موسى نخلة - نشرت في جريدة " الوحدة " الاسبوعية - الاردن في 25-2-2008 العدد 216
في الأول من آذار القادم، تمر بنا الذكرى الرابعة بعد المئة لمولد فيلسوف القومية الاجتماعية، مؤسس فكر المدرحية، النظرية العالمية الثالثة في علم الاقتصاد السياسي الاجتماعي، ولما كانت شعوب العالم كافة، وخاصة عالمنا العربي، ما زالت تجهل أو تتجاهل هذا الفكر، لا بل يتعمد الكثيرون من المفكرين والباحثين طمس معالم هذا الفكر، أو عدم الاهتمام به أو التعتيم عليه رغم مرور أكثر من قرن على ميلاد هذا العبقري صاحب النظرية. كان من الضروري إلقاء ضوء كاشف عليها. لعل المفكّرين والباحثين يجدون فيها صخرة الخلاص والانقاذ لنا ولعالمنا العربي والعالم أجمع.
فهي الرد الأبلغ على تغول الرأسمالية الغربية وشراستها وظلمها، واحتكارات شركاتها العابرة للقارات التي تسخّر القانون الدولي لشريعتها شريعة "الغاب" في إرغام الدول والشعوب، وبالقوة المسلحة على التخلي عن سيادتها وإخضاعها لهيمنتها تمهيدا لنهب ثرواتها وتجويعها.
المدرحية هي الرد: كان سعاده قد أعلن في أول آذار 1940 أن الحركة السورية القومية الاجتماعية لم تأت سورية فقط بهذه المبادئ بل أتت العالم بالقاعدة التي يمكن عليها استقرار العمران وارتقاء البشرية. وترفض الاقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأين المادي والروحي أساساً للحياة الانسانية، وهي لا تقف عند هذا الحدّ، بل تعلن للعالم أجمع مبدأ الأساس المادي الروحي للحياة الانسانية، ووجوب تحويل الصراع المميت الى تفاعل متجانس، يحيي ويعمّر ويسير بالحياة نحو أرفع مستوى.
فالمبادئ الماركسية المادية لتنظيم المجتمع والمبادىء الفاشية الروحية، المتصادمتين أبدا، رفضهما سعاده رفضا قاطعا بأن قدّم الدليل الفعلي في فلسفة مادية روحية ـ مدرحية ـ لا هي شيوعية ولا هي فاشية، بل اقتصاد المجتمع القومي باسره.
مذكرا بأن لا يلتبس مفهوم القومية الاجتماعية بالقوميات الفاشية الشوفينية فذلك لا ينطلي إلا على البسطاء، فالقومية الاجتماعية عقيدة تحرر قومي بينما الفاشية عقيدة توسع استعماري، ومنطلقات القومية الاجتماعية من العقل بينما تنطلق الفاشية من الحدس. وترتكز القومية الاجتماعية على مبدأ مساواة الأمم والفاشية على سيطرة أمة على جميع الأمم. وتعتمد القومية الاجتماعية على علم الاجتماع وتطوره، بينما تعتمد الفاشية على العنصرية الخرافية.
في أعقاب انهيار الأنظمة العالمية بعد الحرب الكونية الثانية اكد سعاده في النظام الجديد المنشور في 10كانون الثاني 1947 ان المدرحية بديل لعقيدة تفسير التطور الانساني بالمبدأ الروحي وحده، لعقيدة تفسيره من جهة اخرى بالمبدأ المادي وحده، وان فلسفته الجديدة هي ما يحتاجه العالم، فهي فلسفة التفاعل الموحد الجامع لقوى الانسانية .
لان أساس الارتقاء الانساني، أساس مادي روحي مدرحي وكان سعاده يخطط لوضع بحث واسع مقارن، بين هذه المذاهب، وفلسفته المدرحية، ولكن رغبته لم تتحقق في ظل الصراع القاسي المرير الذي قاد بها حزبه، وانتهت باستشهاده المبكر في الثورة القومية الاجتماعية الاولى 1949.
لكن مرتكزات هذه الفلسفة، قائمة في كل كتاباته، وباعتماد منهجه في الفهم والتحليل، نصل الى الخلاصات الفكرية في نظريته، فالمدرحية، هي وحدة العوامل المادية - الروحية، لا تصادمهما وهي التعبير عن حقيقة العملية الحياتية، غير المجزأة وسعاده يقول، لا يمكننا الفصل بين الحياة ومقوماتها، ولا يمكن عزل احدهما عن الاخرى.
