عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

دور المغترب في معركة المصير القومي- الأمين د. ادمون ملحم طباعة ارسال لصديق
الخميس, 21 شباط 2008
nahda.jpg  

لتحديد دور المغترب وواجباته في معركة المصير القومي ارى انه من الضروري ان نتحدث في البداية عن هذه المعركة المصيرية وجبهاتها، عن أسبابها التاريخية وجولاتها، وعن أطرافها والمعنيين بنتائجها. فمن خلال مراجعتنا لهذه الامور بصورة ملخصة تتضح لنا طبيعة المعركة وأهميتها ويمكننا عندئذ ان نحدد بكل سهولة دور المغترب وواجباته والأعمال التي يجب على المغتربين ان يقيموا بها.                                         

 

أولاً - معركة المصير القومي:

ان الطرفين الأساسيين المعنيين في معركة المصير القومي هما شعبنا السوري وعدونا الصهيوني المتجسد بدولة "اسرائيل". إن الطرف الثاني يبغي، دون تحفظ، إفناء الطرف الأول لكي يتم له التوسع والسيطرة الكاملة على الأرض السورية التي تعتبر حسب الحلم اليهودي "أرض الميعاد" التي منحها الإله يهوه لشعبه المختار ملكاً ابدياً كما جاء في قوله لإبراهيم في سفر التكوين7:17: "...أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكاً ابدياً، وأكون إلههم".                                                              

 

عصابات معتدية:

ومن خلال عودتنا إلى الجذور التاريخية لمعركة المصير القومي يتبين لنا انه حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد وتحقيقاً لوعد الرب لإبراهيم جاء بني اسرائيل إلى أرضنا الغنية عصابات معتدية رافعة شعار الإفناء لكل السكان الأصليين ومدنهم.  وبالأساليب القبلية البربرية استولت هذه العصابات على جزء قليل من أرض كنعان وأقامت عليه وإلى زمن قصير حكماً باطلاً انتشرت فيه جميع أنواع الشرور والمظالم إلى ان إنقسم على نفسه ليلاقي بعد حين اندثاره إلى غير رجعة.

وبالرغم ما أخذه هؤلاء البرابرة عن حضارة شعبنا وأساليب حياته وثقافته وبالرغم ما أبدى شعبنا آنذاك من تسامح وشعور بالعطف والمساواة بين أبناء البيئة الواحدة وما قام به من محاولات حضارية، كنشره الكنعانية فالآرامية-السريانية بينهم بهدف تمدينهم، استمروا على تحجرهم البدائي والعنصري ورفضوا الإندماج الحضاري مع الكنعانيين وغيرهم إذ ان فكرهم  كان مريضاً بكراهية الشعوب والحقد عليها ونفوسهم كانت تفور فيها شهوات مادية تدفعهم إلى ارتكاب المذابح البشرية في هجمات بربرية وحشية وفي الإستيلاء على أملاك الآخرين.

وحين استعصى ذوبانهم في الشعب لفظتهم أرض كنعان خارج تخومها، وسبتهم إلى بابل في محاولة جديدة لفرض الإنصهار الحضاري عليهم. ولكن إلههم الذي اختارهم له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب ظل بلسان كهنتهم وأنبيائهم يعدهم بتخليصهم من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس وبإعادتهم إلى أرض كنعان ليسكنوا فيها.. فيكونوا له أمة مقدسة ويكون لهم إلهاً يساعدهم على إبادة غيرهم من الأمم ويوصلهم إلى عتبة الحكم العالمي لأنهم شعب يتميز عن بقية عناصر الجنس البشري ويتمتع بالعبقرية اما باقي الشعوب، حسب عقيدتهم، فهي في مستوى الحيوانات وقد وجدت  فقط لخدمة الشعب "المختار". 

وبعد ألفي سنة من إنتشارهم في العالم، في مجتمعات صهرت جميع ترسبات وتجمدات العصور البدائية والانحطاطية وحققت نهوضها الإجتماعي والنفسي بثورات متتابعة وبأفكار إنسانية جديدة، عجز أبناء هذا الشعب "المختار" عن التخلص من أمراضهم وعقدهم النفسية، بسبب إحجامهم عن التفاعل مع الشعوب وإنزوائهم في حارات خاصة بهم وإمتناعهم عن إعطاء ولاءهم لتلك المجتمعات، وظلوا محافظين على تحجرهم وإنغلاقهم، متجمدين بأوهامهم العنصرية البدائية ومتمسكين بمزاعمهم الأسطورية الوهمية الباطلة.

وإدعائهم بإضطهادهم في بعض المجتمعات التي عاشوا فيها كان سببه سلوكهم الشاذ وتعاليهم على الشعوب ومخالفتهم لنواميس الحياة الإجتماعية وتعشقهم للمال وتعاطيهم أعمال الربا والإستغلال والإحتيال وغيرها من الممارسات الغريبة. بهذه الأعمال والمثالب سببوا لأنفسهم كراهية الشعوب ومقتها.  

ولادة الحركة الصهيونية:

وبعد الثورتين الأميركانية والفرنسية اللتين حرّمتا الإضطهاد الديني وتبنتا مبادىء الآخاء والحرية والمساواة بين جميع المواطنين في حقوقهم وواجباتهم، برزت في المجتمعات الغربية تيارات تحررية بدأت تشكل خطراً على إنغلاقهم لأنها أخذت تطرق أبواب تجمعاتهم وتنادي بوجوب إندماجهم في مجتمعاتهم. وعندما أصبح من غير الممكن لتحجرهم ان يصمد أمام قوى الإنصهار الجديدة، أسرع زعماءهم إلى إبتداع حركة عالمية تحمي هذا التحجر بتعظيمها لمسألة إضطهادهم وتنطلق به لإعادة تأسيس مملكة جديدة لهم تسودها قوانين العنصرية الدينية وتسيرها العقلية البدائية الوحشية.

