إلى روح فقيد الفكر والعروبة الدكتور سهيل إدريس
ظللـْتَ تحاول ألاّ تسيرَ ـ ولو هرِماً ـ
في جنازةِ حلمٍ سقيناهُ من دمنا العربيِّ وحبركَ جيلاً فجيلا،
وها أنت في آخر الشوط تسقطُ عن صهوة الحلمِ ـ لكنْ ـ جميلا
وتبصرُ في " زهرةٍ من دمٍ " وطناً ليس يأتي.
وقد كنت تدرك كم قتلونا،
وكنا نقوم من الموت حين نراك على الحلم متكئاً وتسير،
على الجرح متكئاً وتسير
وكنا نسير على نزف حلمك سيراً طويلا
*****
ترجلتَ عن صهوة الحرف في آخر الشوط
يا للمداد الذي ما استقال من الفرح العربي الذي سوف يأتي
وجينين ذاكرة لشهيدٍ
يدافع عنه وقد لا يعود إليه
وكنا نحاول في السنوات العجاف المسير إلى حيث
تعلن أن السِمانَ ستأتي
ونسهرُ في الزمهرير أمام مواقدَ جوْعى لنارٍ
ونغفل دون غطاء
سوى ما تبقّى علينا من الحلـُمِ العربيّ
*****
لقد مرّ خمسون عاماً، وما كان في سجننا العربيِّ سوى الأنبياء[1]
وبعضِ اللصوصِ، وتهمتهم أنهم أنهم سرقوا النار
من جبلِ الآلهةْ
سرقوا النار من "زوسّ"[2] للفقراء
وهذا الخراب الذي نحن فيه تقدّم صوب السماء
*****
وأعلنت أن الذي قد زنى بالمدينة "أوديب"،
كان الجذامُ على وجه "طيبةَ" يمنعها من مزاولة الخصب،
والكاهنُ العربيُّ الجديدُ شريكُ الزناة.
وقلنا سيغسلها المطر العربيُّ الذي سوف يأتي
وكان السرابُ يخادعنا من جميع الجهات،
وكم مرّ جيلٌ، ونحن نغسِّلها بالدماء،
ونجلب ماءً لقطعاننا من جبال الأفاعي،
ونبحث عن خبز أطفالنا في "مَكبـّاتِ"أطفالهم
في زمان التوحّد عند :"المكب".
ولا تنتهي السنواتُ العجاف، ولا النيل يأتي،
وإخوة "يوسفَ" يفتتحون السجون
وها عمرنا العربيّ من القهر يمضي بنا في غـَيابة جبٍّ
نفسّر أحلام كل "عزيز" ذليل
****
وما كنت تملك غير الذي قد سرقت من النار،من جبل الآلهة
طهوتَ عليها طعام العصاة
وأطعمت كل الذين على الدرب كانوا جياعاً لخبز جديد
وفجر جديد.
لقد كنت ذاكرة للذين رأوا وطناً في الثقافة ينمو
وبين السجون وبين الشظايا صرفنا عصارة أعمارنا،
وكنت تقول لواحدنا:
توكـّأْ على جرحكَ العربيِّ
بحـُلـْمكَ، حتى ولو ما وصلت
وليس لنا في الفجيعة غير الصمود
وصنعِ الضماد من الغضب العربيِّ الأخير
وكنتَ تحرِّضنا أن نظلّ عصاة
وكنا كمثل الطيور بأقفاصها
تطير ويبقى مداها الحديد
ونبحث في كل شهر عن الخبز في
حبرك العربي الجميل
لقد علـّمتنا العواصفُ كم نحن كنا بهذا الثرى راسخين،
وأيُّ الجذور لنا.
وكان لنا في السجون فضاء
له ما لقلبك من شرفات.
*****
وها أنت يا وطني في الموانئ
من مرفأٍ مستحيلٍ إلى مرفأ مستحيل
ونسأله كيف تفضي الرياحُ إلى وطنٍ لا اتجاهَ له،
وبيروت قد خدّرتْ عمرها بالنبيذ الغريب
وتعصر للغرب أثداءها
تحت سقف مريب.
