زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
زاوية القراء
مساهمات
أسئلة وأجوبة
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
صحافة
وثائق
مقابلات
مختارات
FOREIGN RELEASES
ARTICLES
STUDIES
شؤون إجتماعية
البقاء للأمة
فرص عمل
نقابات وجمعيات
بيئة وصحة
البيئة
الصحة
الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
ثقافة
دراسات وأبحاث
شعر وأدب
مساحة رأي
المكتبة القومية
إصدارات
فنون جميلة
أخبار ثقافية
الإغتراب
أنشطة
تربية وشباب
رياضة
جامعات
مخيمات
هنيبعل عطية الكاتب الشهيد: دمٌ على خافق الحبر طباعة ارسال لصديق
الاثنين, 13 آب 2007

nahda.jpg

 

أقامت عمدة الثقافة والفنون الجميلة في الحزب السوري القومي الإجتماعي في 14 تموز 2004 في قاعة النهضة-بيروت ندوة تكريمية للكاتب القومي الشهيد هنيبعل عطية الذي قُُتل غدراً على يد حفنة من المجرمين، وقد كانت الندوة مناسبة لإعلان صدور كتابه " كلمة وتشتعل الحرائق"، وهو عبارة عن أهم ما كتبه الكاتب الشهيد من مرحلة 1976 حتى 1981، إضافة إلى محطات بارزة في تاريخ الأمّة أضاء الشهيد هنيبعل عطية عليها بقلمه وريشته.

 

الندوة تكلم فيها الصحافي والأديب الأمين يحي جابر الرئيس السابق للمجلس الأعلى في الحزب والباحث الرفيق جان دايه، وشقيق الشهيد الأستاذ وليم عطية. وقد قدّم للندوة الأديب الأمين إبراهيم الزين.

 

وهنا نص الكلمات للمحاضرين:

 

                         

 

*قلبه يخفق بين أضلعك بقلم الأمين يحيي جابر

 

سألني الرفيق نعيم تلحوق إذا كنت أتذكر هانيبعل عطية؟!. ومن غير أن أدري شعرت للتوّ أنه في مواجهتي.. ذلك النحيل على طول، الأشقر على شعرٍ أجعد قليلاً، صاحب الصوت العريض على بحةٍ غير جلية..

 

ذات يوم من أيام 1976، وبيروت وسائر لبنان، على ما كانا عليه من فوضى وإضطراب وإنعدام مرجعية موحدة فرضتها ظروف وطبيعة الحرب الداخلية، جاءني إلى " صباح الخير" وبيده اليسرى وريقات مطوية متحررات من قوة قبضته.. ما عدت أذكر تماماً، ما كانت تحيته لي.. ونحن لم نلتقِ قبلاً:

ـ " أنا هانيبعل عطية..."؟!

 

ما عدت أذكر، أيضاً إذا كنت دعوته للجلوس.. كل ما أذكره أنه بقي واقفاً أمامي على حياء مكشوف وناولني ما كانت تحمله يسراه.. وسكت ينتظر..

تفرست به طويلاً قبل أن أفتح الوريقات الثلاث وأقرأها..

 

كان خطه جميلاً واضحاً متناسقاً، الكلمة بجوار الكلمة. كل كلمة سند لجارتها تشدّ إزرها وتكمل معناها.. واضح أنه لم يكن محترف طباعة صحافية، الصحافيون المحترفون كالأطباء. تحتاج إلى منجّم يفك كلماتهم..

 

مع الأسطر الأولى إنتابني شعور غامض، بل مشكك، هذا الكلام قد لا يكون لهذا الرجل.. هاني بعل.. هل هو إسم مستعار يختبىء وراءه، كما كثيرون يختبئون وراء الأسماء الكبيرة؟ هذا الأسلوب قد لا يكون لهذا الرجل الذي قسمات وجهه الحادّة وإنتصاب قامته وإرتفاع جبينه لا يشجع على الإعتقاد بأنه يحمل في ثناياه هذا الكّم الهائل من الوجدان الحار في الكلمة المكتوبة.. ومضيت أقرأ وأعيد ثانية وثالثة من غير أن ألتفت إليه.. ومن غير أن تصدر عنه أية إشارة.