وقد عبر هرتسل عن هذا المنحى بقوله: "وانه وان لم يكن هناك ضغط وإضطهاد ضد اليهود. فيجب ان نخلقهما لكي نقوي الصهيونية".

ومنذ ولادة الصهيونية، التي تعبر تعبيراً فعلياً وسياسياً عن معتقدات اليهود المستمدة من توراتهم وتلمودهم، انطلقت هذه الحركة من فكرة "أرض الميعاد" الواردة في التوراة لتضع هذه الفكرة موضع التنفيذ وفق برنامج زمني. وبدأ قادة الصهيونية في العالم بإيقاظ عصبيات اليهود العنصرية والدينية وبحثهم على تكثيف نشاطهم وجهودهم لتحقيق حلمهم التوراتي بإقامة دولتهم الدينية والعيش في ظلالها. وتجدر الإشارة بان قادة الصهيونية لم يكن مبتغاهم في أي وقت من الأوقات الحصول على أرض ما، أية أرض ليقيموا دولتهم هذه عليها، فقد رفضوا أن تكون الأرجنتين وأوغندا أو أي مكان اخر موطناً لتلك الدولة، وتمسكوا بأرض الميعاد الممتدة بين الفرات والنيل لأنهم اعتبروا هذه الأرض حقاً لهم كما تزعم توراتهم، سجل تاريخهم الأسود المملؤ بالرذائل والشرور وسجل ما سرقوه عن أجدادنا الكنعانيين والسومريين والبابليين والأشوريين من أسفار وأفكار فلسفية سامية وأساطير شوهها فكرهم البدائي لتخدم شهواتهم المادية وأضفى عليها صفاتهم الأخلاقية لتعكس نفوسهم الشريرة.                                 

 

المطامع اليهودية والنوايا العدوانية:

إن تصريحات زعماء اليهود والصهاينة في الماضي وفي الحاضر تظهر المطامع اليهودية والنوايا العدوانية ضد شعبنا. ومثال عن هذه التصريحات نتذكر تصريحاً لرئيس دائرة إعداد الجيش الإسرائيلي (س. جونين) جاء فيه: "إن أقصى ما يهمني هو ان يعيش شعب إسرائيل قروناً ، بصرف النظر عن عيش أو موت الشعوب الأخرى".  كما جاء في تصريح لكبير حاخامي إسرائيل: "إن القدس وسائر أراضي إسرائيل هي مقدسة لنا، وقد وعدنا الله بها. ولذلك يحظر على أي يهودي إعادة، أو مجرد التفكير بإعادة، أي جزء من أراضي أجدادنا" جيروسالم بوست 31-10-1967.                     

 

جميع اليهود متفقون في الأهداف البعيدة:

والحق أقول، إنه أيا كانت إتجاهات قادة العدو السياسية، يساريين كانوا أو يمينيين، علمانيين أو لاهوتيين، دعاة حرب أو مبشرين بالسلام، فهم جميعاً متفقون في الأهداف البعيدة وفي السلوكية اليهودية التي تسييرها أوامر الإله يهوه هذا الإله الظالم والحقود، الإله الذي تتملكه نزوات العنف والقتال والذي ينهي شعبه عن عقد الصلح والعهود مع باقي الأمم ويأمره بإبادة الشعوب وطردها أو تسخيرها كما في قوله: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك".                                                            

هذا بعض ما يؤمن به يهود التوراة والتلمود واليهود الصهاينة على حد سواء. فجميعهم يشتركون في الإيمان بأرض الميعاد وضرورة العودة إليها وبوجوب ممارسة الإرهاب ضد شعبنا ليهجر أرضه فيتسنى لهم إغتصابها على مراحل وحسب ما تقتضيه الظروف الدولية أو سيل الهجرة اليهودية إلى الأرض المحتلة. وهذا ما فعله الصهاينة منذ بداية هذا القرن حتى اليوم. وفي هذا المجال نذكر ما قاله هرتزل عندما اجتمع بالمستشار الألماني، الأمير هوهنلو، الذي سأله قائلاً : "كم من أرض السلطان تريد؟ حتى بيروت أم أبعد من ذلك؟" وكان جواب هرتزل: "سنطلب ما نحتاج إليه. كلما زاد المهاجرون زاد طلب الأرض".                                        

 

محاولات الصهيونية لتحقيق الحلم اليهودي:                           

الحلم اليهودي الذي بدا حلماً ضبابياًُ في مؤتمر بال عام 1897 بدأ يرتسم على الأرض منذ مطلع هذا القرن من خلال الإجراءات النظامية التي اعتمدتها الصهيونية العالمية مستغلة حالات الفوضى والضعف والتفسخ في أمتنا والأجواء غير الطبيعية أثناء الحربين العالميتين لتخرج بصكوك وإعترافات دولية تمنحها مشروعية السيطرة على جنوب سورية في باديء الأمر وتجعل منها كياناً سياسياً يتمتع بالحصانات اللازمة.                                                            

والإجراءات النظامية التي اعتمدتها الصهيونية منذ نشأتها حتى اليوم تمثلت في المساعي والإتصالات والمفاوضات والإرتباطات التي أجرتها مع الدول العظمى وحكامها وفي الوسائل والأساليب الإعلامية والدعائية والإرهابية المختلفة التي اعتمدتها، كما تمثلت في التحالفات والمؤتمرات التي عقدتها والمؤامرات التي أحاكتها والأدوار التي وزعتها والسياسات المرحلية التي أطلقتها والحكومات التي زعزعتها والمؤسسات التي خرقتها كل ذلك سعياً لإقامة الدولة اليهودية وتثبيت دعائمها ولتوسيع رقعة هذه الدولة إلى أن تسيطر على العالم كله وتستعبد شعوبه  كما وعدهم يهوه في قوله: " ... تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون. اشعيا 5:61".                               