ميزة سعاده انه وعى مبكرا تطاحن النظامين، ليس لغرض انساني، بل لتثبيت ما وصفه بالاقطاعية الانترسيونية، لذلك رفض التبعية لمراكز الاستقطاب العالمي، واصر على عالم تسوده المساواة بين الأمم الحرة، في تقرير مصيرها، وفي موارد العالم.
فخلافا للحتمية التاريخية المادية، والهيغلية التي اوقفت قطار التقدم عند محطة افتراضية لفردوسها الموعود، وسقوط هذه الفرضيات، بنى فلسفته على واقع الامم والمجتماعات ودعا الى بناء قومية اجتماعية، لأمته ولأمم العالم الاخرى.
يقول سعاده في بحث الديمقراطية عن عقيدة " الجزء العاشر" من الاثار الكاملة، ان الاقتصادين الاجتماعين من امثال ماركس وانجلز، قد القوا نورا قويا على مشاكل المجتمع الاقتصادية، وأن الماركسية كشفت الظلم الطبقي واستنكرته، ودعت الى الانتفاض عليه وتقويضه، وكانت على حق، ولكن اجتثاث هذا الظلم، لم يتحقق ولا مرة واحدة، عن طريق انتفاض طبقة، بل بتفجير الثورة على نطاق قومي أشمل، منذ ان وضع لينين قواعد الاحزاب الشيوعية في كتابه " ما العمل" فصارت بذلك احزابا تخطت في تكوينها الحدود الطبقية، واذ ضمت اعضاء من كل الشرائح الاجتماعية، واصبحت الرابطة الموحدة بينهم ايديولوجيتهم ونظامهم الحزبي المركزي، لا انتماءاتهم الطبقية، وبهذه الخطوة نقض لينين على الصعيد العملي مقولة ماركس بالحتمية المادية.
في اول تجربة عملية له، وقد اثبتت الاحداث، ومسار العصر حيث انفجر بركان في وجه الاستعمار والتبعية، والظلم الاجتماعي في كل حرب تحررية قادها حزب شيوعي وانتصر من الصين الى كوبا الى كوريا، الى فيتنام، والى حد كبير في روسيا بالذات، وكانت الدوافع قومية ولم تكن طبقية.
فالامة هي المحرك الاساسي للتاريخ، وثبت ان القرار السياسي بأحداث التصنيع جاء لاحقا للثورة وصادرا عنها وليس قبلها. هذا الارتباط بين السياسي والاقتصادي لحظه سعاده وركز عليه في مقال " سورية الجديدة" في 30/9/1939، فالاستقلال السياسي مفتاح الاستقلال الاقتصادي، بعد لينين وستالين وهكذا فعل ماوتسي تونغ في الثورة الصينية، اذ قال " ثورتنا ستنطلق من حقول الارز، لا من المصانع وسنتمثل تاريخ الصين من كونفوشيوس الى "صن يات سن"، كذلك فعل هوشي منه، القومي الفيتنامي العظيم، واكثر الثوار الشيوعين شراسة روحية، ومثلهما فعل كاسترو، وهذه كانت إرادة الثائر الاسطوري تشي جيفارا في اشعال الثورات في امريكا الاتينية.
نقد سعاده للحتمية المادية : اكتشف سعاده بمنهجيته الصارمة في البحث وسبر الاغوار، الخلل الذي ادى الى قصور النظرية الماركسية, فاعتبرها فلسفة جزئية، وبنى نقده لها على مرتكزات ثلاثة.
الاول: ان الماركسية اعتبرت وبناء على فلسفتها المادية التاريخية، ان العالم منتقل حتما، من الراسمالية الى الاشتراكية، فالشيوعية، وقد ثبت العكس في ما بعد بالنسبة للنظام الشيوعي نفسه، فسارع قادته في الاتحاد السوفياتي الى التحول الى الرأسمالية، واعتبروا ان انقاذ بلدهم يكون بهذا الانتقال، فحكموا هم انفسهم على نظريتهم. فضلا عن ان تحول نظام شيوعي الى راس مالي، اسقط المرتكز الرئيسي للحتمية المادية.