 

لا أغالي إذا قلت أن الفرح الداخلي إنسلّ من بين أضلعي إلى عينيّ ووجهي.. شعرت أنه يتكلم بإسمي ونيابة عني ويمتلك الجرأة لأن يبوح بما لا أجرؤ على البوح به والإعتراف.. ولكم كانت عباراته أنيقة مفعمة بالرقة والوجدان. ما أطيبها تلك الدقائق وما أغلاها؟!

 

وفجأة وجدتني أضع كفي على خاصرتي. لست أدري ما الذي جعلني أشعر بدمي ينزف..؟!

 

لم أقل له شكراً.." سيسرتها" وناديت " لويس": " أرسل هذه إلى المطبعة" وقررت أن يكون هانيبعل" الضيف الدائم على الصفحة الأخيرة، التي خصصتها لتكون إستراحة ومحّط رحال لكل طارق خفيف الظل..

 

ـ " أنا حاضر.. شكراً لك" ...وإنتهى اللقاء..

 

قبل أن يستدير لمحت في عينيه بريقاً جميلاً.. هو في منزلة بين منزلتي السعادة والرضى.. والبكاء السعيد الرضي.. وإنسلّ من أمامي كطيف.. على وعد اللقاء الأربعاء المقبل. وهكذا كان. الوحيد الملتزم بالوقت..

 

كنت في ذلك الزمان " مغرماً" بإحدى الرفيقات.. وكانت على نبل وكياسة فريدين. تعشق الكلمة وتقدرها حق قدرها. العقل عندها في المرتبة العليا مع الوجدان والعاطفة.. ورجوتها أن تقرأ "إستراحة" الأسبوع المقبل حيث حطّ ضيف جديد "..وأرجوكِ، أريد رأيكِ."

 

دعوني أصارحكم أني أحسست بشيء من " الغيرة".. زادها أن الرفيقة كانت أول المتصلين فرحة بإستراحة " هاني بعل" على شك منها أن يكون كاتب " الكلمات الرقيقة" هو " أنا". فلم أجزم بالنفي جزماً يقطع الشك باليقين.

 

كم كنت أتمنى لو كنت أنا هو في ذلك الموقف.. المحبون تغرورق عيونهم دمعاً ملتهباً إذا تناغمت دقات قلوبهم مع نبضات الكلمات الحيّة..

 

تلك كانت الطلّة الأولى مع هانيبعل عطية.. ولكم كان جميلاً أن أشعر أن الله أحسّ بهاني بعل يوم ولدّ الحياة على الأرض وأعطاه الكثير من أسرار الحب واللطافة ورقة الحديث وخفة الظل..

 

بعد ذلك، فإن كنتَ من أبناء الله الذين أودعهم نعمة الإنسانية، فسيّان إن كنتَ أنت الكاتب بدمع عينيك ونبضات قلبك ونور عقلك ودم الطهر في شرايينك أم " هاني بعل".. فإنك لن تجرؤ على أن تتنصل منها أو تتهرب، بل لن تجرؤ إلاّ على إدمانها والإلتزام بها. فتعشقها ما عشقت. وتتبناها ما حييت وتفرد لها مساحات أضلعك وحناياك..

 

يوماً بعد يوم أخذت رجله إلى " المجلة". وصار أقل خجلاً وأكثر إنفتاحاً. كنت أحسبه رساماً بيني وبينه عشق اللون كما عشق القضية التي آمنا بها ونعمل لها. أو موسيقاراً.. ولكم كانت مفاجأة أن أخبرني أنه يعمل " مراقباً جوياً" في مطار بيروت.. نعم!! مراقباً جوياً في المطار.

 

ـ " أو تتحمل روحك هذه المسؤولية؟!" قلت له.

 

ردّ بإبتسامة.. ثم تحركت حنجرته البارزة قبل أن أبدأ سماع كلماته.. قال: " إنها مسؤولية؟!.. نحن أبناء النهضة نعشق تحمل المسؤولية، رواحاً ومجيئاً.."، ثم صمت رافعاً بحاجبيه إلى الأعلى وقال : " لا أكتمك، أن قلبي لا يهدأ.. أحس أنه يخرج من صدري خلال العمليات.. أرواح الناس بين أيدينا أمانة.. ولا تحسب أنني إعتدت على التعامل البارد مع هبوط الطائرات وإقلاعها.. الأيام تزيدك مسؤولية.. كل عملية أحس معها أنني إبتدأت بها..."