 

سياسة التوسع:

 وبعد قيام دولة العدو اليهودية عام 1948 باشر حكام هذه الدولة بسياسة التوسع وبتطبيق برامج مدروسة هدفها إجلاء أكبر عدد ممكن من أبناء شعبنا الفلسطيني من بيوتهم وقراهم لتحل محلهم أفواج اليهود القادمين من كافة أنحاء العالم. وكلنا يعرف كيف تمكنت هذه الدولة، المسلحة بتكنولوجية الحرب الحديثة والمزودة بعطف الغرب عليها وبدعم دوله الإستعمارية لمشاريعها الإستيطانية، كيف تمكنت من احتلال المزيد من الأراضي في حروبها مع الجيوش العربية النظامية وضمها لهذه الأراضي لتغير معالمها التاريخية والحضارية... وكلنا يعلم كيف أشعلت فتيل الحرب اللبنانية لتمعن في تمزيقنا وإضعافنا تسهيلاً لتحقيق أهدافها وكادت عام 1982 ان تسيطر على العاصمة اللبنانية ولكنها أجبرت على الانسحاب بفعل مقاومة شعبنا وبفعل العمليات البطولية التي نفذها ابطال المقاومة الوطنية امثال خالد علوان ووجدي الصايغ وسناء محيدلي وغيرهم من الشهداء الأبطال.

                                            

"السلم الاسرائيلي" سياسة جديدة:

وفي السنوات الأخيرة اعتمدت دولة العدو سياسة مرحلية جديدة عنوانها "السلام العادل والشامل" وتقضي بإنتزاع اعتراف الدول المجاورة بوجودها وبملكيتها للأراضي التي تغتصبها ولكنها لم تتخل عن سياسة تهويد أرضنا وإرتكاب المجازر بحق شعبنا وشقائق النعمان التي نبتت في أرض قانا الطاهرة تشهد على مجازرها وهمجيتها.  ومن خلال سياستها الجديدة ستحقق دولة العدو مكاسب عديدة عجزت في الماضي من تحقيقها بقوة السلاح، إذ سيتأمن لها شرعية حقوقية جديدة هي اعترافنا نحن بملكيتها لأرضنا وبصحة ما تزعمه من حقوق تاريخية كاذبة فيها. كما سيتأمن لها الوصول إلى اسواق العالم العربي وثرواته وسينتعش اقتصادها لتتحول إلى دولة كبيرة قادرة على فرض هيمنتها السياسية والإقتصادية والعسكرية على أمتنا وعلى العالم العربي بأسره وبالتالي قادرة على إجهاض نهوضنا الإجتماعي والإقتصادي والمشاريع الوحدوية بين كياناتنا وعلى إشعال نار الإقتتال والحروب في مجتمعنا. وفي غمرة حروبنا وإنقساماتنا ستغتنم دولة العدو الظروف المحلية والعالمية الملائمة لتقضم المزيد من أرضنا السورية وفق برنامجها في الغزو المرحلي.                                                     

بإختصار، نقول ان معركة المصير القومي التي نخوضها ضد التنين المتعدد الرؤوس والمخالب معركة وجودية مفروضة علينا لا مهرب لنا منها ولا مجال فيها للتسويات إلا إذا أردنا التنازل عن تاريخنا وهويتنا وسيادتنا والقبول بسلام الذل والعبودية والاستسلام اليائس.                             

أنها معركة كلية شاملة تطال حياتنا وتراثنا ووجودنا الحضاري الإنساني الخيّر لأنها معركة صراع بين النفسية البربرية المتحجرة في معتقداتها ومزاعمها التاريخية الباطلة والنفسية الحضارية المنفتحة العريقة في جذورها التاريخية والغنية في معطياتها الإنسانية الماضية، صراع بين  قوى الحياة المتجددة والخلاقة وقوى الشر المجرمة والمنطفئة، بين الباطل العنصري المتنكر بأزياء الحق والمتسلح بأعنف الوسائل المادية والحق القومي الذي سينتصر في النهاية وان خسر جولات في الماضي وذلك بفضل ما تنبع به نفوسنا من قوة صراعية عظيمة، قوة بطولية مؤمنة بنفسها وبالحياة السوية ومستعدة دائماً ان تصارع لحق الأمة وخيرها.. لذلك قال سعادة العظيم: "إن فينا قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ".                      