الثاني: إن الحتمية المادية حصرت الظواهر الإنسانية والصراع الإنساني في الإطار الطبقي المادي، وأغفلت العوامل الأخرى المركّبة في الحياة، لذلك رأينا من المفارقات العجيبة، أن يظهر الدين مثلا كقوة بعد انهيار الشيوعية، وأن تظهر الصهيونية بتنظيم متوسع في الإتحاد الروسي، بعد سبعين سنة من النظام الماركسي، إذ اعتبر ببساطة، أن شخصيات الأمم، ذابت أو ذوّبت في الرابطة السوفيتية.
وهنا لا يفوتني أن أذكّر بالصدام المبكر بين لينين وحزب البوند اليهودي الذي طرح فكرة أن يكون للبوند استقلاليته وتنظيمه الخاص ضمن الحزب الشيوعي، وقد وقف لينين بضراوة ضد هذا التوجّه.
الثالث: سقوط مبدأ الحتمية المادية، أكّد صوابية مبدأ التفاعل وتعدد العوامل المادية الروحية في الحياة الإنسانية وهذا ما قامت عليه القومية الاجتماعية التي دعا إليها سعاده منذ 1932.
في العقد الأخير من عمر الشيوعية، ارتكبت البيروسترويكا خطأها القاتل، فقد توهمت أن بالإمكان إعادة بناء الإشتراكية بتسوّل المال من الرأسمالية الغربية، وأن بالإمكان أنسنة الإمبريالية، ولكن هذه زادت ضراوة وشراسة وظلما وتوهمت أن بالإمكان أن يسود القانون الدولي الأمم المتحدة وها هي الإمبريالية تستولي على الأمم المتحدة، وتسخّر القانون الدولي لشريعتها ـ شريعة الغاب ـ .
والعبرة المستقاة من هذه التجارب المريرة، أن النظام الإجتماعي الإقتصادي، لا ينقل من تربة الى أخرى، بل هو وليد كل مجتمع حسب ظروفه، وأن تغيير علاقات الإنتاج لا يكفي لتغيير الإنسان.
قصور الفكر الرأسمالي الغربي وتخبطه: في الجهة الأخرى، كما تجاهل الفكر الماركسي، الأهمية الفاصلة والمحورية للواقع القومي للأمم، كذلك لم يقدم الفكر الغربي مفهوما اجتماعيا علميا للواقع القومي، لذلك داخ في دوامة الشوفينية والعنصرية وأحلام التوسع الأمبراطوري، ونظريات التفوق العرقي الهيغلية، والليبرالية المغرقة في فرديتها، وتوهم أن القومية والديمقراطية نقيضان، في حين علم سعاده أن الديمقراطية تتأسس على القومية، وبالتالي فالدولة القومية بطبيعتها دولة ديموقراطية، وإلا تراجعت الى الشكل الغربي المخادع المشوّه لأن الديموقراطية الحقيقة هي التي تشمل السياسة والإقتصاد والإجتماع.
إن منظري انتصار الرأسمالية الليبرالية، كبديل: لجأوا الى فلسفة هيغل، معتبرين أن نهاية التاريخ هي في هذا الفردوس الرأسمالي الليبرالي. ومن أبرز المنتظرين، فرانسيس فوكويوما، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، فقد تخبّط النظام الرأسمالي في تناقضات أشد سوءاً بما أظهره التفاوت الإقتصادي والعرقي في المجتمعات الرأسمالية، وبروز العنصرية الحادة في الولايات المتحدة، وعلى مستوى القارة الأوروبية فعادت الأحزاب الشيوعية الى المواجهة، وأدى طغيان القيم المادية وتفكك الروابط الأسرية الإجتماعية وشيوع الإستباحة الخلقية والمخدرات والجريمة المنظمة، في ظل بطالة متفاقمة، الى بروز عمليات إرهاب منظم في المدن الصناعية الكبرى، من طوكيو الى موسكو الى المدن الأميركية.