 

أخذ نفساً عميقاً. وإستراح قليلاً ثم قال:" آه.. كم هي جميلة تلك اللحظات عندما تحط الطائرة وتفتح الأبواب ويبدأوا بالنزول سالمين.."

 

هكذا تشعر بقلبه يخفق بين أضلعك أنت.. وتلك ميزة يستطيع هو أن يبررها ولا تجد عندك تبريراً.

 

لست أدري إن كان أحد يصدق، أن هذا الفارس المتيّم بسحر الكلمة كان "راهباً".. نعم " راهباً"...

 

كل كتاباته.. كل نبضات العشق فيها كانت إلى " الحبيبة" : إلى الأمّة، إلى فلسطين، إلى القدس، إلى كل حبة تراب هناك وهنا، إلى بلاد الرافدين، إلى دمشق فبيروت التي زرعها دم قلبه وأودعها عشقه وسرّه، على أنها عاصمة " الكلمة" و " الحرية" و " القانون"، بيروت " نبض الشارع العربي وخلجاته" التي يراد لها أن تنتهي اليوم بمأتم تخمة البارات وملاهي العربدة الليلية والمافيات المتجلببة ألف جلباب وجلباب من " الفضيلة المزعومة"، فوق جثامين الشهداء والصدّيقين والأبرار، فوق جثامين النهضة الثقافية والفنية، فوق جثامين مسارحها وأنديتها التي عرفت على مدى أعمار.

 

ومع ذلك مضى هانيبعل على غير ما كان وكنا نتوقع.. رصاصات جبانة نالت منه، وذلك الذي لا ينتهي برصاصة.

 

سيّان. أياً يكن القاتل. فالقاتل لا هوية له إلاّ أنه قاتل.. القتلة يتجرأون على كل شيء. على الكلمة وعلى الموقف وعلى الفعل. إليكم التاريخ منذ قصة قايين وهابيل إلى الذي نحيي مئويته هذه الأيام، إلى المعلم الشهيد سعاده.. القتل سلاح العاجز. نعم.

 

بعد ذلك:

 

ـ من قتل هانيبعل عطية، لماذا قتلوه، مَن المستفيد من قتله، ما مصير التحقيقات، إن وُجد تحقيق، ما ثمن قتله؟ كل تلك الأسئلة ستبقى من غير أجوبة مقنعة، بل أكاد أقول من غير أجوبة..

 

في بلد، يُقتل فيه صاحب كلمة حق ولا تهتز أركانه، في بلد تُقتل فيه الكلمة على يد البرابرة ولا يقيم قضاؤه الأرض ولا يقعدها هو بلد مشكوك في جدوى عدالته. وهذا أمر مرعب.

 

كل ما نرجوه أن لا يكون ذلك المسمى " عفواً عاماً" عن جرائم الحرب، قد تسلل إلينا ونزع الثقة من نفوسنا بأننا شعب قادر على إستنباط كل أسباب الحياة الحرّة رغم أنف القتلة وما أكثرهم.. شعب قادر على أن لا ينسى. ويعرف كيف لا ينسى وكيف يتذكر. ويعرف فوق هذا وذاك كيف يعيد الحياة إلى شهدائه وعظمائه.

 

لم أذرف دمعة واحدة على " هانيبعل" عندما بلغني نبأ سقوطه.. ويقيناً أنه لم يجارني في ذلك. وهو قبل أن يطبق جفونه على صورة المثال الذي عاش لأجله وكتب ومضى، ترك لنا في قرص الشمس وديعة هي بعض من لآلئه الدرية التي كان خبأها طوال حياته خلف جفون عينيه.

 

بعد حين أبلغني الصدى أن هذا " الهانيبعل" رسم بكفه المدمم على تراب العطف صورة نسر هوى يردّد مع الناصري:" أغفر لهم يا أبتاه، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون".

 

عفوك أيها " البعل" " الهانىء" في نومك إلى يوم يُبعثون.. حيث الحساب عسيراً يكون..

 

وشكراً للذين أيقظوك في ذاكرتنا وقلوبنا وعلى أشفار أقلامنا.

 

أوَ بعد ذلك يسأل " نعيم" إن كنت أتذكر؟!

