاقات عادت الى سابق عهدها بين فرنسا وسوريا؛ وإن زيارة "كوسران" تشكل إنقلاباً في السياسة الفرنسية حيال سوريا؛ إلاً أنه يمكن الإستشراف والقول بطريقة جازمة إنَّ فرنسا ساركوزي بدأت تُعِدُّ لطمر عهد الجفاء الذي طَبَعَ العلاقات بين باريس ودمشق منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهي تصر على ذلك لأكثر من سبب في مقدمها تفعيل نتائج لقاء "سان كلو" اللبناني-اللبناني، ولكن بخطوات حذرة ومحسوبة، لأن فرنسا تدرك تماماً إستحالة تجاهل التأثير السوري، ومن ورائه التأثير الإيراني، في مجريات الأحداث في لبنان خصوصاً وفي بلاد المشرق عموماً؛ إذا ما أرادت لمبادرتها النجاح والخروج بإتفاق إعجازي على حلّ متكامل للأزمة السياسية اللبنانية.
وفي هذا الإطار... نقلت بعض الصحف اللبنانية معلومات سربتها مصادر ديبلوماسية فرنسية أفادت بأن الموفد الفرنسي "جان كلود كوسران" تبلغ من سوريا مطالبتها بإعتراف واضح "بتأثيرها ومصالحها في لبنان"، كما أصرت على العلاقات الطبيعية الخاصة والمميزة التي تربط لبنان وسوريا، وأبلغت تأييدها للمبادرة الفرنسية التي وصفتها ب"المتوازنة والإيجابية".
وأضافت المصادر الديبلوماسية أن دمشق لم تقدم إجابات واضحة على وجهات النظر الفرنسية التي عرضت ضرورة الوفاء بالإستحقاق الرئاسي لتفادي وقوع لبنان في فوضى دستورية ومؤسساتية، مشيرةً الى أن "كوسران" لم يتقدم بطلباتٍ فرنسية مباشرة من دمشق؛ لأن الحوار السوري-الفرنسي لا يزال في بدايته... وكشفت المصادر الديبلوماسية الفرنسية عن أن المسؤولين السوريين أبلغوا "كوسران" أن ما يهدد لبنان وإستقراره في هذه المرحلة هو تمدد تنظيم القاعدة الى الأراضي اللبنانية.
في المقابل... رفضت سوريا أن تقدم للموفد الفرنسي أية إلتزاماتٍ؛ وتعاطت بحذر شديد مع أسئلة "كوسران" حيال موقفها من الإستحقاق الرئاسي.
وفي قراءة تحليلية أولية لهذه الإنعطافة الفرنسية الحذرة تجاه سوريا والتي جاءت بمباركة أميركية، أو بمقايضة الأولويات مع الولايات المتحدة فإن عهد الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي، خالف التوقعات السياسية والديبلوماسية، وفاجأ قوى سياسية لبنانية عديدة كانت لا تزال تراهن على مواصلة المقاطعة الفرنسية لأي حوار مع دمشق، فكان أن زار "كوسران" كلاًّ من طهران ودمشق في خطوة لها دلالات كثيرة، وقد صنَّفها المتابعون للأزمة السياسية اللبنانية ولخط سير العلاقات الفرنسية-السورية، في سياق الإعتراف الفرنسي- وإن جاء متأخراً- بدور أساسي لكل من سوريا وإيران في إنضاج وإنجاح أي حلّ تسعى إليه فرنسا في لبنان، وهو حلّ يعوِّل عليه الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي من أجل الدفع بالسياسة الفرنسية كي تعود وتأخذ موطئ قدمِ لها، ودوراً أساسياً في الإستحقاقات السياسية الإقليمية المتصلة بمنطقة الشرق الأوسط عموماً وبلاد المشرق خصوصاً، بعد أن أطاحت الإدارة الأمريكية عن سابق عمدٍ وتصميم بهذه السياسة، إثر "التوافق المضطرب" بين الرئيس الأميركي جورج بوش والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، الذي أدرك في الهزيع الأخير من ولايته أن أطماع الولايات المتحدة في لبنان والمنطقة تتجاوز نظرته الى لبنان تسوده العدالة والحرية والدستور، وهي- أي الإدارة الأمريكية الحالية- لن تهتم كثيراً إذا ما خاض لبنان مجدداً حرباً أهلية قد لا تبقي ولا تذر هذه المرة في ظل العناوين الأميركية مثل: "الشرق الأوسط الجديد"، و"الفوضى البناءة"، و"ديموقراطية القوة".
الأمين بيار عازار
|