وأخطر ما يمثله النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، هو إنهاء الحرب الباردة بسقوط أحد قطبيها، وتفجير الحروب الساخنة التي تدار من قطب واحد مسيطر، بهدف نهب الخامات والثروات والموارد لدى الشعوب التي تئن من المجاعات وتراكم الديون، فكيف يكون هذا النظام بديلا عن الشيوعية؟ إن التبعية الإقتصادية للأمبريالية تجر الى المجاعات والمديونية والغزو العسكري المباشر، وإفلات جنون الأسعار، وفتح الأسواق للسلع الأجنبية، والسقوط في هوة لا قعر لها من الإضطراب الإجتماعي والإفلاس الإقتصادي.
سعاده ينقض نظرية هيغل: تقوم نظرية هيغل على تصنيف المجتمات الى مرتقية، ومتخلفة، على أساس أن اجتماعية الإنسان لها دوراتها المترابطة، التي حددها في أطوار أربعة، يمر بها الفرد في مجتمعه المثالي.
الطور الأول: ولاؤه للعائلة في الدرجة الأولى...
الطور الثاني: ولاؤه للقبيلة التي هي عائلته الكبيرة وعصبيته الدموية...
الطور الثالث: انسجام شعوره بشخصية العائلة وعصبيته القبلية الدموية مع ارتباطاته الإجتماعية الأخرى ضمن إطار ديني...
الطور الرابع: تيقظه لقيمه وإرادته الواعية لحقوقه ومصيره...
من هذه المبادئ الأربعة، نلا حظ أن هيغل انطلق في بناء فلسفته من الحالة المادية المتقدمة، التي كانت عليها ألمانيا في عصره، لذلك تولدت لديه نظرية التفوق العرقي الجرماني على الشعوب الأخرى. إن الخلل في بنائه الفلسفي، يكمن في الزاوية التي نظر من خلالها الى المجتمعات الأخرى، وفي المقاييس التي استخدمها في تصنيفاته، وأن تقدم أمته الألمانية ماديا وعلميا، في عصره، أدى الى أخذه بمبدأ المثالية، وعلى ضوء منطقه هذا، اقتنع بأن الحقّ المطلق متجسّد في إرادة المجتمع الألماني، دون الإلتفاف الى دراسة تاريخ الأمم الحضارية الأخرى، وإمكانات نهوضها، بالخروج من حالة التقهقهر والتردّي، إذا توافرت عندها، الشروط الموضوعية للنهوض والتقدم، وهو لم يفترض أن الكثير من هذه الأمم التي وضعها في قائمة التخلف, وصلت في عصور سابقة الى ذروة التقدم المادي والتفوق العلمي، وأن انتكاساتها، حالة طارئة، باختصار، نجد أن تطبيق فلسفة هيغل يقوم على ركيزتين:
الأولى: القول بالتفوق العرقي، خاصة العرق الجرماني...
الثانية: اعتقاده بأن مسؤولية الفيلسوف، هي تسجيل ووصف للتاريخ فقط.
أما سعاده، الفيلسوف القومي الإجتماعي، فقد نقض نظريات التفوق العرقي جملة وتفصيلاً، ووصفها بأنها نظريات وهمية، أثبت التاريخ وعلم الإجتماع بطلانها، وضرب أمثلة في كتابه العلمي "نشوء الأمم" بأن التفوق اليوناني في الفكر، كان في أثينا المختلطة الأعراق، لا في إسبرطة الفخورة بأنسابها، وأن سقوط ألمانيا في حربين عالميتين متتاليتين، دليل على سقوط أوهام التفوق والمثالية الهيغلية.
وقفة مع سعاده وفلسفته، تدل على إيمانه الذي لا يتزعزع، بأن مسؤولية الفيلسوف، هي أن يحيا التاريخ، وأن يوقظ قوى الوجدان في الإنسان، ليصنع تاريخه بنفسه.
أراد سعاده أن يحدث ثورة وجدانية، بأن يتعالى الإنسان عن الولاءات الجزئية، الى الولاء الإجتماعي الكلي المطلق، لأن الإنسان / المجتمع في فلسفة سعاده، هو المستوى المطلق للقيم الإنسانية، وليس إنسان العائلة أو القبيلة أو الدين، وبذلك نسف سعاده نظرية هيغل من أساسها.