 

 

**هنيبعل المتعدد المواهب بقلم الرفيق جان دايه

 

كنت منفذ عام المتن الشمالي في العام 1967 حين سمعت ناظر الإذاعة هنيبعل عطية يشرح في حلقات إذاعية مفهوم سعاده للأمّة والقومية والمدرحية والسياسة والمرأة والحب والزواج. كان متدفقاً كالسيل عبر وحدة طبيعية بين عقله ولسانه. لا تلعثم. لا ركاكة. ولا مجال لسامعيه من أخذ نفس أو طرح سؤال. كأنه محاضر كلاسيكي في الجامعة اليسوعية أيام زمان. وإذا أضفت قامته المديدة وأناقته وشبوبيته ونبرة الصدق في صوته، إلى طلاقته وعمق آرائه وغنى معلوماته، والشبه الكبير بين وجهه وعينيه وشعر رأسه، وبين شعر رأس سميّه القائد القرطاجي الشهير وعينيه ووجهه، أدركت سرّ تعلق الحضور به. صحيح أن العمل الإذاعي الناجح هو أن يحاور المذيع سامعيه لا أن يحاضر فيهم. ولكن ثمة إستثناء لكل قاعدة. وهنيبعل هو النموذج للإستثناء. هو مذيع ناجح مع أنه محاضر لا محاور.

 

كان المذيع الشهير متقيداً بمنهج سعاده في شرح المبادىء الأساسية والإصلاحية. لم يكن مقتنعاً بالإجتهادات العقائدية ـ السياسية التي سجّلها بعض مفكري الحزب وقادته على صفحات ملحق " النهار". كان يشرح عروبة الحركة القومية الإجتماعية على أساس إقامة جبهة عربية تكون الأمّة السورية فيها ركناً وقائداً. وهذا يقتضي أن تتحد سورية وتنهض، قبل أن تنخرط في الجبهة العتيدة. كذلك، لم يرَ لزوماً إطلاق صفة الإشتراكية على مبدأ سعاده في الإقتصاد، أو إطلاق لقب اليسارية على العقيدة. طبعاً هذا لا يعني أنه كان متزمتاً أو متحجراً في فهمه العقيدة وممارسته لها. وكان هنيبعل المذيع متقيداً أيضاً ـ وجداً ـ بمفهوم سعاده للحب والزواج. وكان هذا الموضوع عزيزاً على قلبه، بدليل خوضه فيه خلال العديد من الحلقات الإذاعية. فالعلاقة بالحبيبة أو الزوجة هي وحدة نفسين قبل أن تكون إتحاد جسدين. لذلك إنتقد بحدّة جماهير الذكور وبخاصة المثقفين الثوريين واليساريين الذين لا يرون في المرأة إلاّ الجنس.

 

وكان هنيبعل يخرج من معظم الحلقات الإذاعية راضياً مرتاحاً وشاعراً بالإعتزاز، ليس فقط، لأنه شرح سعاده بموضوعية وأمانة وبلاغة، بل أيضاً لأن المتلقي كان صاغياً ومستوعباً وموافقاً. ولكن لكل قاعدة شذوذها. وعلى سبيل المثال، فقد كان يدير حلقة إذاعية في بيت الطلبة، حين طرح عليه أحد الحاضرين سؤالاً حول إجتهاد عقائدي فلسفي ورد في كتاب " المجتمع والإنسان" للدكتور عادل ضاهر. وفيما هو ينتقد إجتهاد ضاهر على ضوء نهج سعاده، دخل عميد الثقافة وطلب من هنيبعل أن يفسح له في مجال ترؤس الحلقة، ثم ابدى موافقته لراي ضاهر ورفضه لراي هنيبعل، مما دفع الأخير للغنسحاب غاضباً. وسرعان ما زارني كعادته، وسألني عن رأيي بتصرف العميد. ولما قلت له بأني أقسم الموضوع إلى إثنين: دستوري وفكري، بالنسبة للقسم الأول أرفض تصرفه لأنه مناف للدستور، وبالنسبة للثاني، أحتاج إلى مراجعة ما كتبه ضاهر وما قاله العميد، قبل إصدار الحكم. فغضب مني، وأوشك أن يضعني معه في سلة واحدة.