ثانياً - دور المغترب في معركة المصير القومي:             

دنيا الاغتراب، وبالتحديد بلاد البرازيل، هي نقطة انطلاقي في الحديث عن دور المغترب في معركة المصير القومي، إذ سأعود بكم بالذاكرة إلى وقت سبق إعلان دولة العدو "إسرائيل"، وبالتحديد إلى عام 1925، يوم نشر في  مجلة "المجلة" التي كانت تصدر في البرازيل مقالة بعنوان "القضية القومية الصهيونية وامتدادها". في ذلك اليوم شرح كاتب المقالة، وكان انذاك لم يتجاوز  الحادية والعشرين من عمره، كيف ان الحركة الصهيونية الغير دائرة على محور طبيعي تقدمت تقدماً كبيراً في تحقيق أهدافها وذلك بسبب إجراءاتها القائمة على خطة نظامية دقيقة.. وأوضح بأنه اذا لم تقم في وجه الحركة الصهيونية حركة نظامية اخرى معاكسة لها كان نصيبها النجاح. وفي المقالة ذاتها وجه الكاتب الشاب لأبناء جاليته المغتربين اللوم قائلا:                

"أليس من الجبن والتخازل ان تجتمع في سان باولو حفنة من اليهود للتامر على سلب السوريين قسما كبيرا من بلادهم دون ان يكون لآلاف السوريين الموجودين في سان باولو جمعية منظمة تنظر في مثل هذا التآمر المعيب وتعمل على إحباط المساعي التي يقوم بها الصهيونيون لإخراجنا من بلادنا؟ أليس من العار ان تعتمد الجالية السورية في صد هجمات الصهيونيون، على أفراد قلائل ليس في أيديهم من الممكنات ما يخولهم اتيان شيء فعال؟ ماذا يفيد عمل الأفراد اذا لم تترتب عليه حركة فعالة تقوم بها جمعية أو حزب يمثل الجالية؟ الصهيونيون آخذون في عملهم ونحن لا نأتي عملاً إلا الكلام الفارغ وقتل الوقت وفي حالة كهذه لا نرى كيف يمكننا الدفاع عن حقوقنا دفاعا ناجحا".[1]                               

كاتب هذه المقالة، كما تعلمون، كان الزعيم الخالد انطون سعاده الذي قاده تفكيره عام 1932 إلى تأسيس الخطة النظامية الدقيقة المعاكسة للحركة الصهيونية وإلى جعلها خطة قومية شاملة لكل أبناء الشعب المقيمين والمغتربين، توحدهم حول قضية الأمة وتسير بهم إلى الحرب جماعة واحدة ليس من الوجهة الروحية فقط، بل من الوجهة الإجتماعية ايضاً. هذه الخطة التي أطلقها سعاده في حركته القومية الإجتماعية تتوجه إلى المغتربين السوريين:                                                                 

اولاً، لأنهم أبناء الأمة ويشكلون جزءً منها وامتداداً لها وبالتالي فإن عليهم واجبات اتجاه البلاد التي أبصروا فيها النور. من هذه المنطلق يقول سعاده:                                                      

 "صحيح ان البلدان التي ننزح إليها كالبرازيل وغيرها تشبه وطنا ثانياً لنا بما نجده فيها من حسن الضيافة وهذا يوجب علينا شكر هذه البلدان الحرة ولكنه في الوقت نفسه يوجب علينا الإهتمام بالبلاد التي رأينا فيها نور الحياة وعرفنا بقوميتنا التي يجب أن نحافظ عليها وأن نقوم بواجباتنا نحوها. والذي لا يعتبر قوميته في سورية لا يعتبرها في بلاد اخرى".[2]                                                              

ان "كل سوري أينما كان وحيثما وجد"، يشدد سعاده، "مسؤول عن الذل الضارب أطنابه في بلاده والعبودية الواضعة نيرها على عنقه وأعناق مواطنيه لذلك يجب على كل سوري سواء كان في الوطن او المهجر، ان يعمل لإنقاذ وطنه من الذل والعبودية..."[3]                                     

فلا تقولوا يا أبناء شعبي المغتربين إننا قد أصبحنا بين أمم حرة فلننس عبودية الأمة التي جئنا منها. إن النهضة القومية الإجتماعية تقول لكم: "إذا لم تكونوا أنتم احراراً من أمة حرة فحريات الأمم عار عليكم".             

ولا تقولوا يا أبناء شعبي المغتربين ما لنا ولما يحدث في الوطن الذي هجرناه. فالنهضة القومية الإجتماعية تجيبكم: "أنتم سوريون وشرفكم مقيد بشرف سورية".[4]                                                           

ولا تقولوا يا أبناء شعبي المغتربين ماذا نستطيع ان نفعل من هذا البعد الشاسع عن بلادنا وعن أرض المعركة. فالنهضة القومية الإجتماعية تقول لكم: "لا تكونوا قليلي الثقة بأنفسكم".[5] إن قوتكم المادية والمعنوية هي قوة تستطيع ان تفعل في سبيل الوطن والأمة ما يأتي بنتائج كبيرة بشرط توظيف هذه القوة في أطر الخطة النظامية الدقيقة وغاياتها العظمى.                                                              

وثانياً، حركة سعاده القومية تتوجه إلى المغتربين لأنها تعي بان عدونا القومي قد نظّم نفسه في حركة عالمية خطيرة انطلق منها الى إقامة كيانه الإستيطاني. وسعاده ينبهنا : "بأن مئات الفروع اليهودية المنتشرة في جميع أنحاء العالم المندمجة في المنظمة الصهيونية تعمل عملاً واحداً منظماً، وترمي الى غاية واحدة واضحة هي: الإستيلاء على سورية كلها وتحويلها الى وطن قومي خاص باليهود...".  وإذا حاولنا، أيها الحاضرون الكرام، ان نختصر عمل الفروع اليهودية بكلمات موجزة، فنقول بأنه يهدف إلى إقناع العائلات اليهودية التي تعيش خارج فلسطين بوجوب الهجرة إلى "أرض الآباء والأجداد"، "أرض الميعاد"، والعيش في ظلال دولتهم "إسرائيل" التي، كما يعتقدون، ستنير الطريق امام العالم بما للشعب اليهودي من إبداع متميز وعبقرية خاصة وقيم روحية وحضارية، على اساسها كان اختيار الله له لينمي عبقريته الخاصة وليكون منارة خلاص لجميع الشعوب،  وهذا ما تقوله الكاتبة الصهيونية ترودفايس-روزمارين في كتابها "البقاء اليهودي" الواسع الإنتشار.[6]                                                            