كان سعاده ثائراً لا يقبل المهادنة مع القوى التي تعيق وحدة مجتمعه وتطوره، ولم يكتف بالتنظير، كما هو شأن هيغل فبعد أن وضع أسس فلسفته، قذف بنفسه في خضم العمل المنظم لإنقاذ وطنه وأمته من كل المفاسد الإجتماعية، وحرّك عناصر الإنقاذ، لتبدأ تمردها على الأمر المفعول، هذه العناصر المؤمنة بفلسفته وتعاليمه، جسّدها في حزب يقوم على تنفيذها بعقيدة راسخة، لا تقبل بما هو دون الإنتصار النهائي.
ولم يكتف سعاده بالإشارة الى أمراض مجتمعه من الناحية الأكاديمية كما فعل غيره، بل انطلق ثائراً على تلك الحالة الإجتماعية الرثة، لإيقاظ النفوس من غفلتها معتبراً أن ما يفعله، حق اجتماعي في الدرجة الأولى. لأن الحق كقيمة عليا، كما جاء في تعاليمه، هو انتصار على الباطل في معركة إنسانية اجتماعية، لا في الغيب، فكل عوامل التخلف والتجزئة الإستعمارية للوطن والإنقسامات الدينية والطائفية والمذهبية، لم تستطع أن تثنيه عن هدفه بل حفزته الى مباشرة عملية الإنقاذ، لإثبات مسؤولية مجتمعه الحضارية تجاه الإنسانية جمعاء، فكرس كل طاقاته العقلية والجسدية، لتحقيق انتصار القيم العليا المجتمعية في وطنه وفي نفوس أبناء أمته، وهذا هو خط الفكر السوري على مدى الأجيال، وسعاده كان أول فيلسوف وعالم اجتماع وباني عقيدة شاملة، ومؤسس حزب عقائدي، يقوده بنفسه، مناضلاً من أجل انتصار قضية أمته، مستشهداً في سبيلها، وهذه الحالة لم تتكرر في أي زعيم قبله أو بعده.
بعد أن استعرضنا نقد سعاده ونقضه للنظريتين المتصادمتين، المادية التاريخية، والفاشية الهيغلية، نعود الى النظرية البديل التي وضعها سعاده منذ سنة 1932، وظهرت الى العلن بعد انكشاف أمر الحزب سنة 1935، وتعرضه للملاحقة والإعتقال المتكرر من 1935- 1937، ثم عاد وشرحها في الندوة الثقافية التي عقدها في بيروت سنة 1948 في محاضراته العشر، بعد عودته من مغتربه القسري سنة 1947، وفيها شرح عقيدته الشاملة من المبادئ الأساسية، الى المبادئ الإصلاحية، ومن ضمنها "المدرحية" كنظرية في الإقتصاد القومي: قبل الدخول في تفاصيل الشأن الإقتصادي في العقيدة القومية الإجتماعية، كمبدأ من المبادئ الإصلاحية، لا بد من التنبه الى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن المبادئ الإصلاحية لا يمكن عزلها عن المبادئ الأساسية، لأن شرح المدرحية، له ما يعززه ويدعمه في الثوابت من أسس هذه العقيدة الشاملة.فإذا ما سألت أي قومي إجتماعي عن معنى عقيدته، أجاب باختصار، هي المدرحية، لأن الشأن الإقتصادي أساس الإجتماع البشري.
وضع سعاده نظريته الإقتصادية الإجتماعية، النابعة روحها ودعامتها تراث أمته، وتاريخها الثقافي السياسي القومي، ومبادئها وتكوينها المادي النفسي، وضمّن هذه المرتكزات في المبدأ السادس من مبادئه الأساسية النص: تستمد النهضة السورية القومية الإجتماعية، روحها من مبادئ الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي.
أي أن المدرحية متولدة من روح الأمة، شعورها بشخصيتها وحاجاتها المادية، وتمسكها بتراثها وإبداعات أجيالها عبر الحقب المتلاحقة من تاريخها الطويل، في كل العلوم والفنون والفلسفات، لمفكريها وحدهم أن يضعوا قواعد اقتصادها وأنظمته، طبقاً لمصالحها هي، لا تماشيا مع مصالح غيرها.