وليس لنا غير أوجاعنا وانتظار المساء.
وكنا نفتش عن وطن لا وجود له في الوطن
لبستُ بلاداً ممزقة ومشيت
أحاول ترقيعَ ما ظل من حلمي ،
أي معنى لحب بغير هزيمة/ أي معنى لغار حراء بغير نبي
وكنا نرى فيك في كل شهر بلاد جديدة[3]
وكان امامك يخلع جيلٌ حديدَهْ
تأمل بذورك كيف نمت،
كنت خبزاً لنا وقصيدةْ
لقد كنت مشكاة قنديلنا العربي
*****
وقال الطغاة لنا:
أي معنى لعينين أو قدمين بجوف السجون
وها نحن بعد فوات الرجاء
نفتش عن وطن في السماء
وكيف سننهي مهمة روما،
وصنع التوابيت والأضرحةْ
وبغدادُ تسألنا عن خيول بني عمنا،
وتضمِّدُ بالنخلِ فتيانَها،
وتحرّضهم أن يظلّوا عصاة.
لقد شربوا فكرَك العربيَّ
تماًماً كما شربوا ماءَ نهر الفرات
توقّفَ قلبُك لما رأيتَ بني عمـِّنا
ينحرون الخرافَ لبوشَ وأطفالَ بغدادَ،
ثم دعَوْهُ ليحمل نفسَ الحسام الذي ذُبِح اللهُ فيه ببغدادَ
ها هو يرقص رقصته البدوية، والسيفُ في يده،
والخيامُ تقام لعمرو بن كلثومَ والمتنبي وعنترةَ المتزيـّي بزيّ النساء
وقد قدّموا لضيافته ما تبقّى من النفط والقهوةَ العربية
وما ظلّ في الرمل من أريحيــّة.
فياأيها الداخلون إلى الجرح لاتشمتوا
يا سلالةَ من قدّموا اللهَ للأجنبيِّ هديـّةْ
سلالة من دلَّ "أبرهةً"أين مكةُ،
من دلّ "بوشَ" على "العامرية" [4]
****
وقد كنت تدرك أن العروبة سوف تمر على جزر الساحرات
وينهش من لحمها ألفُ "سيكلوبَ"
والماء كان على البرج يربو
ويلمع خلف الدجى وطنٌ وحبيبة.
فلا الحبُّ يفنى، ولا أنت تـُغرى بغير الخصوبةْ
ومزّقت عن جيلنا الأغطيةْ
هما الحبُّ والخيرُ حرّانِ لا يقبلان الإقامة في الأقبيةْ.
أنا لست أرثيك إن حضورك مكتملٌ،
حيث في كنف الروح يغدو الغياب حضورا
وكان رحيلك أجبرنا أن نعدَّ ينابيعنا واحداً واحداً
تأخرْ عن الموت فينا قليلاً
فلسنا عصاةً بأرضٍ موات
وكنت تحاول كشف الطريق
بما ظل فيك من الأسئلةْ
وقد كنتَ تمشي بعكس السراب
وصولاً إلى الغيمة المثقلةْ
سهيلُ استرحْ في خلودكَ ، إن الضحى
كان صُنْعَ يديكَ
وصنعَ الذين بأقلامهم رافقوكَ
صعوداً صعوداً إلى الجلجلةْ
عمر شبلي /الصويري/البقاع الغربي - شباط 2008
ـ لقد مر أكثر من خمسين عاماً عى صدور مجلة الآداب[1]
ـ زوس كبير الآلهة في الأساطير اليونانية، وكان هو وحده يملك النار في جبل الأولمب، وسرقها "سيزيف" وأعطاها لبني البشر فغضب زوس وفرض عليه عقوبة حمل الصخرة من الوادي إلى الجلجلة، وحين يصل إلى القمة تسقط الصخرة إلى أسفل الوادي ثم يعيد حملها وهكذا إلى أبد الآبدين[2].
ـ موعد صدور مجلة الآداب[3]
ـ العامرية : الملجأ الذي قصفته القوات الأمريكية في بغداد وقتل فيه أكثر من ألف وخمس مئة عراقي من المدنيين[4]
|