وعلى الصعيد التربوي، فان الفروع اليهودية المنتشرة في العالم تعتمد أساليب وبرامج متنوعة الغاية منها تغذية الفرد اليهودي منذ صغره بمبادىء الصهيونية وذلك من خلال تعليمه التوراة والتلمود وتلقينه أمثولات في المعتقدات الدينية اليهودية التي تشحن فيه الغرور القومي وتنمي وجدانه اليهودي فينشأ على حب صهيون، والرغبة في العمل بكل وسيلة على تحقيق الأهداف الصهيونية.[7] وفي مذكراته المنشورة عام 1965 يقول بن غوريون: "كان من غير الممكن ان أبقى في روسيا. كنت أفكر بالذهاب إلى فلسطين منذ الخامسة من عمري. فقد ولدت في بيت صهيوني، ورضعت العبرية وحب صهيون منذ الطفولة. وتعلمت العبرية منذ الثالثة من عمري. وكان جدي يعلمني التوراة. وكان الجد "سمحا" يلهب مشاعرنا، ويحثنا على الذهاب إلى أرض الميعاد".

من هنا ايها الحاضرون الكرام نقول ان مواقع معركتنا المصيرية  مع العدو لا تنحصر على جبهات القتال العسكرية في الوطن فقط، بل هي تمتد إلى كل المغتربات، أنها معركة قومية شاملة لكل الجبهات العسكرية والدبلوماسية والإعلامية والنفسية وغيرها من مجالات الحياة. لذلك فإن اعدادنا لهذه المعركة بكل أبعادها وإحتمالاتها يتطلب منا الإبتعاد عن قواعد العمل الإرتجالية والإنفعالية واعتماد التخطيط العلمي في أساليبنا وخطواتنا والتفكير الموضوعي والمنهجي اساساً لتحركاتنا السياسية ولأعمالنا التنظيمية.                                                                   

برأيينا  ان انتشار المغتربين الواسع في قارات العالم يشكل خزاناً إنسانياً كبيراً له تأثيره وفاعليته في خدمة قضايانا القومية وخاصة في المجالات الإعلامية والثقافية والمالية والإقتصادية. في ما يلي سأحاول وصف دور المغترب في بعض المجالات او الجبهات، وبالتحديد في المجالات الإعلامية والتربوية والأدبية والثقافية والفنية.

      

على الجبهة الإعلامية:

على الجبهة الإعلامية، فان للمغترب الإعلامي والإذاعي والصحافي دور أساسي وطليعي في معركة المصير القومي. وأول الواجبات الإعلامية برأيينا هو نشر وإذاعة الحقائق حول طبيعة عدونا العنصرية وأساليبه الإرهابية وأهدافه التوسعية والإستعمارية. من الواجب على كل مغترب إعلامي او إذاعي او صحافي ان يؤدي رسالته تجاه أمته وان ينخرط بإندفاع في حملة توعية منظمة تنشر مثل هذه الحقائق عن العدو وتفضح التزييف الصهيوني والتضليلات الدينية التي يعتمدها بشتى السبل ومختلف الوسائل ليبرر أعماله ووجود دولته ولينال دعم الغرب بدوله وشعوبه على السواء. وهنا لا بد لي من الإستشهاد بالكاتب أنيس فاخوري الذي وضع دراسة تناولت المرتكزات والتضليلات الدينية الزائفة للعدو والذي يقول فيها:                                                                         

"ترانا اليوم، ونحن في صميم المعركة المصيرية، وبقطع النظر عن محاولات السلام الإستسلامية، ترانا بأشد الحاجة الى نسف هذه الأضاليل الدينية بغية تطهير الذهنية الغربية من جرثومة مساندة اسرائيل. ان المسيحي الغربي، عندما تتكشف له الحقيقة التي تقول "ان قيام دولة دينية يهودية على أرض كنعان هو ضد مشيئة الله وتزييف لمقاصده، وكفر بتعاليم يسوع وإلغاء لرسالته." فانه سيتراجع حتماً عن موقفه السابق الذي انزلف اليه وهو معصوب العينين ومسربل بالتضليل. وعندما يتراجع الغرب المسيحي، ذهنياً، عن مساندة اسرائيل، فاننا نكون عند ذاك قد كسبنا نصف المعركة سلفاً".[8]                                           

على الجبهة التربوية:

على الجبهة التربوية فان نهضتنا القومية الإجتماعية تعتبر ان قضية التربية والتثقيف القوميين في المغتربات هي مهمة خطيرة موضوعة في أعناقنا  لا بل هي حرب مقدسة  يجب ان نخوضها بأفضل الوسائل لإنقاذ نفسية الأحداث ولتربيتهم في الفضائل القومية لأنه "إذا ربحنا معركة الأحداث يقول سعادة العظيم، "ربحنا معركة العقائد ومعركة المصير القومي كله".   

من هذا المنطلق نقول ان دور الأهل ودور المربي والمدرس في دنيا الإغتراب هو السعي الى تأمين الوسائل التي تربط أبناءنا والأجيال التي ولدت في دنيا الإغتراب بوطننا الجميل وتعليمهم لغتنا القومية وتقاليدنا الجيدة وتاريخ بلادنا القديم وتشجيع من لديه الإمكانية لزيارة الوطن والتعرف على طبيعته وجمالها وعلى المقيمين فيه وحياتهم.                 