 

أصل إلى موهبة هنيبعل الخطابية. كان متميّزاً في نهجه الخطابي عن سائر خطباء الحزب أمثال عبد الله سعاده وإنعام رعد وعبد الله قبرصي. كانت عبارته أدبية حتى لو كان المضمون سياسياً أو عقائدياً. وكان يلقي من غير إنفعال طوال خطبته. ولكن تموجات صوته وقامته الفارعة وعدم تلعثمه، فضلاً عن التناغم بين جمال عبارته ومضمونها الفكري، وفّرت له النجاح في وقفاته الخطابية. وقد ساهم في نجاحه قدرته على الإرتجال الظاهري. وأقول ( الظاهري) لأن الخطيب كان يكتب خطابه ويحفظه عن ظهر قلب، ثم يلقيه وكأنه يرتجله في لحظات الإلقاء, وهذا الأمر إكتشفته حين عثرت بين أوراقه على مسودّة أحد خطبه. وبالطبع، يعتبر ذلك لصالحه، ولا ينقص من قيمة خطابه لأنه يقيه الشطط، ويجنّبه التلفظ بأية كلمة أو عبارة إنفعالية قد تكون وليدة حماس الجمهور وتصفيقهم الحادّ.

 

توزعت خطب هنيبعل على الإحتفالات الحزبية الثلاث ( الأول من آذار، الثامن من تموز، والسادس عشر من تشرين)، وتأبين الشهداء، إضافة إلى وقفات خطابية قليلة في مواسم إنتخابية. أذكر جيداً كيف ألقى هنيبعل خطاباً من على شرفة أحد المنازل بين جل الديب والزلقا، تأييداً للائحة الإنتخابية التي كان الحزب داعماً لها. ولم يكن الخطيب الوحيد في ذلك المهرجان. فقد خطب فيه عدد من المنافقين والمفاتيح الإنتخابية والزجالين. لذلك، كان حضوره غريباً وطريفاً وهو يطلب من الناس تأييد مجموعة من محترفي السياسة وهو الخطيب الصادق الطاهر والكاره للإنتخابات اللبنانية بمرشحيها وخزعبلاتها! ومن المؤكد أنه لم يكن سعيداً في موقفه الخطابي ذاك، بعكس سعادته حين يخطب في عرس شهيد. ولكن هنيبعل كان عضواً ومسؤولاً منضبطاً. وما دام أعلى مسؤول حزبي قد دعاه إلى إلقاء خطاب في مهرجان اللائحة التي أيّدها الحزب، فهو لبّى الدعوة كما يفعل الجندي حين يتلقى الأمر.

 

وبالمقابل، كان هنيبعل يخطب في الإحتفالات الخاصة بالشهداء بكل إندفاع ذاتي، وكدت أقول من غير أن يتلقى دعوة من أهل الشهيد أو رفقائه. ولكثرة ما خطب في الشهداء سُميّ " خطيب الشهداء". من هنا سرّ توسّل تلك السيدة له بإلقاء كلمة في الحفل الذي يقيمه طلاب جامعة ال L.A.U  لإبنها الشهيد. كان هنيبعل متألقاً في تمجيده للشهيد. ومن المؤكد أنه لم يسأل أين إستشهد المحتفى به وكيف. إذ يكفي أن أم الشهيد قد توسلت إليه كي يبلسم جرحها بكلماته وعباراته الجميلة المتناسقة والجامعة بين العقل والوجدان. فلو سأل الخطيب عن كيفية الإستشهاد لتلقى جواباً مؤلماً وهو أن الموت قد نجم عن خناقة قبضايات وليس معركة من أجل قضية. ولكن كيف له أن يسأل، و"الشهيد " رفيق، والأم تتوسل إليه، وهو الذي يكنّ عاطفة عميقة لأمه.

 

وثمة سؤال " بريء": كيف لم يتسلّم هنيبعل مسؤولية حزبية رفيعة في الوقت الذي كانت الموهبة الخطابية الشرط الرئيسي لتولي المسؤوليات؟

 

ولنقلب الصفحة على الموهبة الثالثة التي تفجرت عبر مئات المقالات التي نشرها في صحف الحزب وبعض الصحف البيروتية وبخاصة " الشمس"، ولم ينسَ أن يزيّن معظمها برسوم جميلة ومناسبة، والتي هي ثمرة موهبته الرابعة. وحيث أن الكتاب العتيد يحتضن باقة كبيرة من مقالاته، فإني أكتفي بقصيدتين نثريتين حيث ناقش في الأولى شاعر الشجرة والمقاومة والنهضة محمد يوسف حمود، وأهدى الثانية إلى صاحب المئوية سعاده قبل ثلث قرن.