إن دراسة أنطون سعاده لتاريخ الهلال الخصيب، دراسة مستفيضة، واستيعابه لأحداثه وفهمه العميق لخطه الفكري الحضاري، هداه لاكتشاف حقائق مذهلة، أثبتتها علوم الأرخيولوجيا ودراسة الحضارات التي أجريت على الآثار المكتشفة في بلادنا، ففي أبحاثه المتواصلة عن إنجازات أمتنا، استخلص أن تطور الإنسان عبر مراحل وجوده على هذا الكوكب، واتساع نطاق إدراكه، قد تم في بيئتنا نحن هنا، فعلى هذه الأرض اكتشف إنساننا بتجاربه الطويلة، أن حياته واستقراره وتأمين استمرار أجياله عليها، مرتبط أشد الإرتباط بشرطين اثنين، أولهما علاقته العامودية الحميمة مع أرضه، وما تقدمه من إمكانات ومحرضات على التفاعل، واستجابته لتلك المحرضات وتحديد لعناصر الطبيعة وترويضها واستثمار خيراتها.
أما الشرط الثاني، فهو علاقته الأفقية مع مختلف عناصر الشعب التي تؤلف مجموع الأمة، مترجمة الى نشاطات ثقافية اقتصادية وتلاحم سياسي استراتيجي في حدود سيادة الدولة واحترام قوانينها وشرائعها، التي تمخضت عن ظهور مفهوم الواطنة ـ نظام الحقوق والواجبات ـ التي ضمنتها الشرائع لأول مرة في تاريخ الحضارات القديمة.
في هذا المختيبر الطبيعي الرحب، قام إنساننا بثوراته السلمية الأربع التي أحدثت نقلة كبرى في ارتقاء البشرية، فبثورته الزراعية اخترع المحراث، وفي ثورته الصناعية اخترع الدولاب، وفي ثورته الثقافية اخترع الأبجدية، فابتدأ التاريخ الجليّ ثم توّج لنشاطاته العقلية بوضع الشرائع، فتأمنت سيادة القانون، ومهدت لنشوء الدولة القومية التي حفظت حقوق الأفراد، ونظمت العلاقة بين المواطن والدولة، وعممت المعرفة بإنشاء المدارس، هذا ما أفصحت عنه أساطيرها وملاحمها وآدابها، وهذه هي روح الأمة التي وجد فيها أنطون سعاده، كل هذا الغنى الفكري، فصاغ من جوهرها قاعدة مكتملة لبناء نهضة شاملة.
المدرحية اشتقاق لغوي نحته سعاده من كلمتي مادة وروح لم يقل به أحد قبله، فهي مدرحية سعاده، التي أقام الشأن الإقتصادي فيها على أعمدة أربعة.
النص: ـ إلغاء الإقطاع، وتنظيم الإقتصاد القومي على أساس الإنتاج، وإنصاف العمل، وصيانة مصلحة الأمة والدولة، إذا أمعنا النظر في تسلسل فقرات هذا النص، نجد أن كل فقرة مرتبطة بالتي تسبقها والتي تليها، بحيث يختل توازن النظرية إذا أبدلنا مواقع الفقرات، وهنا تبرز قدرته الفائقة على امتلاك ناصية اللغة، وتمكنه من أسرارها وفلسفتها، إذ يستحيل تنظيم اقتصاد قومي، قبل إلغاء الإقطاع بكل أشكاله، ولا يمكن إنصاف العمل، قبل بناء المؤسسات الإنتاجية، وهكذا.
فالإقطاع، ليس إقطاعيات أرضية فقط، بل هناك إقطاعات دينية، وإقطاعات طائفية ومذهبية، وإقطاعات جهوية وغيرها، وأخطر ما فيها الإبقاء على جزء هام من ثروة الأمة، مهدوراً أو معطلاً، أو مسلوباً، يتحكم به المحتل، مبربرة كيفما تشاء لمصلحته هو بعد إلغاء الإقطاع ينظم الإقتصاد القومي على أساس الإنتاج، بحيث يشمل هذا التنظيم كافة المواطنين، لينخرطوا في خطط الإنتاج، فكراً وصناعةً وغلالاً، فالمواطن في المدرحية ليس رقما مجرداً، بل إمكانية إنسانية وطاقة إجتماعية لا تُحدّ.