نحن نعلم ان مهمة تثقيف الأجيال المولودة هنا تثقيفاً قومياً هي مهمة صعبة وطويلة ولكنها ليست بالمستحيلة. ان عدوتنا الصهيونية، كما أشرنا أعلاه، تحرث  في حقل التربية والتعليم وتسهر على تربية أولاد الأفاعي منذ طفولتهم... فلنعتمد نحن أسلوب العمل مع أولادنا وهم في مرحلة تكوينهم النفسي، نعلمهم حب الوطن ومبادىء الحياة الجديدة، نلقنهم المعرفة المفيدة والعلم الصحيح، نرشدهم على الحقيقة ونزرع في نفوسهم الفضائل القومية، فضائل التضحية والبطولة والإستقامة والثقة بالنفس واعتماد الحق ومقاومة الباطل وسحق القبح واللؤم...                                              

 

على الجبهة الأدبية:

وعلى الجبهة الأدبية فان لكل من الأديب والشاعر في دنيا الإغتراب دور طليعي وريادي في معركة المصير والنهوض القوميين. وأول ما يتطلبه هذه الدور هو إنتاج الأعمال الفكرية والثقافية والأدبية التي تحرّك العمل القومي بين المغتربين وتحثّهم على النضال والقيام بواجباتهم القومية تجاه بلادهم وقضاياها، كما تزرع في نفوسهم المحبة والتسامح القوميين وحب الوطن والحنين اليه.                                                              

والمطلوب من الأديب او الشاعر ايضاً ان يكون منارة لأبناء جاليته ينشر وعياًً ونوراًً هادياًً في صفوفهم ويرشدهم إلى نبذ الجهل والتعصب والخلافات وإلى التمسك بوحدتهم الإجتماعية ورابطتهم القومية والتعاون معاً لتحقيق الأعمال النظامية التي تفيد سمعة الجالية ومصالحها.            

 

على الجبهة الثقافية:

وعلى الجبهة الثقافية فان دور المثقفين والمفكرين والأكاديميين ان يساهموا بإنتاج الأبحاث الفكرية والعلمية التي تزيد من وعي المغتربين وأبناءهم وتفتح النور أمام بصائرهم ليروا تاريخ وطننا الحقيقي المجيد وليتعرفوا على ما اعطته بلادنا من إختراعات فكرية وإكتشافات عملية وفلسفات دينية وإجتماعية وشرائع تمدنية وفضائل وقيم إنسانية سامية والعديد من المآثر الثقافية العظيمة التي تظهر حقيقة نفسيتنا المتفوقة، الكريمة في أخلاقها وعطائها والخلاّقة في إنتاجها وإبداعها،  والتي تثبت بأن بلادنا سورية كانت منذ فجر التاريخ مهد الحضارات العالمية وهادية للأمم وهذه حقيقة يؤكد عليها عدد لا يحصى من المؤرخين والعلماء الإجتماعيين في العالم.

وعلى سيرة  تاريخ وطننا الحقيقي المجيد فان من واجب المثقفين والمفكرين ان يساهموا بدراساتهم التاريخية وأبحاثهم الفلسفية والإجتماعية في الكشف عن الدورات الصراعية الطويلة التي خاضها مجتمعنا عبر تاريخيه ضد الموجات البربرية والحملات العسكرية الإستعمارية والتي خرج منها دائماً منتصراً، ليس فقط بفضل بطولات شعبنا وعبقرية قواده الخالدين بل ايضاً بفضل مقوماته الحضارية الرفيعة الفاعلة في الغزاة من أي نوع كانوا.     

وواجب المثقفين والمفكرين والأكاديميين المغتربين ان يساهموا بكتاباتهم وإذاعاتهم وأقوالهم وبكل ما ينتجونه فكرياً في استخراج  الدروس التاريخية التي تزيل عنا أوهام الخوف والإنعزال والإنكماش والتي تقضيء على عقلية التهرب من المسؤولية والإستسلام وكل التعاليم الفاسدة التي انتقلت إلينا من عصور الإنحطاط التي قاساها هلالنا الخصيب والتي تعبر عنها بعض أمثالنا الشعبية مثل: "العين ما بتقاوم مخرز" و "ابعد عن الشر وغني له..." أو "من بعد حماري ما ينبت حشيش" وإلى ما هنالك من الأمثال التي لا قيم فيها ولا فائدة منها.                                                  

وعلى المثقفين والمفكرين والأدباء والخطباء وغيرهم ان ينخرطوا في تقديم الأبحاث والدراسات والندوات والمحاضرات التي تضيء على تراث البطولة والمواجهة المدفون في تاريخنا القومي، تراث التصدي لتنين الشر والظلم والغضب ومواجهته والإنتصار عليه في سبيل استمرار الحياة وبقاء الخير فيها... وهذا التراث نجد أصوله في مراحل تاريخنا القديم، في كنوز أساطيرانا الثمينة، أساطير قلقامش والبعل وقدموس  وتموز وأدونيس وغيرها من الأساطير التي تحول أبطالها إلى آلهة ترمز إلى قيم المواجهة والتصدي والصراع والإستشهاد من أجل عز الحياة وانتصارها.  على المثقفين ان يساهموا في إبراز هذا التراث الذي لا يكمن في أساطيرنا الأولية فقط بل هو متجسد ومستمر في كل حقب تاريخنا البطولي وفي كل المراحل منذ أقدم العصور حتى وقتنا الحالي. أنه متجسد في المرحلة المسيحية بالسيد المسيح وبمار جرجس ومتجسد بالمرحلة المحمدية بالرسول الكريم وبالخضر، كما انه متجسد بمواقف يوسف العظمة في ميسلون وسعيد العاص في فلسطين وسعيد فخر الدين في بشامون والزعيم سعاده في الثامن من تموز وأطفال الحجارة في فلسطين والمتفجرات البشرية في جنوب لبنان والحركة القومية الإجتماعية التي تحمل لواء الثورة والمواجهة والإستشهاد لكي تنتصر الأمة على التنين المتعدد الرؤوس وتأخذ المكان اللائق بها بين الأمم.                                                                       