 

نشر حمود في مجلة " المواسم" في أواسط الستينات من القرن الماضي فصلاً من مذكراته، أبدى فيه يأسه من الحزب، وأعلن إحجامه عن القيام بأي نشاط حتى لو كان في نطاق الأدب. وتحت عنوان " قريباً من الشمس" ردّ هنيبعل على حمود بقصيدة نثرية قال في مستهلّها:

 

 " كنت أقرأ كلماتك..

 قسمات وجهك..

 فتخضل عيناي بالدموع.

أنت والغربة صديقان،

 من زمن بعيد.

 ولكن غربتك الأولى تهون

 أمام غربتك الثانية،

 ومنفاك الأخير".

 

 وحيث أن الفارق كبير بين الغربتين بمعنى أن الأولى تفجّر شعر حمود النهضوي، في حين ينتصب جدار برليني في الثانية بين الشاعر وإيمانه. أضاف هنيبعل:

 

" بالأمس،

 كنت تكتب الأشعار

على الشجر والحجر

فما بالك اليوم

تكتب على صفحات الماء

أناشيد بحار قديم

تحطّم زورقه

وتاه في البحار؟"

 

هل يئس هنيبعل من بعث الأمل في قلب حمود اليائس وكيانه المحاط بالغربة؟ أبداً. فالثائر لا ييأس. والأمل يتضاعف كلما إزدادت العتمة:

 

"هذه حكايتنا

 كلها أمواج صغيرة

وأمواج كبيرة

في بحر صاخب

ولكن يا شاعري

لا خوف علينا

فالموجة مهما كانت صغيرة

لا تغرق."

 

وتحت العنوان الدائم " قوس قزح" خاطب هنيبعل سعاده عبر الصفحة الثقافية في جريدة " الشمس" التي تولى تحريرها بلا مقابل، فقال:

" يا معلمي

وأنت تنشر جناحك الحنون

على ليلنا الطويل

يختلج الوعي على شفاه الشمس

وتغتسل كل الظلمات بشعاع واحد

عجباً لك

تداوي جراحنا

فبالله عليك

كيف ينبع البلسم من الجراح؟

وكيف يرشح ماء الوجه في الحجر؟

من دمك الطاهر

صنعت لنا عجينة فريدة

تحتها

يختمر الربيع!"

 

تبقى الموهبة الكبرى. صحيح أن هنيبعل قد تمتّع بموهبة الإذاعة وموهبة الخطابة، وموهبة الكتابة، وموهبة الرسم. ولكن موهبة المواهب لديه هي الأخلاق والمناقب. من المؤكد أن هنيبعل كان أخلاقياً بفعل إستعداده الفطري ونتيجة تربيته البيتية قبل إنتمائه إلى الحزب. ومن المرجح أن تتويج سعاده المحاضرات العشر بمبدأ الأخلاق والمناقب وتشديده على إعتناق هذا المبدأ وممارسته، كانا من العوامل التي دفعت بهنيبعل إلى الإلتزام بالعقيدة والمؤسسة الحزبية. بالطبع، هذا لا ينفي أن العقيدة والحزب قد صقلا تلك الفضيلة في نفسه وعقله، وجعلا إطار ممارستها أكثر إتساعاً، وعمّقاها بحيث بات سلوكه اليومي فعلاً أخلاقياً مناقبياً. فلولا سعاده، لما كان هنيبعل مرفوضاً في الشرقية لإيمانه العقائدي، ومرفوضاً في الغربية لإيمانه الديني. ولولا المبدأ الأساسي التاسع* المتمحور على الأخلاق والمناقب، لأحنى هنيبعل رأسه أمام العاصفة، ولما أصرّ على رفع راية سعاده العلمانية وسط الرايات الطائفية، وقد دفع حياته ثمناً لذلك.

 

* أطلقت عليه، تجاوزاً، المبدأ الأساسي التاسع، لأن المبادىء الأساسية ثمانية.

 

               

 

***يزرع فتات قلبه على الورق بقلم الأستاذ وليم بشارة عطية

 


سأحدثكم قليلاً عن حبيب العمر الذي لا ينتسى.. أخي الشهيد هنيبعل عطيّة.

