اعلن رئيس المجلس الصهيونى وهو الجهاز الأكثر تأثيرا ضمن المنظمة الصهيونية عن وثيقة جديدة ستتبناها لاحقا الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية والهادفة الى ضبط العلاقة بين دولة "اسرائيل" و"الاقليات".
وتتمحور وثيقة دانى بن عطار رئيس الجلس المذكور فى كيفية ضمان الولاء غير المشروط من قبل المواطن العربى الفلسطينى لدولة اسرائيل، وهى اشبه بخارطة طريق "الحل الدائم" للعرب فى اسرائيل.
وخارطة الطريق الصهيونية هذه، والتى نشرتها صحيفة "هآرتس" ، تهدف الى ضمان الولاء للدولة من خلال مشروع الخدمة المدنية الاستراتيجي، وتصفية الوجود العربى فى انحاء النقب وتجميع سكان القرى غير المعترف بها فى بلدات ثابتة بعد مصادرة قراهم واراضيهم وتدمير بيوتهم وطابع معيشتهم.
وفى المقابل تتحدث وثيقة المجلس الصهيونى عن توزيع ميزانيات وفق حصة العرب من السكان و"حكم ذاتى للحفاظ على الهوية الثقافية والقومية"، اى حكم ذاتى فقط بعد ضمان "اسرلة" الفلسطينيين مواطنى اسرائيل وولاء المواطن العربى التام وغير المشروط للدولة بما فيه التنديد "بالارهاب الموجه لاسرائيل" والقيام "بكامل واجباته من خلال الخدمة المدنية".
وتؤكد الوثيقة كذلك ان "اسرائيل التى تريد ولاء العرب لها هى دولة الشعب اليهودى لكنها ملزمة بتوفير الحقوق والواجبات المتساوية لكل مواطنيها" ،ويضيف الى ذلك بعدين اخرين الواحد هو "تعزيز موقع المرأة العربية" و"خلق شريحة قيادية عربية".
والشريحة القيادية تعنى من ناحية عدم الاعتراف بقيادات الجماهير العربية ومؤسساتهم القيادية من ناحية ـ وهذا عمليا هو اساس اولى لاى تفكير جدى فى حكم ذاتي، لكن بن عطار كما يبدو يقصد اعادة انتاج قيادات عربية موالية لاسرائيل وفق المعايير التى تتضمنها وثيقة المجلس الصهيوني.
ان وثيقة المجلس الصهيونى لا تختلف من حيث الجوهر عن رؤية وممارسة الجهاز الحاكم ولا الاستراتيجية الامنية المسيطرة، وقد تختلف من حيث التسميات لكنها اكثر دهاء ومن هنا اكثر خطورة ، وفى مناقشتها يجدر التطرق الى بعدين فيها وهما المضمون ومفاهيمها وكذلك ما هو موقفنا نحن الفلسطينيين اهل هذه البلاد من التدخل المتزايد للمنظمات الصهيونية العالمية فى تحديد مصيرنا.
ومن حيث المضمون فإن الوثيقة المطروحة التى تم التعريف بجوهرها دون تفصيلها بعد، تعمل من باب فك الارتباط بين الجماهير العربية فى الداخل مع القضية الفلسطينية والغاء دورنا فيها ، بل تريدنا ان نكون فى حالة صدامية مع شعبنا ومع المقاومة ضد الاحتلال، وفى اعترافنا بيهودية الدولة والولاء لها تريدنا ان نكون فى حالة تصادم مع اللاجئين وحقهم فى العودة والذى تضمنه الشرعية الدولية.
وتكملة لهذا النهج فإن الوثيقة تسعى الى وضعنا فى حالة صدام داخلى على اساس جهوى وطائفى وبين ما يسميه القامعون: "معسكر المعتدلين" و"معسكر المتطرفين"، فلا تكتفى الوثيقة بالمسعى الى "انتاج شريحة قيادية جديدة" بل تؤكد مسعاها لإحداث الشرخ الاوسع داخل مجتمعنا وذلك بذكرها: "الاقليات فى دولة اسرائيل ليسوا كتلة واحدة.
فى تحديد السياسة يجب الاخذ فى الحسبان الاطياف المختلفة لابناء كل الطوائف: عرب مسلمين ومسيحيين، القطاع المدنى والقطاع القروي، البدو، الدروز والشركس" ،الوثيقة تربط مجمل تطورنا المستقبلى بمعادلة الولاء للدولة. فالحصول على حقوق يتطلب ولاء اكبر وهكذا ، و"الحكم الذاتي" يتطلب تجاوز القيادات الحالية وخلق اسرائيل لشريحة قيادية عربية جديدة موالية وضد شعبها
وهذه الوثيقة تؤكد مجددا جانبا اخر من مفهوم الدولة اليهودية ودولة اليهود، فهى ليست مجرد شعار بل واقع قمعى عنصرى مشرعن ، وهذا يؤكده التدخل المباشر للمنظمات الصهيونية العاليمة بشؤون الفلسطينيين العرب فى الداخل الآخذ فى التصاعد ، وبنظرة سريعة الى تدخلات الوكالة اليهودية غداة حرب لبنان الثانية واقامة "طاقم العمل حول العرب الاسرائيليين" والمشكّل من 72 منظمة صهيونية امريكية وكندية وبريطانية، والان المجلس الصهونى وهو الذراع التنفيذى للمنظمة الصهيونية العالمية، ورغم الاختلافات بينهم، فإن هنالك مسعى منهجيا وهو ربط الجماهير العربية مصلحيا بالمنظمات الصهيونية العالمية كوكلاء لضمان الولاء لاسرائيل اذ المنظمات الصهيونية لا تتعامل مع ذاتها كونها ليست اسرائيلية او خارجية بل تتعامل بمفهوم ان اسرائيل تابعة لها بصفتها "دولة اليهود" ،هناك فرق بين تعاملنا مع دولة اسرائيل من باب المسعى لنيل حقوقنا كمواطنين، وهذا حق لنا، وبين التعامل مع المنظمات الصهيونية العالمية. فوثيقة المجلس الصهيونى تدعى انها اول مرة تقوم فيها منظمات الحركة الصهيونية بالتعامل مع العرب فى اسرائيل.
والحقيقة التاريخية وبالذات فى عام النكبة الستين هى ان منظمات الحركة الصهيونية هى جزء لا يتجزأ من قيادة المشروع الاستعمارى العنصرى فى سلب الوطن والارض والحقوق والاقتلاع والتهجير قبل العام 1948 ودون انقطاع لغاية اليوم ، ومن دروس ردود فعلنا ايضا اننا كمجتمع بمؤسساته القيادية اولا، مطالبون اخلاقيا وسياسيا برفض مبدئى للتطبيع مع المنظمات الصهيونية وهذا دورنا نحن هنا فى الداخل.
ومناهضتنا ليهودية الدولة تتطلب جماعيا ومنهجيا، رفض التعامل مع المنظمات الصهيونية ومناهضة مشروعها من ناحية، لكن ايضا وبالاساس التأكيد على انه لا يحق لهذه المنظمات التدخل فى مصيرنا ،فلا يمكن الإمساك بعصا الاخلاق من طرفيها.على حبل المصالح، لتكون مصالح أمريكا هى فى أساس لعبة الحرب والسلام فى العالم.
|