على الجبهة الفنية:

وعلى الجبهة الفنية، فان دور الفنانين، المغني والموسيقي والممثل وغيرهم، إبراز نفسيتنا الجميلة (من خلال أعمالهم) وإبراز ما تتمتع به هذه النفسية من خير وجمال وإبداع كما يتوجب عليهم الإسهام بإحياء النشاطات واللقاءات الفنية والإجتماعية التي تظهر حياتنا القومية بأجمل مظاهرها، مظاهر الوحدة والإلفة والتكاتف والتي تعكس سمو نظرتنا إلى الحياة بما تقدمه من صور الفرح الشعبي والفلكلور القومي والفنون الراقية من مسرح ورسم وغناء وموسيقى تسمو بها نفوسنا وتقوي ثقتنا بأنفسنا وإيماننا باننا شعب تختزن في نفسيته قدرات إبداعية وقوى خلاّقة، شعب قادر ان يخطو خطوات الإنتصار وان يحقق الآمال الكبيرة والرغائب العالية والغايات العظيمة.                                                                  

على الجبهة المالية الإقتصادية:

على الجبهة المالية والإقتصادية فإن الواجب القومي والشرف القومي يتوجبان من المغتربين الإهتمام في مساعدة شعبنا المقيم وفي دعم صموده أمام الهجمة اليهودية وأمام ما يتعرض له من ذبح وقتل ومن تدمير في ممتلكاته ومؤسسات حياته الحيوية. ان أقل ما يمكن ان يفعله المغتربون هو تأمين الدعم المالي والمعنوي لأهلنا وأطفالنا الذين يتعرضون يومياً لغضب العدو ولهمجيته... والمغتربون على إختلاف إمكانياتهم المادية قادرون فيما لو تعاونوا مع بعضهم كجماعة واحدة تسيرها إرادة وطنية واحدة ان يحققوا المشاريع والأعمال التي من شأنها ان تعزز من روح الصمود عند أهلنا في الجنوب اللبناني وفي كل المناطق التي يتعرضون فيها لعمليات الإقتلاع والتهجير. فتعالوا يا أبناء جاليتنا الكريمة، تعالوا بأحزابكم الوطنية وجمعياتكم الخيرية، لنتعاقد ونتعاون معاً من أجل المصلحة القومية المشتركة... تعالوا لنحقق المشاريع الجدّية التي تخفّف من الآم شعبنا الكبيرة وتضمد جراحه النازفة... تعالوا لنساهم معاً في بناء مستوصف صحي او مستشفى في الجنوب اللبناني  يعالج الجرحى من أطفالنا وشيوخنا ونسائنا... او بناء مؤسسة إجتماعية تأوي اليتامي من أطفالنا وتهتم بالمحتاجين من أهلنا الذين فقدوا مساكنهم ومواسمهم الزراعية...                                                                 

والعديد من المغتربين الأثرياء، ايها الحاضرون الكرام، بإمكانهم دعم ورشة الإعمار والبناء والنهوض الإجتماعي والإقتصادي والصحي في بلادنا والمساهمة بما في أيديهم من رساميل ضخمة في تحقيق المشاريع الحيوية التي تساهم في بناء إقتصاد قوي يستوعب العاطلين عن العمل. كلنا نعلم ان أبناء شعبنا المقيم يمضون السنين يحصِّلون العلوم وينالون الشهادات العالية في القانون والطب والهندسة والتاريخ والإقتصاد والسياسة وغيرها من مجالات العلم والمعرفة ولكنهم بأكثريتهم يتخرجون إما للإغتراب وإما للبطالة... فهل بهذه الأوضاع نواجه عدونا المتفوق علينا مالياً واعلامياً واقتصادياً؟ ان بلادنا مؤهلة بما في أيدي مغتربيها ومقيميها من ثروات، وبما في مواهب أبناءها من مواهب ومهارات أن تنشىء المشاريع الصناعية والإقتصادية التي تغيّر في الكثير من المعادلات المصيرية.                                              

بإمكاننا ان نحدّد الأدوار في مجالات متعددة لم نأتي على ذكرها بعد، كالمجالات السياسية والدبلوماسية التي من خلالها يمكننا الدفاع عن قضايانا القومية وشرحها والمساهمة في تمتين العلاقات بين بلادنا وهذا البلد المضياف، ولكن لكي لا نطيل بالكلام، نختصر ونقول ان المطلوب منا بصورة عامة هو التالي:                                                    