 

ولد أخي في أحضان الربيع لآذار 36 وفارق الدنيا في عز الربيع نيسان 81. إنه توأم الربيع المتجدد الحيوية.. لذا فذكراه لا تخبؤ لأنها دائمة الإخضرار. حمل إسم البطل القومي الصوري الكبير هنيبعل فأتعبه هذا الإسم في حياته. وهب نفسه ووقته للآخرين وخاصة لنصرة قضيته القومية حتى أنه لم يتسنّ له الوقت الكافي ليتزوج وينجب بنيناً تقرّ عينه بهم. بذل ذاته حتى الرمق الأخير قرباناً على مذبح معتقداته ومبادئه من حق وخير وجمال.. وهل هناك أغلى من الحياة؟

 

تعرّف على الحزب ونهضته وفلسفته وهو في ريعان الشباب من زملائه في الدراسة. نذر كل كيانه للتبشير به والتكلم عنه بإيمان وثقة وحماس أينما وجد. كان متعدد المواهب الأدبية والفكرية والفنية. فهو الكاتب الصحافي، والناقد الفنّي والمسرحي الهاوي، والشاعر الملهم، والرسام القدير، والخطّاط الماهر. كما كان خطيب الحزب المفدّه على سدّة المنابر في المناسبات الرئيسية.

 

كل من عرفه وتذكره يشهد أن كان من خيرة الأوادم نظراً لتربيته الحسنة في البيت رغم فقدانه باكراً جداً والديه. كان إنسانياً مرهف الإحساس، شهماً نزيهاً، عزيز النفس، سخي اليد، كريم الأصل، طيب القلب.. وهكذا يكافأ الطيبون في هذا البلد الغريب العجيب! وا لهفي على أمة تقتل رعيانها، وتغتال أنبياءها وتطلق الرصاص على مصلحيها.

 

كان الشهيد الغالي يزرع فتات قلبه على الورق فينبت في قلوب الناس ويهب عصارة فكره ونور عينيه فيؤثر في عقولهم. مع ذلك كان جزاؤه الإغتيال السياسي الدنيء الجبان، بينما حظي غيره بالجاه والمال والسلطة، أثناء الحرب اللبنانية القذرة، بالرغم من أن أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء، وعقولهم ملوثة وقلوبهم عفنة. لا أريد أن أرثي أحب الإخوان وأنبلهم وأتحسّر على شبابه الذاوي باكراً، بل أرثي حال الجهلة الذين أردوه ومن وراءهم من السفلة، أشباه الرجال ولا رجال..

 

أمضى الشهيد طفولته قرب البحر الذي عشقه في ميناء طرابلس إذ كان فقش الموج يلثم أقدام بيته، وإنطفأت شمعة عمره على شاطىء الرملة البيضاء في بيروت، حيث غار دمه الذكي البريء في تربتها الجافة، فسقى كثبانها الحارة.. فإنتعشت.

 

ها هو الآن يرقد معانقاً التراب في مقبرة مار الياس بطيّنا، جارة البحر الذي أحب، حيث تتناهى إلى سمعه همسات الأمواج، وتلفح وجهه نسمات الشاطىء، فيتروحن.

 

تعزّى يا أخي.. لأنك قضيت وأنت صافي الضمير مثقل بأعمال الخير. أراك اليوم مستريحاً في مثواك الأخير، بعيداً عن ضجيج ومشاكل هذا العالم المعقّد. فنم قرير العين لأنك كنت:" زهرة مسحوقة وليس قدماً ساحقة".

 

اليوم وفي ذكرى رحيلك المفجع " يا زين الشباب الذي لم يمتع بالشباب" أعود بمخيلتي يوم أتيت أزورك مع عائلتي الصغيرة في شقتك المتواضعة في منطقة الروشة، قبل الحادث الأليم بشهرين. وأنا أودعك غمرتني بقوة وقبلتني بحرارة بشكل لم أعهده فيك وكأنه الوداع الأخير. رجوتني آنذاك أن لا أعود لزيارتك ثانية وكأن حاستك السادسة أنبأتك أن حياتك في خطر فلم يطاوعك قلبك الحاني أن تعرضني مع عائلتي لهذا الخطر الداهم. ومنذ ذلك الحين.. عزّ اللقاء وزاد الحنين على مر السنين.