لأن الإنتاج هو حصيلة تفاعل بين عقل الإنسان وممكنات بيئته الطبيعية، وهذا ما أسماه المؤرخ الشهير "توينبي" في نظريته التاريخية، "بالتحدّي والإستجاية". هذه الظاهرة الإنسانية العامة لصراع الإنسان مع البيئة، تخضع لحقيقة، أن الأرض مقسمة حسب تكوينها الجغرافي الى أقاليم وبيئات، لكل إقليم وبيئة، خصائص تميزها عن سواها، وهذه الخصائص هي التي تعيّن وجهة تقدّم الإنسان في بيئته، لسدّ حاجاته مداورة ـ أي مدنيته ـ فكما لا وجود للإنسان بدون أرض، كذلك الأرض بدون جماعة بشرية تحيا عليها، لا قيمة لها، قيمتها الكبرى في تحدّيها واستثمار إمكاناتها.
أما في مسألة إنصاف العمل، فسعاده لم يقل إنصاف صاحب العمل، أو إنصاف العامل، لأن فلسفة العمل تقوم على حدّين:
الحد الأول: هو الإنسان، العقل الذي يدير وينظم ويبذل الجهد، فهو إذن الحد الأول للمعادلة وانتظامها فهو روحها..
أما الحد الثاني: فهو رأس المال القيمة المادية في أي صورة كانت هنا تتضح الصورة تماما في معنى المدرحية "المادة التي يمكن تحويلها أو تشكيلها الى صورة أخرى، والروح التي تدير وتنظم وتنمي وإنصاف العمل يقتضي المساواة بين طرفي المعادلة في الإنتاج، وعدم طغيان طرف على آخر، فالإنصاف لغةً، يعني العدل بأجلى صوره، وإنصاف العامل يكون بأن تضمن له الدولة بتشريعاتها، حقه في كل المكتسبات العمالية من التنظيم النقابي، الى حقه في التمثيل في مجالس الإدارات، حتى حقه في جزء من الأرباح، وهذا يجعله شريكا في وسائل الإنتاج، وهذا ينقّي شعوره باللامسؤولية تجاه عمله، ويحفّزه الى ترقية إنتاجه كمّاً ونوعاً.
أما إنصاف الطرف الثاني رأس المال، فقد شدد سعاده على وجوب المحافظة على الرأسمال الوطني وسلامة اتجاهه، وأن على الدولة القومية، أن تدعمه وتحميه وتوجهه..
وصيانة مصلحة الأمة والدولة: رأى سعاده أنه لا بد من إطار عام يحفظ النظرية وبه تكتمل الغاية التي تسعى إليها المدرحية في تحقيق النهوض والتقدم على كافة المستويات، فمصلحة الأمة أن يكون إنتاجها العام ملكاً لها، لا ينازعها حقها فيه قوة أو إرادة أجنبية، من منطلق حقها في السيادة على وطنها بكل إمكاناته وثرواته، وهذا الإطار العام أساس من الثوابت في عقيدته الشاملة فقد جاء في المبدأ الأول، أن الوطن ملك عام للأمة، وهو مبدأ حقوقي في الدرجة الأولى. لا يجوز لأي فرد، أو جماعة، أو جيل بأكمله أن يتصرف بهذا الحق تصرفاً يلغي أو يمكن أن يلغي ملكية الأمة لوطنها وسيادتها على كل شبر فيه، فالأمة ليست أفراداً أو جماعات أو جيلاً من الشعب بل الشعب بتعاقب أجياله من الأزل والى الأبد.
ولما كانت الدولة هي المظهر الحقوقي السياسي للأمة، فإن واجبها أن تحمي مسيرة الأمة في خطها التصاعدي، ووجود دولة قوية يفرض هيبتها في معترك الأمم، ويتيح لها ممارسة سيادتها الكاملة في تحقيق إزدهار شعبها، غير متهاودة إطلاقا في تطبيق مبدأ السيادة القومية أمام الأطماع الأجنبية.
أخيرأً.. لا بد من القول أن مدرحية سعاده قد اقتحمت بوابة التاريخ منذ ثلاثة أرباع القرن، وما زالت تتأهب لدخول مختبرات التطبيق، وليس في ذلك ما يضيرها، فقد ظلت الشيوعية حبيسة الدراسات والمناظرات والمناقشات منذ أن كتب ماركس بيانه الشيوعي سنة 1848 الى أن قُيّض لها أن تظهر على مسرح التاريخ بعد استيلاء لينين على السلطة في روسيا أكتوبر1917.
المراجع:
1 - سعاده، نشوء الأمم
2- سعاده، المحاضرات العشر.
|