أولاً، ان نتعمق بمعرفة نفسنا وحقيقة وجودنا المجتمعي التاريخي والواقعي، حقيقة اشتراكنا في الحياة الواحدة والمصير الواحد، والتي على ضؤها تكون لنا إرادة واحدة تدفعنا إلى تنظيم نفسنا وإلى العمل بإتجاه واحد لا بإتجاهات متضاربة وتقودنا إلى توظيف ما لدينا من وسائل وممكنات في خدمة قضايانا القومية وفي التعاون معاً من أجل تحقيق الأعمال والمشاريع والأهداف المشتركة. وهنا نتذكر قول الفيلسوف سقراط: "اعرف نفسك. المعرفة قوة والجهل ضعف".                                                               

ثانياً، أن نتعمق بمعرفة عدونا على حقيقته، عدونا الذي يعرف الكثير عن منابع قوتنا ومواطن ضعفنا وعن حياتنا بكل أمورها وتفاصيلها ويعرف كيف يستغل ضعفنا وإنقساماتنا، علينا ان نتعمق بمعرفته وأن ندرس الأسباب التي أمنت وما تزال تؤمن له سبل النجاح في تحقيق أهدافه. وبرأينا أن هذه الأسباب يمكن تلخيصها بسببين:                                                      

السبب الأول  يشمل وضوح الهدف عند العدو أي وجود قضية واحدة تجمع اليهود، من أجلها يعملون كل الوقت ويعتمدون الإجراءات النظامية الدقيقة كما أشرنا أعلاه. وهذه القضية الباطلة  هي قضية "الوطن القومي اليهودي".                       

اما السبب الثاني فيرتبط بعدم وضوح أهدافنا، بتعدد اتجاهاتنا الروحية وتضاربها، بكثرة قضايانا وغياب القضية الكلية الواحدة، بإرتجال أساليبنا وخططنا، بسياساتنا الخصوصية، بأمراضنا الإجتماعية وبطغيان الفوضى على كل أعمالنا ومشاريعنا... ان عدم حسمنا لكل هذه الأمور مزق قوانا وأوجدنا في حالة عجز ساعدت العدو على تحقيق ما حققه حتى الان.                         

وإذا حاولنا أن نصف موقفنا كمغتربين اتجاه ما يحيط بأمتنا من أخطار فماذا نجد أيها الحاضرون الكرام؟ نجد أن حالة جاليتنا، والتي هي صورة حقيقية عن حالة شعبنا المقيم، تعاني من حالة العجز والضعف الناتجة عن إنقساماتنا واتجاهاتنا المتضاربة وعن تخبطنا بقضايا جزئية تسييرها الأهواء الشخصية والنزعات الفردية والطائفية بدل ان نجتمع من أجل قضية قومية واحدة نوظف لها كل طاقاتنا وإمكانياتنا ونسير بها في اتجاه واحد يدفعنا إيمان واحد وإرادة واحدة، إرادة تعبر عن وحدة الجالية الحقيقية لا الفوقية وعن تطلعات أبناءها وآمالهم المشتركة.                                                                     

إن المطلوب منا كمغتربين وكأحزاب وجمعيات إغترابية هو أن نطلّق حالة ضعفنا وإنقساماتنا وأن نضع نصب أعيننا العمل بمبدأ القوة المنظمة والإعتماد على هذا المبدأ في تأييد حقوقنا وقضايانا القومية لأن القوة، يقول زعيمنا الخالد، "هي القول الفصل في إثبات الحق القومي او انكاره".[9]       

خلاصة:  

أخيراً، نقول ان معركة المصير القومي هي معركة طويلة الأمد ومتعددة المراحل والجبهات. ودور المغتربين فيها لا يختلف عن دور أهلنا المقيمين في الوطن، فكلنا متساوون بالواجبات القومية وبما هو مطلوب منا لأنه في التحليل الأخير كلنا معنيوون في هذه المعركة، معركة حياة الأمة أو موتها، والتي ستطال في نتائجها شعبنا كله المقيمين والمغتربين، المسيحيين والمحمديين، واي نتيجة حصلت كنا نحن المسؤولين عن تبعتها. لذلك فإن هذه المعركة تستلزم منا إعداداً فكرياً ونفسياً ومناقبياً ووعياً ضرورياً لهويتنا القومية ولأسس حياتنا وحقيقتها التاريخية والواقعية ولما يتهددنا من أخطار داخلية وخارجية كما تستوجب منا مقيمين ومغتربين ان نستنفر كل طاقاتنا المادية والروحية وكل مواهبنا العقلية وكل إمكانياتنا الإنسانية لندفع بها، بدون تردد او تحفظ، الى ميدان الصراع في تنازع البقاء والمصير.



[1]  راجع بحث "القضية القومية الصهيونية وامتدادها" في أنطون سعاده. الآثار الكاملة - الجزء الاول (مرحلة ما قبل التأسيس 1921- 1932) ص 170.

[2]  المرجع ذاته، ص. 171.

[3]  المرجع ذاته، ص. 169.

[4]  راجع "نداء الزعيم إلى السوريين عبر الحدود"، أنطون سعاده. الآثار الكاملة - الجزء الرابع، ص 19.

[5]  المرجع ذاته.

[6]  راجع كتاب "تاريخ يهوه" لجورجي كنعان، منشورات مؤسسة النهضة، طبعة أولى، بيروت 1994، ص 41. راجع أيضاً

Weiss-Rosmarin, T. "Jewish survival" N.Y. 1949.

[7]  أنظر المرجع ذاته، ص 43-44.

[8]  أنيس فاخوري. "نسف الأضاليل مرحلة أساسية في إزالة اسرائيل"، مؤسسة فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 1979، ص 106.

[9]  راجع المبدأ الإصلاحي الخامس، أنطون سعاده. الآثار الكاملة - الجزء الثاني ص 100.

 
< السابق   التالى >