 

كنت أيها الأخ البار أعزّ الإخوان وأقربهم لشقيقتك الوحيدة التي لم تغب عن بالها حتى اليوم.. ولأشقائك الذين خلّفت في أحشائهم حرقة، وفي قلوبهم غصّة، وبينهم من كان يعّزك معزة خاصة هو أخوك عبد الله الذي أصابه مرض عضال وقبل أن يفارق هذه الفانية، منذ حوالي السنتين رجاني أن أهتم بإصدار هذا الكتاب وأن أريه إياه قبل موته، ولكن القدر لم يحقق، وللأسف الشديد، أمنيته الغالية.

 

لقد ملأت زمانك يا أخي، من عطاءاتك، فحبة حنطة من هنا، وحبة الماس من هناك، وقطرة دم من شمم وأقمار ورد. كنت في حياتك القصيرة صائد المرجان في بلد الزمان.. لقد غبت عن عيوننا، لتولد في قلوبنا. أنا على يقين أن بعض الأرواح كروحك الطاهرة جميلة ونادرة إلى حد يصعب إستبعادها طويلاً من الجنة.

 

" أدمعُ العين ملء عين الزمان               لرحيلك يا أخي قبل الأوان."

 

بإسمي، وبإسم عائلتي، ونيابة عن أختي وأخي وعائلاتهما، وعائلة المرحوم أخي عبد الله، أتقدم بجزيل الشكر من رئاسة الحزب السوري القومي الإجتماعي آنذاك سنة 1981، الذين إهتموا بجنازة أخي المهيبة التي جابت شوارع منطقة الحمراء، وكأنهم عائلته الخاصة، يوم عزّ وجود الأهل. كما أطلقوا على دورة فريق من الأشبال القوميين إسمه تيمناً به، وأقاموا له إحتفالاً تأبينياً.. وهكذا تكون الأحزاب التي تحترم نفسها ورجالها. أجدد شكري اليوم للرئاسة الحالية لكونهم أتاحوا لي التكلم عن أخي في ذكراه الخالدة، في هذه الندوة بمناسبة صدور كتابه، ولو متأخراً، بعدما تعذّر علي رئاءه بإسم عائلته، حين إستشهاده، نظراً للظروف الأمنية القاهرة آنذاك.

 

أخص بالشكر، وكيل عميد الثقافة الصديق نعيم تلحوق، الأديب والصحافي الذي تكرّم بإستقبالي لدى زياراتي المتكررة له، والذي ساهم في إصدار هذا الكتاب وإقامة هذه الندوة التكريمية لأخي وعائلته.

 

أتوجه بالتقدير الخاص لرفقاء أخي السادة: عبوده أبو جوده، ربيع الدبس وشبلي بدر، الذين عرفوه جيداً فأحبوه، وساروا معه على نفس الدرب الشاق، وتكفلوا سوية وبدون أي منّة بتجميع مواد هذا الكتاب وبالتالي طبعه، فألف عافية لهم.

 

أطيب الشكر للسيد يحي جابر، الرئيس السلبق للمجلس الأعلى، على كلمته القيّمة في ذكرى رفيقه القديم هنيبعل.

 

كما لن أنسى الأستاذ العزيز جان دايه المفكر والباحث وكيف أنساه وهو رفيق درب أخي المقرّب الذي واكبه في مسيرته الحزبية الطويلة. لقد إهتم بجمع كل ما كتبه في الصحف والمجلات، وكل ما قاله في الخطب والمناسبات، وبعد أن نسقها سلمها للمسؤولين الثقافيين في الحزب وبذلك مهّد أخيراً لطباعة هذا الكتاب الذكرى. له مني عميق الإمتنان على مر الزمان.

 

أما خالص عرفاني بالجميل فيرجع لرجل الأعمال العصامي الصديق مسعد حجل الرئيس السابق للحزب الذي له الفضل الأكبر في تمويل طباعة هذا الكتاب متذكراً به رفيقه في النضال ويده اليمنى عمدة الإذاعة آنذاك أخي الشهيد هنيبعل الذي كان يكّن له مودة خاصة.

 

في ختام حديث العشيّة: لن اقول لك وداعاً يا أخي، لأنك جزء حميم من حياتي الباقية، بل أنني أتحدّى بك الموت الذي رغم قوته وجبروته وكبريائه، لا ولن يستطيع أن يستأثر بروح حلوة عذبة كروحك، لأنها توزعت بأرواح كل الناس، كالطيب في الزهر والعطر في الورد.

 

بيروت في 14 تموز 2004

 
< السابق   التالى >